تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
بَلْ عَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ ﴿٢﴾
أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌۢ بَعِيدٌ ﴿٣﴾
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق ١، ٢]، هنا لا يتراءى للإنسان التالي جوابُ القسم، فاختلف العلماء -رحمهم الله- في مثل ذلك؛ هل له جواب، أو جوابه يُعْرَف من السياق، أو يُعْرَف مِن الْمُقْسَْم به؟ فيه أقوال متعددة للعلماء، وأظهر ما يكون أن نقول: إن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب للقسم؛ لأنه معروف من عظمة الْمُقْسَم عليه، فكأنه أقسم بالقرآن على صحة القرآن.
فالقرآن المجيد لكونه مجيدًا كان دليلًا على أنه حق، وأنه مُنَزَّل من عند الله عز وجل، وحينئذ لا يحتاج القسم إلى جواب؛ لأن الجواب في ضمن القسم.
﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ، ﴿عَجِبُوا﴾ (الواو) تعود على المكذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام الذين كذَّبُوا رسالته، كذَّبُوا بالقرآن، كذَّبُوا بالبعث، كذَّبُوا باليوم الآخر، ولهذا ﴿عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، ﴿عَجِبُوا﴾ عجب استغراب واستنكار، وإنما قلنا ذلك لأن العجب تارة يراد به الاستنكار والتكذيب، وتارة يراد به الاستحسان، فقول عائشة رضي الله عنها: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨ / ٦٦).]]، المراد بالعجب هنا الاستحسان.
وقوله هنا: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، المراد به الاستنكار والتكذيب.
﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ ليس بعيدًا عنهم، هو منهم، نسبًا، وحَسَبًا، ومسكنًا، يعرفونه، ومع ذلك قالوا: ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾.
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق ٣]، لما جاءهم محمد رسول الله ﷺ أخبرهم بأن الناس سوف يُبْعَثُون، وسوف يُجَازَوْنَ ويُحَاسَبُون تَعَجَّبُوا كيف هذا؟ أيحيا الإنسان بعد أن كان رُفَاتًا؟! ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾، ﴿إِذَا﴾ من المعروف أنها ظرفية، وكل ظرف يحتاج إلى عامل، فما عاملها؟ العامل محذوف دَلَّ عليه ما بعده، والتقدير: أئذا متنا وكنا ترابًا نرجع ونُبْعَث؟!
ثم قال: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، ولهذا يحسن عند التلاوة أن تقف على قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾؛ لأن قوله: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ جملة استئنافية لا علاقة لها من حيث الإعراب بما قبلها.
إذن ﴿إِذَا﴾ ظرف، وكل ظرف يحتاج إلى عامل، فأين العامل في الآية؟ محذوف، التقدير: أئذا متنا وكنا ترابًا نرجع ونُبْعَث؟! والاستفهام هنا بمعنى الإنكار والتكذيب، كأنهم يقولون: لا يمكن أن نرجع ونُبْعَث بعد أن كنا ترابًا وعظامًا، ولكن بَيَّنَ الله عز وجل أنه قادر على ذلك، فلما قالوا: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، ومرادهم بالبعد هنا الاستحالة، هم يَرَوْنَ أن ذلك مستحيل، وربما تَلَطَّف بعضهم وقال: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، فهم تارة يُنْكِرُون إنكارًا مطلقًا، ويقولون: هذا محال، وتارة يقولون: هذا بعيد.