×

المائدة

الآية ٣٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ ۖ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٣٤﴾

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. * يستفاد منها: أن هؤلاء المجرمين مع عظم جرمهم إذا تابوا قبل القدرة سقط عنهم الحد، ويؤخذ سقوط الحد من قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، يعني فإذا علمتم ذلك فاغفروا لهم. وهل هذا على إطلاقه؟ بمعنى أنه يعفى عنهم حتى فيما يتعلق بحقوق الآدميين من نفس أو جرح أو عضو أو مال، أو هو خاص بحقوق الله؟ الثاني هو المتعين؛ لأن حقوق الآدميين لا بد من وفائها، وعلى هذا فإذا كان هؤلاء الذين تابوا ووضعوا السلاح وظهر صدقهم قد قتلوا أحدًا هل نقتلهم أو لا؟ الجواب: إذا طلب أولياء المقتول أن يقتلوا قتلوا؛ لأن حق الآدمي لا يسقط، لكن لو لم يتوبوا وأتينا بهم ثم قال أولياء المقتولين: نحن قد عفونا هل يسقط؟ لا؛ لأنه حد، فالقتل حتم إذا كانوا لم يتوبوا؛ لأنه حد، أما إذا تابوا انتقل الحد إلى حق آدمي، إذا عفوا فلا بأس. وهل يلحق بذلك سائر الحدود؛ كحد الزنا والسرقة وما أشبه ذلك؟ الجواب: نعم يلحق به؛ لأن التوبة إذا أسقطت هذا الحد العظيم في الجرم العظيم؛ فما دونه من باب أولى، فالسارق مثلًا إذا تاب إلى الله وأتى بالمال المسروق ورده إلى صاحبه فإننا لا نقطع يده؛ لأنه تاب إلى الله قبل أن نقدر عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنهم إذا تابوا بعد القدرة فإنها لا تقبل توبته، واضح؟ لا تقبل توبته. وهنا يرد علينا إشكال، وهو ما جرى في قصة أسامة بن زيد رضي الله عنه حين لحق المشرك، فلما أدركه قال: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، والذي يظهر أن هذا المشرك قال: لا إله إلا الله تعوذًا من القتل، فلما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره الخبر قال: «قَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦ / ١٥٩) من حديث أسامة بن زيد.]]. قال: نعم يا رسول الله قتلته، لكنه قالها تعوذًا، خاف من القتل؛ لأنه لو كان صادقًا لأسلم قبل أن يهدد بقتل، فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يردد: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ فَمَاذَا تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»[[أخرجه مسلم (٩٧ / ١٥٩) من حديث جندب بن عبد الله.]]. حتى تمنى أسامة أنه لم يكن أسلم من قبل؛ لأنه إذا فعل هذا وهو مشرك ثم تاب تاب الله عليه ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨]، فكيف نقول في هؤلاء إذا تابوا: إنه يسقط عنهم الحد؟ * طالب: لا يسقط. * الشيخ: نعم، إذا تابوا بعد القدرة فإنه لا يسقط، نقول: لأن هذا حد وليس قتلًا للردة، والحد قد فعلوا ما يوجبه، والردة الذي يوجبها هو الشرك، وقد زال بالإسلام، فلا يرد على هذا لا في المحاربين ولا في غيرهم من ذوي الحدود. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعض البلاد التي يتم فيها الشغب يقوم النظام والحاكم بإنشاء بعض القوانين حتى يرجعوا أولئك المحاربون؛ بأن يكون مثلا قانون العفو العام؛ أن يكون حتى من قتلوا وسرقوا ونهبوا كل ما يفعلونه فإنه يعفى عنهم إذا وضعوا السلاح، فهل (...) الحد أن يكف شرهم؟ * الشيخ: هذا إنما نجوزه إذا دعت الحاجة إليه؛ بأن كنا لا نقدر عليهم فيكون جائزًا. * طالب: ذكرنا يا شيخ في أول القصة أن من الفوائد أن كل الميت عورة، فإذا قال قائل: إنما يلزمكم من هذا أن تقولوا: إن المغسل لا يرى شيئا من الميت (...)؟ * الشيخ: هذه حاجة، ولذلك نقول: إن الأفضل ألا يمس سائره إلا بخرقة، لكن في العورة المغلظة لا بد أن تكون مستورة. * الطالب: الرؤية؟ * الشيخ: الرؤية كما قلت حاجة، كما قلنا، مع أن أنا قلت: العورة بالنسبة إلى وجوب تعميم الكفن له، أفهمت؟ ليس بالنسبة للنظر، ولهذا قبّل أبو بكر النبي ﷺ بعد موته[[أخرجه البخاري (١٢٤١) من حديث عائشة. ]]، مع أنه لا حاجة لذلك، إنما هو شوقًا إليه. * طالب: (...) الإنسان تاب قبل القدرة عليه (...). * الشيخ: إذا تاب قبل القدرة عليه، كل الحدود، فإننا نرفع عنه الحد. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، لما كنا نتعلم بعض اللغات غير العربية أنكر علينا بعض الإخوان وقال: الكفاية قائمة وأنتم على ثغر أكبر، الكفاية قائمة هذا الأمر يعني سده هذا الثغر مسدود، فما هو توجيهكم لطالب العلم هل يقتطع من وقته جزءًا يتعلم فيه باقي اللغات هذه؟ * الشيخ: هذا إذا كان الإنسان داعية يعرف من نفسه أنه ذو دعوة قوية وعنده بيان، عنده إقناع، أما أي واحد يقول: ربما أكون، فهذه لا يشتغل بها عما هو أهم، لكن مع ذلك أنا أتمنى أني أعرف اللغة الانجليزية لأنها فات الأوان. * الطالب: معنا من الإخوان ما شاء الله من يجيد ست لغات وسبعا. * الشيخ: أنت؟ * الطالب: معنا موجود هنا في الحلقة. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة ٣٥ - ٣٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، هذه الآية لم نمر على فوائدها، أليس كذلك؟ * طالب: مررنا. * الشيخ: مررنا كلها؟ * الطالب: نعم * طلبة: (...). * طالب: بل كلها يا شيخ، أخذنا فوائد الآية (...) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ أخذنا فائدتين. * الشيخ: ذكرنا الخلاف في قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ إلى آخره؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ذكرنا القول بأنه إذا كانت للتنويع؟ نعم. * طلبة: نعم. * الشيخ: إذا كانت للتنويع ماذا ذكرنا فيها؟ * طالب: أن عقوبة هؤلاء متنوعة، و(أو) في هذه الآية هل هي للتنويع أم للتخيير؟ قولان، فعلى القول بالتخيير فللإمام أن يقتل أو يصلب، ولكن لا بد أن يتبع الأصلح. * الشيخ: أو يصلب إلى آخره. * الطالب: إلى آخره، ومنهم من قال: إنها للتنويع، وإن العقوبة تختلف بحسب الجرائم، فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ مالًا يقتل ولا يصلب ومن أخذ مالًا ولم يقتل تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، حتى إن بعض علمائنا قال: حتى لو نهبوا قهرًا أقل من النصاب. * طالب: مستوفاة. * الشيخ: استوفيتها كلها، لكن هل ذكرنا متى يكون الصلب هل هو قبل القتل ولّا بعده؟ * طلبة: ذكرناه. * الشيخ: ذكرناها. * طالب: لم نذكر الخلاف. * الشيخ: المهم أننا ذكرنا أنهم يصلبون بعد القتل أو قبل؟ * طلبة: بعد. * الشيخ: بعد القتل. فيه رأي ثانٍ يصلبون قبل القتل، وفيه رأي ثالث أيضًا أن الصلب عقوبة منفردة، قتل، صلب، تقطيع، نفي، يعني ليست مركبة مع القتل، وهذا القول هو ظاهر الآية ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فيكون الصلب غير القتل، لكنهم أوردوا على هذا الرأي أنه كيف يبدأ بالأشد ثم بالأخف، فيقال: هذا لا مانع منه، القتل أشد، ثم الصلب بدون قتل، ثم تقطيع اليد والرجل، والذين قالوا: إنه يصلب قالوا: يترك حتى يموت، وبعضهم قال: بل يطعن بالحربة حتى يموت، ويكون الأول قتل بلا صلب. المهم الآن انتهينا من فوائدها؟ طيب. هل ذكرنا أنه يلحق بها بقية الحدود؟ يقاس عليها بقية الحدود؟ * طلبة: نعم.