تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿٢٢﴾
ثم قال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [الأنعام ٢٢] ﴿يَوْمَ﴾ ظرف، والمعروف أن الظرف والجار والمجرور لا بد لهما من متعلَّق، كما قال ناظم الجمل:
لَا بُدَّ لِلْجَــــــــــــــــــــــــــــــار مِنَالتَّـــــــــــــــعَلُّقِ ∗∗∗ بِفعْـــــــــــــــــــــلٍ اوْ مَعنَاهُ نَحْوُمُرْتَقِــــــــــــــــــــــــــــــــــي؎واسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَــــــــــــــهُعَمَــــــــــــــــــــــــلْ ∗∗∗ كَالْبَا و(مِنْ) وَ(الْكَافِ) أَيْضًا وَ(لَعَلْ)
إذن أين متعلق ﴿يَوْمَ﴾؟ محذوف؛ التقدير: اذكر يوم نحشرهم، اذكر في نفسك، أو اذكر لهم؟
الجواب: الثاني، ويجوز أن نقول: اذكر في نفسك حتى تتسلى بهذه الذكرى، ويهون عليك أمرهم.
﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: نجمعهم.
﴿جَمِيعًا﴾ لا يُفلت منهم أحد.
﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام ٢٢] ﴿نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: بالله عز وجل في الدنيا.
﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ والتبكيت، وإلا من المعلوم أنهم لن يأتوا، لكن توبيخًا لهم وتبكيتًا لهم، وتنديمًا لهم أنهم لن ينتفعوا بهم.
﴿شُرَكَاؤُكُمُ﴾ أي: ما أشركتم بهم في الله عز وجل، ونعلم أن المشركين كانوا أنواعًا وأصنافًا؛ منهم من يُشرك مع الله حجرًا، أو شجرًا، أو قمرًا، أو نجمًا، المهم أنهم مختلفون.
فيقال: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي: تزعمون أنهم آلهة، والإله ينفع مَنْ تألَّهه، فأين هم؟
الجواب: بيّنه الله عز وجل ﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد هذا السؤال ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] (الفتنة) هنا بمعنى الحجة.
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي: حجتهم.
﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أقسموا بالله أنهم لم يكونوا مشركين، وهل هم صادقون في هذا القسم؟
لا؛ ولهذا قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام ٢٤]، انظر أيها المخاطب كيف كذبوا على أنفسهم، وهنا إشكال: ﴿كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، وأمرنا أن ننظر، والمراد هنا نظر الاعتبار، لكن كيف يقول: ﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ والأمر لم يأتِ بعد؛ لأن هذا يكون يوم القيامة؟
والجواب: أن هذا على حكاية الحال، والله -عز وجل- دائمًا يحكي الأشياء المستقبلة حتى يتصورها الإنسان وكأنها واقعة، وإنما يكون ذلك؛ لأن الشيء المستقبَل المحقق يكون كالواقع تمامًا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] مع أنه ما أتى بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]، فيكون التعبير بالماضي على حكاية الحال حتى يتصور الإنسان وكأن الشيء بين يديه.
﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
ثم قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿ضَلَّ﴾ بمعنى ضاع فلم يجدوه، كالرجل الذي ضاع له المال فلم يجده، هؤلاء ضاعت عنهم الآلهة فلم يجدوها.
وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ما كانوا يفترونه من دعواهم أن هذه آلهة مع الله، فإن هذا من أعظم الافتراء كما سبق في الآية فيما قبل آيتين.
نعود إلى القراءات في هذه الآية يقول: ﴿