×

الذاريات

الآية ٣٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

قَالُوا۟ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ ﴿٣٠﴾

قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات ٣٠] عز وجل، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ﴾ أنت تجعل ﴿هُوَ﴾ هنا: مبتدأ، و﴿الْحَكِيمُ﴾: خبر. أو تجعل ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل، و﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر؟ لك الخيار، يعني: إن شئتَ فقل: ﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر إن، و﴿هُوَ﴾ ضمير فَصْلٍ لا محل له من الإعراب، وإن شئت فقل: ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، و﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر ﴿هُوَ﴾، والجملة خبرُ إن، وهنا قدم ﴿الْحَكِيمُ﴾ على ﴿الْعَلِيمُ﴾؛ لأن المقام يقتضي هنا تقديم الحكمة على العلم. الحكمة هنا في شيئين يا إخوان: أوَّلًا: تأخير الولادة بالنسبة لهذه المرأة، إن الله لم يؤخر ولادتها إلى أن تبلغ العجز إلا لحكمة، حكمة أخرى بكونها ولدت بعد أن أيست واعتقدت أنها عقيم، فها هنا حكمتان حكمة سابقة، وحكمة لاحقة، ومِنْ ثَمَّ قدم اسم ﴿الْحَكِيمُ﴾ على اسم ﴿الْعَلِيمُ﴾، وأنتم تشاهدون أن القرآن الكريم إذا جمع الله بين هذين الاسمين الكريمين: (العليم والحكيم) يُقدِّم غالبًا (العليم)، لكن هنا قدم ﴿الْحَكِيمُ﴾؛ لأن المقام يقتضي ذلك ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾. وهنا أسألُ: ما معنى ﴿الْحَكِيمُ﴾؟ أكثر الناس يظنون أن معنى الحكيم أنه المتصف بالحكمة، والحكمة هي: وضع الشيء في مواضعه، ولكن الواقع أن ﴿الْحَكِيمُ﴾ له معنيان: حكيم من الحكمة، وحكيم من الحكم، فالله عز وجل حكيم من الحكمة؛ لأن الله تعالى هو الحكم بين العباد والحاكم في العباد، هو حاكم فيهم وهو الحكم بينهم، وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ لمن؟ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨]، وهذا الاستفهام للتقرير؛ يعني أن الله تعالى أحكم الحاكمين، هنا قال: ﴿مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ في سورة المائدة، وفي سورة التين: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾. كلاهما في محله المناسب، ففي سورة المائدة ذكر الله ﴿مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] و﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥] و﴿الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧]، وتتابعت الآيات حتى قال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] فكأن المقام مقام مفاضلة بين الأحكام، فبين أن حكم الله أحسن الأحكام، لكن في سورة التين المقام مقام سلطة وقوة، والله أحكم الحاكمين، يعني: أن حكمه نافذ وسلطته تامة، ولا أحد يعارض حكمه أبدًا مهما قويت شوكته. وانظر إلى قول الله تعالى عن عاد: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] يعني: لا أحد أشد منا قوة، فقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، وعذَّبهم بألطف الأشياء، عذبهم بماذا؟ بالريح، الهواء اللطيف الذي لا تحس به مَلْمَسًا، وإن كان قويًّا الهواء، يدفع كل شيء، وهو أقوى من الماء كما هو معروف، وهذا الهواء اللطيف أهلك به هؤلاء القوم الذين يقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت١٥]، أهلكهم به. فالحاصل أن الله أحكم الحاكمين حكمُه نافذٌ صادر عن قُوَّةٍ وسلطان، ثم إن أحكم الحاكمين تتضمن أيضًا حسن الحكم. إذن ﴿الْحَكِيمُ﴾ في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ يتضمن معنين: معنى من الحكم، ومعنى من الحكمة، انتهينا من الحكم، صار حكم الله عز وجل يتضمن أنه الحاكم في العباد، وأنه الحاكم بين العباد، وأن حكمه أحسن الأحكام، وأنه تعالى أحكم الحاكمين. الحكمة أيضًا؛ لله تعالى الحكمة البالغة لله، ولا شيء من الأفعال القائمة في الوجود أحكم من حكمة الله، وإذا آمنت بهذا أيها المؤمن! إذا آمنت بهذا سهل عليك أمور كثيرة تشكل على كثير من الناس، منها بعض الأحكام الشرعية، لا يدرك الناس أو أكثرهم أو بعضهم حكمتها، فهل نقول إذا لم ندرك الحكمة: إنه لا حكمة لها، أو نقول: إن لها حكمة، لكن عقولنا قاصرة؟ الثاني، وإذا آمنا هذا الإيمان اطمأننا إلى كثير من الأمور الشرعية التي تخفى علينا حكمتها، هل نحن ندرك الحكمة في كون الصلوات خمسًا؟ لا، أو أنها سبعة عشر ركعة؟ لا. وأشياء كثيرة من الأمور الشرعية، لا يدرك الإنسان حكمتها، لكن إذا آمنت أن الله حكيم، آمنت بأنه لا بد لهذا الشيء من حكمة تقتضيه. كذلك في الأمور القدرية: قد يُرسِل الله سبحانه وتعالى عذابًا يشمل الصالح والطالح، وقد يرسل الله عذابًا على قوم لا تتوقع أن يصيبهم العذاب، فهل تقول: ما الحكمة؟ أو تقول: إن الله عز وجل لا بد أن يكون تقديره لهذا عن حكمة، ولذلك أقول لكم: إن الواجب علينا فيما أمر الله به من الشرائع وفيما قضاه من الأقدار أن نستسلمَ غاية التسليم، وألا نعترض هذا بعقولنا. واستمعوا إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ هذه واحدة، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ الثانية، الثالثة: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]. أقسم الله عزَّ وجل أنه ما يمكن أحد يؤمن إلا بهذه الشروط الثلاثة؛ هي: أن يحكموك فيما شجر بينهم. والثاني: ألا يجدوا في صدورهم حرجًا؛ يعنى: لا تضيق صدورهم بحكم الله. والثالث: أن يُسَلِّموا تسليمًا؛ أكَّد هذا بالمصدر ﴿تَسْلِيمًا﴾؛ يعني: تسليمًا تامًّا، لا يتهاون الإنسان ويتباطأ في تنفيذ حكم الله، فإذا وجدت من نفسك عيبًا يتعلق بهذه الأمور الثلاثة فصحِّحْ إيمانَك، إذا رأيت أنك تَوَدُّ أن يكون التحاكم إلى غير الله ورسوله صحح الإيمان، إذا رأيت من قلبك أنك لا تريد إلا حكم الله ورسوله، لكن يضيق صدرك بحكم الله ورسوله، وأنت تحدِّث نفسك أنك لا يمكن أن تتحاكم إلى غير الله ورسوله، لكن يضيق صدرك، إذا كان لا يضيق صدرك ولا تبغي التحاكم إلى غير الله ورسوله وأنت منشرح الصدر بحكم الله ورسوله، لكن تتباطأ وتتهاون، فأنت ناقص الإيمان؛ اقرأ قول الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]. لما لم يؤمنوا به أوَّل مرة ولم يقبلوه من أول مرة صارت -والعياذ بالله- قلوبهم مُتَقَلِّبة، وتركهم الله في طغيانهم يعمهون؛ ولهذا يجب عليك أيها المؤمن أن تُبادِرَ بانقيادٍ تامٍّ لحكم الله تعالى القدري (...). * * * ..وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الذاريات ٣١]. لكني رأيت أن أتكلِّم على آداب السلام؛ حيث إن الملائكة قالوا: ﴿سَلَامًا﴾، فقال إبراهيم: ﴿سَلَامٌ﴾، وذكرنا فيما سبق أن ردَّ إبراهيم أحسنُ من ابتداء الملائكة؛ لأنَّ ردَّ إبراهيم جملة اسمية تفيد الثبوت والاستمرار بخلاف سلام الملائكة، واعلم أنَّ ردَّ التحية واجب؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء ٨٦]، فقال: ﴿إِذَا حُيِّيتُمْ﴾ ولم يذكر من يُحَيِّينا، فيشمل أيَّ إنسانٍ يحيينا، فإننا نُحَيِّيه، نرد عليه أحسنَ من تحيَّتِه أو مثلها؛ كما قال: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء ٨٦]، فبدأ بالأحسن؛ لأنه هو الأفضل ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ أي: رُدُّوا مِثْلَها، ويشمل هذا ما إذا سلَّم علينا أحد من اليهود أو النصارى أو البوذيين أو غيرهم نرد عليه، لكننا لا نبدأ اليهود والنصارى بالسلام؛ لنهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك[[أخرجه مسلم (٢١٦٧ / ١٣) من حديث أبي هريرة.]]