×

الذاريات

الآية ١٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

ذُوقُوا۟ فِتْنَتَكُمْ هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ ﴿١٤﴾

ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات ١٣، ١٤] ﴿ذُوقُوا﴾ هذه جملة مقولٍ لقول محذوف، التقدير: يقال لهم: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾. و﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ هذا أمر إهانة وإذلال، أي: ذوقوا احتراقكم في النار التي كنتم تُنكِرونها. ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾؛ لأنهم يقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس ٤٨] فيستعجلون بالقيامة استبعادًا لها، كما قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى ١٨]، فيقال لهؤلاء: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾، ويقال لهم: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور ١٥، ١٦]. أنا أسألكم الآن: يفتنون على النار فيحترقون بها ويقال: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾، ماذا تفهمون من هذا؟ أتفهمون أن في هذا عذابًا بدنيًّا وقلبيًّا؟ نعم؛ لأن الاحتراقَ عذاب بدني، كلما نضجت جلودُهم بدَّلوا جلودًا غيرها. ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات ١٤] هذا توبيخ وإهانة وإذلال، يكون به أي عذاب؟ العذاب القلبي، فيجمع لهم -والعياذ بالله- بين العذاب البدني، وبين العذاب القلبي، فتجدهم في أعلى ما يكون من الحسرة، يتحسَّرون يقول: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧]. ثم كان القرآن الكريم مثاني تثنَّى فيه المعاني الشرعية والخبرية، إذا ذُكِرَ الشيء ذكر ضده.