×

النبأ

الآيات ٢٨–٢٩

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا كِذَّابًا ﴿٢٨﴾

وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ كِتَـٰبًا ﴿٢٩﴾

وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا﴾. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ ٢٩]، ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ يشمل ما يفعله الله عز وجل من الخلق والتدبير في الكون، ويشمل ما يعمله العباد من أقوال وأفعال، ويشمل كل صغير وكبير، ﴿كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ أي: ضبطناه بالإحصاء الدقيق الذي لا يختلف. ﴿كِتَابًا﴾ يعني: كَتْبًا، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله تعالى كتب مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة[[أخرج أبو داود (٤٧٠٠) بسنده عن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: يا بني، إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة». ]]، ومن جملة ذلك أعمال بني آدم فإنها مكتوبة، بل كل قول يُكْتَب، قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٨]، ﴿رَقِيبٌ﴾ يعني: مراقب، والعتيد يعني: الحاضر. ودخل رجل على الإمام أحمد رحمه الله وهو مريض يئن من مرضه، فقال له: يا أبا عبد الله إن طاووسًا -وهو أحد التابعين المشهورين- يقول: إن أَنِينَ المريض يُكْتَب، فتوقَّف رحمه الله عن الأنين خوفًا من أن يُكْتَب عليه أنين مرضه، فكيف بأقوال لساننا التي لا حدّ لها ولا ممسك لها، ألفاظ تترى طول الليل والنهار ولا نحسب لها الحساب -نسأل الله أن يعاملنا وإياكم بعفوه-. كل شيء يُكْتَب، حتى الهم يُكْتَب إما لك وإما عليك، مَن هَمَّ بالسيئة فلم يعملها عاجزًا عنها فإنها تُكْتَب عليه، وإن هَمَّ بها وتركها لله فإنها تُكْتَب له، فلا يضيع شيء، ﴿كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾. ﴿