تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴿٢٧﴾
فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۖ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ ۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍ ﴿٢٨﴾
فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُۥ فِى صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ﴿٢٩﴾
فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات ٢٧] ﴿قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ يعني: لم يجعله بعيدًا، ويقول: قوموا إلى طعامكم، بل خَدَمهم حتى جعله بين أيديهم، ﴿قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾؟ ولم يقل: كُلوا، وإنما عرض عليهم عرضًا؛ لأن هذا أبلغ في الإكرام، انتبهوا لهذا والعرض أخف وألطف من الأمر؛ إذ إنه لو قال: كلوا كان يحتمل أنه أراد أن يستعليَ عليهم ويوجِّهَ الأمر إليهم، لكن قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ تعرفون الفرق بين العبارتين في الرفق، أيهما أرق وأرفق؟ ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، هذا الآن كما رأيتم قُرب الطعام إليهم، هل نقول: إن السنة والأفضل أن الإنسان إذا دعا ضيوفًا أو أتاه ضيوف أن يُقرِّبه إليهم في مجلس الجلوس؟ أو نقول: هذا يختلف باختلاف الأحوال؟ الثاني هو الأظهر؛ لأن عموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧ / ٧٥) من حديث أبي هريرة.]] يدل على أنك تكرِمُهُم بما جرت به العادة بإكرامهم به، عندنا الآن إذا عزمت أصحابَك وأصدقاءك وهم قِلَّة، فلا يعدون تقديم الطعام في مكان جلوسهم لا يعدونه إهانة؛ لأنهم إخوانك وأصدقاؤك، والأدب بينكم متسامح فيه، لكن لو نزل بك ضيف أو دعوت ضيفًا ليس بينك وبينه الصلة التي يسقط بها -كما يقولون- الأدب، فإنه في عرفنا الآن ليس من إكرامه أن تُقدِّم الطعام في محل الجلوس اللهم إلا لضرورة إذا لم يكن عندك مكان، الآن الإكرامُ أن تجعل الطعام في مكان، ثم إذا أردت أن يأكلوه تقول: تفضَّلوا، ألا تتفضلوا؟ أو نُغيِّر المجلس، أو ما أشبه ذلك من الكلمات المتداولة.
فالمهم أن قوله تبارك وتعالى عن إبراهيم: ﴿قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ ينبغي أن يُجْعَل هذا حسب عادة الناس، إذا كان من الإكرام أن تأتيَ بالطعام إلى محل جلوسهم فأتِ به، إذا كان من الإكرام أن تجعله في محل آخر فافعلْ؛ دليل ذلك قوله ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهَ».
﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [الذاريات ٢٧، ٢٨] أي: أحسَّ في نفسه بخيفة منهم، وسبب تلك الخيفة أنه عليه الصلاة والسلام لما قدَّم إليهم الطعام لم يأكلوا منه، ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾؛ لأن العادة أن الضيف يأكل مما قَدَّم له المضيف، لكن هؤلاء الملائكة لا يأكلون، لم يأكلوا؛ لأن الملائكة صُمٌّ؛ أي: ليس لهم أجواف كما جاء ذلك مأثورًا عن السَّلف؛ ولهذا لا يحتاجون إلى أكل ولا إلى شرب، ﴿أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ طمأنوه قالوا: لا تَخَفْ، لما رأوا على وجهه من علامة الإنكار والخوف، وكل إنسان يعرف حال قلب المرء المواجه له حاله هل هو في سرور؟ هل هو في انشراح؟ هل هو خائف؟ هل هو مطمئن؟ لأن هذا أمر معلوم بالفطرة، ولا يحتاج إلى كبير فراسة.
﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ (البشارة) هي الإخبار بما يَسُرُّ، أي: أخبروه بما يَسُرُّه وهو الغلام العليم، وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد بلغ من الكبر عتيًّا قبل أن يولدَ له، لا هو ولا امرأته، بشَّروه بهذا الغلام، وبشَّروه بأنه عليم، أي: سيكون ذا علم؛ لأن الله تعالى جعله من الأنبياء، والأنبياء هم أعلم الخلق بالله عز وجل وأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله، وهذا الغلام العليم غير الغلام الحليم؛ لأن في القرآن أن إبراهيم بُشِّرَ بغلامٍ عليم في آيتين من كتاب الله، وبشِّر بغلامٍ حليم في آية واحدة، وهما غلامان: أما الغلام الحليم فإنه إسماعيل أبو العرب، وأما الغلام العليم فإنه إسحاق أبو بني إسرائيل، ولذلك تجد قصتهما مختلفة.
ولقد أبعد عن الصواب من قال: إن الغلام الحليم هو الغلام العليم، بل هو نَصٌّ صريح في سورة الصافات؛ فإن الله تعالى لما ذكر قصة الذبيح في سورة الصافات قال بعدها: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات ١١٢] فكيف يبشر بمن (...)؟ كل هذا مما يدل على أن القول بأن الغلام الحليم غير الغلام العليم.
﴿بَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ وهذه بشارة كما ترون، تضمنت بشارة بشيئين، وإن شئتم فقولوا: بثلاثة أشياء:
أوَّلًا: بأنه سيأتيه مولود يصل إلى أن يكون غلامًا.
ثانيًا: أن هذا المولود ذكر لا أنثى؛ لقوله: ﴿غُلَامٍ﴾.
ثالثًا: أنه ﴿عَلِيمٍ﴾، أي: ذو علم، وكل هذه البشارات عظيمة، كل واحدة تكفي أن تكون بشارة.
قال تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات ٢٨، ٢٩] مَن امرأته هذه؟ هي: سارة، أم إسحاق، ﴿أَقْبَلَتِ﴾ لما سمعت البُشرى ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ في صيحة؛ سرورًا، أو ندمًا وحزنًا؟ الجواب: أنها أتت ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ سرورًا؛ لأنها جاءتها هذه البشرى بعد أن تقدَّمت بها السن، تصيح وكأنها -والله أعلم- تقول: غلام! غلام! أي: ضربته بيدها كالمتعجبة كما يصنع الناس إلى اليوم، إذا أتاهم خبر (...) الله أكبر وضرب على وجهه.
﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات ٢٩] ﴿عَجُوزٌ﴾ هذه خبر مبتدأ محذوف، التقدير: أنا عجوز عقيم، فكأنها تعجبت أن تحصل لها البشرى بهذا الغلام العليم بعد أن تقدمت بها السن، وعقمت من الولد، ولكنهم بيَّنوا لها السببَ الوحيدَ الذي به وُجِدَ هذا الولد، فقالوا: ﴿كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾ [الذاريات ٣٠] أي: مثلما قلنا وبشرنا به قال الله عز وجل.
وانظر إلى قوله: ﴿قَالَ رَبُّكِ﴾ حيث أضاف الربوبية هنا إلى هذه المرأة العجوز العقيم الكبيرة إشارة إلى أن هذا من عناية الله بها؛ لأنَّ إضافة الربوبية إلى الشخص المعين، تكون ربوبية خاصة، وانتبهوا للفرق: الربوبية العامة لكل أحد، الله رب كل شيء، الخاصة ليست لأحد إلا لمن كان خاصًّا بالله، وأتلو عليكم هذه الآية: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢].
الربوبية العامة ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، الخاصة: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ هنا قالوا لها: ﴿قَالَ رَبُّكِ﴾ من باب الربوبية الخاصة التي تقتضي عناية خاصة، ﴿