×

النبأ

الآيات ٣٨–٤٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴿٣٨﴾

ذَٰلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَـَٔابًا ﴿٣٩﴾

إِنَّآ أَنذَرْنَـٰكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرَٰبًۢا ﴿٤٠﴾

يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ أي: لا يتكلمون ملائكة ولا غيرهم، كما قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه ١٠٨]. ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ بالكلام، فإنه يتكلم كما أُذِنَ له. ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ أي: قال قولًا صوابًا موافقًا لمرضاة الله سبحانه وتعالى، وذلك بالشفاعة، إذا أَذِنَ الله لأحد يشفع شَفَعَ فيما أَذِنَ له فيه على حسب ما أُذِنَ له. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ [النبأ ٣٩] أي: ذلك الذي أخبرناكم عنه هو اليوم الحق، والحق ضد الباطل، أي: الثابت الذي يقوم فيه الحق، ويقوم فيه العدل، ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٨، ٨٩]، أعانني الله وإياكم على ذلك اليوم. ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا﴾ أي: مَن شاء عمل عملًا يؤوب به إلى الله، ويرجع به إلى الله، وذلك العمل الصالح الموافق لمرضاة الله تعالى. وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا﴾ قيَّدَتْها آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير ٢٨، ٢٩]، يعني أننا لنا الخيار فيما نذهب إليه، لا أحد يُكْرِهُنا على شيء، لكن مع ذلك خيارنا وإرادتنا ومشيئتنا راجعة إلى الله، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وإنما بيَّن الله ذلك في كتابه من أجل ألَّا يعتمد الإنسان على نفسه وعلى مشيئته، بل يعلم أنها مرتبطة بمشيئة الله، حتى يلجأ إلى الله في سؤال الهداية لِمَا يُحِبّ ويرضى، لا يقول الإنسان: أنا حُرّ، أريد كما شئت وأتصرف كما شئت، نقول: الأمر كذلك، لكنك مربوط بإرادة الله عز وجل. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ ٤٠] أي: خَوَّفْنَاكُم من عذاب قريب، وهو يوم القيامة، يوم القيامة في الحقيقة يا إخواننا قريب، ولو بَقِيَت الدنيا ملايين السنين فإنه قريب، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٤٦]، فهذا العذاب الذي أَنْذَرَنَا الله قريب، ليس بين الإنسان وبينه إلا أن يموت، والإنسان لا يدري متى يموت، قد يصبح ولا يمسي، أو يمسي ولا يصبح، ولهذا كان علينا أن نحزم في أعمالنا، وأن نستغل الفرصة قبل فوات الأوان. ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾، ﴿الْمَرْءُ﴾ أي: كل امرئ، ينظر ما قدَّمَت يداه، ويكون بين يديه ويُعْطَى كتابه، ويقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤]. ويقول الكافر من شدة ما يرى من الهول وما يشاهده من العذاب يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ أي: ليتني لم أُخْلَق، أو ليتني لم أُبْعَث، أو إذا رأى البهائم التي يقضي الله بينها ثم يقول: كوني ترابًا، فتكون ترابًا، يتمنى أن يكون مثل البهائم. فقوله: ﴿كُنْتُ تُرَابًا﴾ تحتمل ثلاثة معانٍ؛ المعنى الأول: يا ليتني كنت ترابًا فلم أُخْلَق؛ لأن الإنسان خُلِقَ من تراب. المعنى الثاني: يا ليتني كنت ترابًا فلم أُبْعَث، يعني: كنت ترابًا في أجواف القبور. أو المعنى الثالث: أنه إذا رأى البهائم التي قضى الله بينها وقال لها: كوني ترابًا، فكانت ترابًا، قال: ليتني كنت ترابًا، أي: كما كانت هذه البهائم، والله أعلم. وإلى هنا تنتهي سورة النبأ، وفيها من المواعظ والحِكَم وآيات الله عز وجل ما يكون مُوجِبًا للإيقان والإيمان، نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بكتابه، وأن يجعله موعظة لقلوبنا، وشفاء لما في صدورنا، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.