تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَقَالُوا۟ سَلَـٰمًا ۖ قَالَ سَلَـٰمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴿٢٥﴾
فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴿٢٦﴾
يقول عز وجل: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾ [الذاريات ٢٥] يحتمل أن ﴿إِذْ دَخَلُوا﴾ مُتعلِّق بقوله: ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ أي: الذين أكرمهم حين دخولهم عليه، ويحتمل أنها مفعول لفعلٍ محذوف، والتقدير: اذكر إذ دخلوا عليه، دخلوا على إبراهيم ﴿فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾، ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ أي: نُسلِّم سلامًا، وعليه فـ ﴿سَلَامًا﴾ مصدرٌ عامله محذوف، والتقدير: نسلم.
﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ ﴿سَلَامٌ﴾ مبتدأ خبرها محذوف، والتقدير: عليكم سلام، وعلى هذا فيكون التسليم هنا ابتداؤه بالجملة الفعلية، وجوابه أو رده بالجملة الاسمية، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إنَّ رَدَّ إبراهيم أكملُ من تسليم الملائكة؛ لأن تسليم الملائكة جاء بالصيغة الفعلية، وردَّ إبراهيم جاء بالصيغة الاسمية.
﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ﴿قَوْمٌ﴾ هذه: خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: أنتم قوم، وإنما قال: إنهم قوم؛ لأنهم بصورة البشر، وقوله: ﴿مُنْكَرُونَ﴾ أي: غير معروفين، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود ٧٠].
في هذه الآية شاهدٌ لحذف المبتدأ وحذف الخبر، أين الشاهد لحذف الخبر؟ ﴿سَلَامٌ﴾ لأنَّ قلنا: التقدير عليكم سلام، الشاهد لحذف المبتدأ ﴿قَوْمٌ﴾ لأن التقدير: أنتم قوم (...).
﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [الذاريات ٢٥، ٢٦] ﴿رَاغَ﴾ انسلَّ بخفية وسرعة؛ وذلك لحسن ضيافته، لم يقل: انتظروا آتي لكم بالطعام، ولم يقم متباطئًا كأنما يُدفَع دفعًا، وإنما قام بسرعة مُنْسَلًّا لئلا يقوموا إذا رَأَوْه ذهب إلى أهله، فكأنه أخفى الأمر عنهم، ﴿رَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾، يعني: أهل بيته، ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾، وفي آية أخرى: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود ٦٩] أي: مَشْوِيٍّ.
واللحم إذا شوي يكون أطعم وألذ؛ لأن طعمه يبقى فيه، لا يمتزج بالماء، بخلاف ما إذا طُبِخَ، إذا طُبِخَ يمتزج طعمُه بالماء فتَقِلَّ لذاذتُه، لكن إذا كان مَشْوِيًّا صار أطيب وأحسن، ﴿عِجْلٍ سَمِينٍ﴾ يعني: أنه عليه الصلاة والسلام لا يتخيَّر للضيوف البهائم العجفاء الهزيلة، وإنما يتخيَّر لهم البهائم السمينة؛ لأنها ألذُّ وأطرى وأنفع، واختيارُ العجل: إما أن يكون عليه الصلاة والسلام مِن عادته أن يُكْرِمَ الناسَ بهذا، أو أنه يُكْرِمُ الضيوفَ بحسب ما تقتضيه الحال، فإذا كانوا كثيرين أتى بالعجل، وإذا كانوا أقلَّ أتى بالغنم، وما أشبه ذلك، حسب عادة الكرماء.
﴿