تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ﴿٣٣﴾
وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ [النبأ ٣١ - ٣٣] إلى آخر ما ذكر الله عز وجل، هذه الآيات جاءت بعد قوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا﴾، وذلك أن القرآن مثاني تُثَنَّى فيه الأمور، إذا ذُكِرَ فيه الثواب ذُكِرَ العقاب، وإذا ذُكِرَ العقاب ذُكِرَ الثواب، وإذا ذُكِرَت صفات المؤمنين ذُكِرَت صفات الكافرين، وهكذا، لأجل أن يكون الإنسان حين يقرأ القرآن راغبًا راهبًا، إذا قرأ ما فيه الثواب للمؤمنين رغب ورجَا وأَمَّلَ، وإذا قرأ ما فيه عقاب الكافرين خاف، فيكون سائرًا إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء، لا يأمن مكر الله، ولا ييأس من رحمة الله.
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: ينبغي أن يكون الإنسان في عبادته لربه بين الخوف والرجاء، فأيهما غلب هلك صاحبه.
يقول عز وجل: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾، والمتقون هم الذين اتَّقَوْا عقاب الله، وذلك بفعل أوامر الله واجتناب نواهيه، أحيانًا يأمر الله بتقواه، وأحيانًا يأمر بتقوى يوم الحساب، وأحيانًا يأمر بتقوى النار، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [آل عمران ١٣٠، ١٣١]، فجمع بين الأمر بتقواه والأمر بتقوى النار، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١]، فأمر بتقوى يوم الحساب.
وكل هذا يدور على معنى واحد وهو أن يتقي الإنسان محارم ربه، فيقوم بطاعته وينتهي عن معصيته، فالمتقون هم الذين قاموا بأوامر الله واجتنبوا نواهي الله، هؤلاء لهم مفاز، والمفاز هو مكان الفوز وزمان الفوز أيضًا، فهم فائزون في أمكنتهم، وفائزون في أيامهم.
يقول عز وجل: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾، هذا نوع المفاز، ﴿حَدَائِقَ﴾ أي: بساتين عظيمة الأشجار، كثيرة الأشجار، منوعة الأشجار.
﴿وَأَعْنَابًا﴾ الأعناب جمع عنب، وهي من جملة الحدائق، لكنه خَصَّهَا بالذِّكْر.
﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ الكواعب جمع كاعب، وهي التي تَبَيَّن ثديها ولم يتدلَّ، بل برز وظهر كالكعب، وهذا أكمل ما يكون في جمال الصدر.
و﴿أَتْرَابًا﴾ أي: على سِنٍّ واحدة لا تختلف إحداهن عن الأخرى كِبَرًا كما في نساء الدنيا؛ لأنها لو اختلفت إحداهن عن الأخرى كِبَرًا فربما تختل الموازنة بينهما، وربما تكون إحداهما محزونة إذا لم تساوِ الأخرى، لكنهن أتراب.
﴿