تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٢٣﴾
قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ ﴿٢٤﴾
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ إلى آخره، في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قد يُنعم على بعض القوم، ويفتح عليه بما لم يفتح على أحد غيره.
﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾، أبهم الله تعالى الرجلين، وذلك لأن تعيين الرجلين باسمهما لا يتوقف عليه فَهم القضية وفهم الواقع، ولذلك تأتي آيات كثيرة وأحاديث كثيرة ليس فيها تعيين الإنسان بعينه؛ لأن المقصود هو فهم القضية.
وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ذكرنا أن مفعول ﴿يَخَافُونَ﴾ محذوف، والتقدير: يخافون الله، وذكرنا أن ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ صفة لـ(رجلان)، وتصح أن تكون حالًا، فإن كانت حالًا قلنا: لا إشكال؛ لأن الحال وإن كانت وصفًا لصاحبها إلا أنها تخالفه في الإعراب، بخلاف النعت فإنه وصف وتابع في الإعراب، ولهذا قُدِّم ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ على قوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، وإن جُعِلت نعتًا آخر فقد أُخِّرت عن قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾؛ لأن النعت بشبه الجملة ألصق بالمنعوت من الجملة؛ لأن لدينا ثلاثة أشياء: إما أن يُنعت الموصوف بما يطابقه في الإفراد، وإما أن يُنعت بشبه الجملة، وإما أن ينعت بالجملة، وأيها أقرب شبه الجملة أو الجملة؟ شبه الجملة.
وقوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: سيروا إليهم ولا تُشعروهم بأنكم سائرون، ائتوهم بغتة.
﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ بدون أن يكون هناك سابق علم؛ لأنه ما من قوم قُوتِلوا في ديارهم إلا ذلّوا، ولهذا سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربه حين أراد أن يجاهد أهل مكة وفتح مكة، سأل الله تعالى أن يُعَمِّي الأخبار عنهم حتى يبغتها في دارهم[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٢٣٣) من حديث المسور بن مخرمة. ]]، أفهمتم؟ ولهذا قالوا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: لا تنذروهم ولا تخبروهم أنكم قادمون عليهم.
و﴿الْبَابَ﴾ فيها (أل)، و(أل) هنا للعهد، أيّ عهد؟ العهد الذهني، أي: باب المدينة.
﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ يعني إذا دخلتم الباب فإنكم غالبون ولن يغلبوكم، ستكون الغلبة لكم، وهذا إرشاد وتوجيه.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ لما أمر هذان الرجلان هؤلاء القوم أن يعملوا الأسباب النافعة أرشدوهم إلى أن لا يعتمدوا على أنفسهم بل يتوكلون على الله، فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، والجار والمجرور في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿تَوَكَّلُوا﴾، والفاء مزيدة لتحسين اللفظ، ولهذا لو قيل: وعلى الله توكلوا، لصح، ولا يصح هنا أن نجعلها عاطفة؛ لأنّا لو جعلناها عاطفة والواو عاطفة ما استقام الكلام، ولكن يقال: إنها زيدت لتحسين اللفظ. وقوله: ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾، ما هو التوكل؟
التوكُّل قال العلماء: إنه صدق الاعتماد على الله، أي: أن يعتمد الإنسان على ربه اعتمادًا صادقًا مع الثقة به وحسن الظن وفعل الأسباب، أربعة أوصاف: صدق الاعتماد على الله، الثاني: مع الثقة به، الثالث: وحسن الظن، والرابع: فعل الأسباب، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة، فهذا هو حقيقة التوكل، فمن اعتمد على الله، لكنه في شك فإنه ليس بمتوكّل حقيقة، كذلك أيضًا لو أنه اعتمد على الله، ولكنه لم يثق تلك الثقة إما لما يعلم من ذنوبه، وإما لما يعلم من قصور الأسباب أو لغير ذلك فإنه لم يصدق التوكل. والثالث: حسن الظن، وحسن الظن في التوكل أن يظن الإنسان بربه تبارك وتعالى أنه حسبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]. وقوله: مع فعل الأسباب؛ لأن هذا لا بد منه، إذ إن الله تعالى يقدر الشيء بسببه، وهذا من تمام حكمته، انظر إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥] فلا بد من سعي، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ١٠]، فلا بد من فعل الأسباب، ولكن بشرط أن تكون الأسباب شرعية، إما منصوصًا عليها في الكتاب والسنة، وإما معلومة بالتجارب الذي يشهد له القدَر.
يقول: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذا شرط في إخلاص التوكل على الله عز وجل، إذ لا يتوكل على الله تمام التوكل إلا من كان عنده إيمان بما وعد الله به في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، ﴿فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وبعد هذه المشورة وهذا التوجيه الحسن النافع انظر الجواب: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ وهذا النفي نفي لفعلهم الشرعي أو نفي لفعل الله القدري؟ الأول، الأول، يعني لا يمكن أن ندخلها ما داموا فيها، وإذا ذهبوا عنها دخلوها، هذا كلام؟!
معلوم أنك إذا وجدت قرية خالية ما فيها أحد وأنت تريد أهلها معلوم أنك ستدخل، لكن هذه عقلية بني إسرائيل؛ ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾.
﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ يقولون لموسى: اذهب أنت وربك، فمن ربه؟ قال بعض المفسرين: ربه هو هارون، أرادوا هارون؛ لأن الرب يُطلق على السيد، وهارون أكبر من موسى، والأكبر من الأخوين يكون سيدًا للأصغر منهما، لكن هذا بعيد، والظاهر أنهم أرادوا الرب رب العالمين عز وجل؛ لأن موسى يدعوهم إلى الله، وإلى ربهم تبارك وتعالى، فكأنهم من عجرفتهم وكبريائهم وغطرستهم يقولون: ما دام لك رب ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، فأرادوا من الله أن ينزل الميدان -قاتلهم الله- ويقاتل مع من؟ مع موسى؛ ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ومع ذلك ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾.
﴿هَاهُنَا﴾ في المكان القريب؛ لأن (هنا) للقريب، و(هنالك) للبعيد، هنا في مكاننا لن نتعداه، سنبقى متفرجين عليك أنت وربك.
﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغطرسة والعجرفة والجفاء والعياذ بالله، فماذا قال موسى؟