. ثم إن السلام يقال هكذا: السلام عليكم، هذا هو المشروع، وأما أهلًا وسهلًا ومرحبًا، وكيف حالك؟ وما أشبهها، فهذا ليس بمشروعٍ. المشروع أن تبدأ أوَّلًا بالسلام؛ ولهذا كان في حديث المعراج حين كان النبي ﷺ يمر بالأنبياء فيُسلِّم عليهم قال: «فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، وَقَالَ: مَرْحَبًا بالنَّبِيِّ الصَّالِحِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣ / ٢٦٣) من حديث أبي ذر.]] فابدأْ أوَّلًا بقولِكَ: السلام عليكم، الجواب يكون مثل ذلك أو أحسن؛ يكون: عليكم السلام، أو: وعليكم السلام، أو: عليكم السلام ورحمة الله، أو: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كل هذا من المشروع، نرى كثيرًا من النَّاس إذا سلَّم عليه يقول: أهلًا وسهلًا، أو يقول مرحبًا بأبي فلان، وهذا لا يجزئ؛ يعني لو قال: أهلًا وسهلًا مدى الدهر، فإنه لا يجزئ؛ لأن الله يقول: ﴿حَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء ٨٦]، ومعلوم أن الذي يقول: السلام عليك، يدعو لك بالسلام مِن كل نقص، من كل آفة، من كل مرض في القلب أو البدن، ولا يكفي أن تقولَ: مرحبًا وأهلًا، بل لا بد أن تقول: عليك السلام، أو وعليكم السلام، وإن زدت ورحمة الله وبركاته كان أحسن. ثانيًا: مَنِ المطلوبُ منه أن يسلِّم؟ جاءت السنة ببيان ذلك: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبيرِ»[[أخرجه البخاري (٦٢٣١) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن حق الكبير أعظم من حق الصغير على الكبير، فيبدأ الصغيرُ بالسلام على الكبير، ولكن إذا قُدِّر أنه لم يُسلِّم، فهل الكبيرُ يَدَعُ السَّلامَ؛ لأن الحق له أو يسلم لئلا تفوت السنة؟ والجواب: يسلم؛ لئلا تفوت السنة، فكون الإنسان يقول: أنا صاحب الحق، لماذا لم يُسَلِّم عليَّ؟ هذا خطأ، صحيح أنك صاحب الحق، وأن المشروع أن يُسلِّمَ هو عليك، لكن إذا لم يفعل فسلِّمْ أنت، يسلِّم أيضًا «الْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ» ولو كان القاعد أصغر، فإذا مرَّ شخص بإنسان قاعدٍ فليسلِّم عليه، ولو كان أصغر منه سِنًّا أو قَدْرًا، وقد كان مِن هديِ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه يُسلِّم على الصبيان إذا مر بهم[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٤٧)، ومسلم (٢١٦٨ / ١٤) من حديث أنس بن مالك.]]، وفي ذلك فائدة عظيمة: منها: التواضع؛ أن الإنسان يضع نفسه، إذا سلَّم على مَنْ هو دونه. ومنها: الرحمة؛ لأنَّ سلامك على الصغار نوع من الرحمة، وقد أخبر النبيُّ عليه الصلاة والسلام أن الراحمين يرحمهم الله عز وجل[[أخرجه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]. ومنها: تعويد السلام لهؤلاء الصبيان؛ يعني أن الصبيَّ يعرف أن شعار المسلمين أن يُسَلِّم بعضُهم على بعض، فيأخذ من هذا أدبًا وخُلقًا ينتفع به في شبابه وبعد هرمه. ثالثًا: يسلم الكثير على القليل، أو القليل على الكثير، أيهم أحق؟ القليل كالصغير مع الكبير، يسلِّم القليل على الكثير؛ يعني: إذا تقابل جماعة خمسة وستة، مَن يسلِّم؟ الخمسة يسلمون على الستة؛ لأن الستة فيهم زيادة، هذه الزيادة له حق، الزائد له حق، فيسلم القليل على الكثير، وإذا لم يفعلوا؟ فليسلِّم الكثير على القليل؛ لئلا تفوت السنة بينهم، كذلك أيضًا الراكب والماشي، تقابل رجلان أحدهما: يمشي، والثاني راكب في سيارته، أو على بعيره، من الذي يُسَلِّم؟ يسلم الراكب على الماشي؛ لأن الرَّاكب له علو فيسلم على الماشي؛ لأن السُّنَّة جاءت بهذا، الصاعد على النازل أو النازل على الصاعد؟ الصاعد على النازل؛ يعني لو أن اثنين التقيا في درجة سلم؛ فإن الصاعد هو الذي يسلم على النازل، وإذا لم تأت السنة ممن عليه أن يبدأ بها، فليبدأ بها الثاني، قال النبي ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٧٧)، ومسلم (٢٥٦٠ / ٢٥) من حديث أبي أيوب.]] قال: «خَيْرُهُمَا»، فدلَّ ذلك على أن من بدأ غيره بالسلام فهو خير، وهو كذلك؛ لأنه أنت إذا سلمت حصَّلْتَ عشر حسنات، ثم إذا رَدَّ صاحِبُك حصَّل عشر حسنات، وما هو السبب الذي جعله يُحَصِّل عشر حسنات؟ السبب البادئ، لولا أنك سلمت ما رد، فتكون أنت متسببًا لهذا الذي عمل عملًا صالحًا فلك أجرُه؛ ولهذا قال العلماء: ابتداءُ السَّلام سنَّةٌ وردُّه واجب، ثم أوردوا على هذا إشكالًا، قالوا: أيُّهما أفضلُ؟ ابتداء السَّلام أو رد السلام؟ ابتداء السلام أفضل، ثم أوردوا إشكالًا قالوا: كيف تكونُ السُّنَّةُ أفضلَ من الواجب؟! والقاعدة الشرعية: أنَّ الواجب أفضل؛ كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مما افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]]. أجابوا عن ذلك قالوا: هذا الإشكال جوابُه أنَّ هذا الواجب كان مبنيًّا على السنة، فصارت السنة التي بُنِيَ عليها الواجب لمن أتى بها ثوابُ أجره الخاص وثوابُ أجرِ الرادِّ الواجب. كذلك أيضًا السلام ينبغي أن يكون بصوت مسموع، بعض الناس يلاقيك ويسلم، لكن تشكُّ هل سلَّم أو لا؟ لأنه لم يرفعْ صوته، وهذا غلط، ارفع الصوت على وجهٍ يدلُّ على أنك فَرِحٌ بهذا الأخ الذي قابَلَكَ، أو الذي سلَّمْتَ عليه لا بصوت مزعج، ولا بخافتٍ لا يُسْمَع، على العكس من ذلك بعضُ الناس يُسلِّم بصوتٍ مُزْعِجٍ، والدين وسط بين الغالي والجافي، فنقول: سَلِّم سلامًا مسموعًا يسمَعُه أخوك، ويكون بأدبٍ واحترام. ومن آداب السلام أيضًا: أن يكون المُسلِّمُ منبسطَ الوجه منشرحَ الصدرِ؛ فإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجهٍ طلقٍ[[أخرجه مسلم (٢٦٢٦ / ١٤٤) من حديث أبي ذر.]]، فإن طلاقة الوجه، وانشراحَ الصدر، والابتسامة في وجه أخيك لا شك أنها من الأمور المطلوبة؛ لما فيها من إدخال السرور على إخوانك، وإدخال السرور على إخوانك من الأمور المستحبة التي تُؤْجَر عليها لقول النبي ﷺ: «كُلُّ مَعْروفٍ صَدَقَةٌ»[[أخرجه البخاري (٦٠٢١) من حديث جابر بن عبد الله، ومسلم (١٠٠٥ / ٥٢) من حديث حذيفة.]] كل معروف فإنه صدقة. وإذا ورد عليك السلام محمولًا، فإن كان الحاملُ له شخصًا وقال: فلان يُسلِّم عليك، فقل: عليك وعليه السلام، وإن شئت فقل: عليه السلام، أي: على الذي حمَّله. أما إذا كان محمولًا بكتابة؛ يعني: إنسان كتب لك كتابًا، وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإن كنت تريد أن تجيبَه بكتاب رُدَّ عليه بجوابك؛ مثلًا كتب إليك إنسان كتابًا، وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عند الجواب تكتب ج/ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قرأت كتابَك وفهمت ما فيه، والجواب: كذا وكذا، أكثر الناس الآن لا يهتمون بهذا، تجده يكتب الجواب، ويقول في ابتدائه: السلام عليكم ورحمة الله، هذا طيب، لكن الذي سلَّم عليكم يريد جوابًا، قل: ج -جواب يعني- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وصلني كتابك، أو قرأت كتابك، وفهمت ما فيه، وهذا الجواب، وتجيبه بما سأل، فهذا إذا كان السلام مكتوبًا فجوابه بالكتابة. إذا كان لا يحتاج إلى جواب، مثل أن يكون شخص كتب إليك كتابًا يخبرك بخبر لا يحتاج إلى جواب، فهنا إذا قرأت الكتاب فقل: عليك السلام ورحمة الله وبركاته، لا أقول وجوبًا؛ لأن صاحبك لن يسمع، لكن على سبيل الاستحباب، رجل دعا لك بظهر الغيب فادع له أنت بظهر الغيب، وإلى هنا ينتهي الكلام على السلام.