×
الحجراتالآية ٦

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌۢ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوٓا۟ أَن تُصِيبُوا۟ قَوْمًۢا بِجَهَـٰلَةٍ فَتُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ ﴿٦﴾

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦]. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرْعِها سمعَك -يعني: استمع لها- فإما خير تُؤمَر به، وإما شَرٌّ تُنْهى عنه»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) موقوفًا من حديث ابن مسعود.]]؛ لأن هذه نداء بأشرف الأوصاف وهو الإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فمن هو الفاسق؟ الفاسق هو مَن انحرف في دينه ومروءته، وضده العدل: وهو من استقام في دينه ومروءته، وهو ضد الفاسق، فإذا جاءنا فاسق منحرف في دينه ومروءته، بمعنى أنه مُصِرٌّ على المعاصي تارك للواجبات، لكنه لم يصل إلى حد الكفر، أو منحرف في مروءته، لا يبالي بنفسه يمشي بين الناس مشية الهوجاء، ويتحدث برفع صوت، ويأتي معه بأغراض بيته يطوف بها في الأسواق وما أشبه ذلك مما يخالف المروءة، فهذا عند العلماء ليس بعدل. في هذه الآية يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ خبر، أي: خبر من الأخبار وهو فاسق، ولنطبق هذه المسألة على الواقع: جاءنا رجل حالق اللحية، حالق اللحية فاسق؛ لماذا؟ لأنَّه مُصِرٌّ على معصية الله ورسوله، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أَعْفُوا اللِّحَى»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨٩٣)، ومسلم (٢٥٩ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]] وهذا لم يعفُ لحيَتَه، بل حلقها، فهذا الرجل من الفاسقين؛ لأنه مُصِرٌّ على معصية، جاءنا بخبرٍ، هل نقبله؟ لا، هل نرده؟ لا، لا نقبله؛ لما عنده من الفسق، ولا نرده؛ لاحتمال أن يكون صادقًا؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ولم يقل: فردُّوه، ولم يقل: فاقبَلوه، بل يجب علينا أن نتبين، وفي قراءة: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ وهما بمعنى متقارب، المعنى: أن نتثبت. فإذا قال قائل: إذن لا فائدة مِن خبرِه، قلنا: لا، بل في خبره فائدة؛ وهو أنه يحرِّك النفس، حتى نسأل ونبحث؛ لأنه لولا خبرُه ما حرَّكنا ساكنًا، لكن لما جاء بالخبرِ نقول: لعلَّه كان صادقًا فنتحرك، ونسأل ونبحث، فإنْ شَهِدَ له الواقعُ بالحقِّ قبلْناه؛ لوجودِ القرينة الدالة على صدقه وإلا رددناه. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ يفيد أنه إذا جاءنا عدل فإننا نقبل الخبر، لكن هذا فيه تفصيل عند العلماء دلَّ عليه القرآن والسنة، فمثلًا: الشهادة بالزنا؛ لو جاءنا رجل عدل في دينه مستقيم في مروءته وشهد أن فلانًا زنى، هل نقبل شهادته؟ لا، وإن كان عدلًا، بل نجلِدُه ثمانين جلدةً؛ لأنه قذف هذا الرجل البريء بالزنا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة﴾ [النور ٤]، فنجلده ثمانين جلدة ولا نقبل له شهادة أبدًا، ونحكم بأنه فاسق، وإن كان عدلًا حتى يتوب. شهد رجلان عدلان على زيدٍ أنه زنى، نقبل شهادتَهما؟ لا، ثلاثة؟ لا، أربعة؟ نعم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور ١٣] حتى وإن كانوا صادقين، لو جاءنا ثلاثة نعرف أنهم ثقات عدول وشهدوا بالزنا على شخص، فهم عند الله كاذبون غير مقبولين، وكما قلت لكم: نجلد كل واحد ثمانين جلدة. جاءنا رجل شهد على شخص بأنه سرق، هل نقبل شهادته؟ لا، لا بد من رجلين. جاءنا رجل شهد بأنَّه رأى هلال رمضان، نقبل شهادته؟ نعم، نقبلها؛ لأن السنة وردت بذلك، فقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «تَراءى النَّاسُ الهِلالَ» -يعني: ليلة الثلاثين من شعبان- «فأخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أنِّي رأيتُه فصام وأمر الناس بالصيام»[[أخرجه أبو داود (٢٣٤٢) من حديث ابن عمر.]]. رجل كان غنيًّا فأُصيبَ بجائحة، ثم جاء يسأل من الزكاة، وأتى بشاهد أنه كان غنيًّا أصابته جائحة وافتقر، فهل نقبل شهادة الواحد؟ لا، نقبل شهادة اثنين؟ لا، لا بد من ثلاثةٍ؛ لأن النبي ﷺ قال لقبيصة: «إنَّهَا لا تَحِلُّ المَسْأَلَةُ» » وذكر منها: «رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ » -يعني: اجْتاحَتْ ماله- «فَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: أَنَّ فُلَانًا أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ»[[أخرجه مسلم (١٠٤٤ / ١٠٩) من حديث قبيصة بن مخارق.]]؛ «ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا» يعني: من ذوي العقل. فالحاصل: أن الفاسقَ ما موقفنا مِن خبرِه؟ التَّوقُّف حتى يتبينَ الأمر، غير الفاسق، فيه تفصيل، قد لا نقبل إلا خبر أربعة كما في الزنا، أو ثلاثة كما في الرجل الذي كان غنيًّا، فأُصيبَ بجائحةٍ ثم جاء يسأل الصدقة، فإنَّنا لا نقبل منه حتى يشهد ثلاثة؛ رجلان فيما لو شهد إنسان بحدِّ سرقة فإننا لا نقبل إلا رجلين. ممكن نقبل: رجل مع يمينِ المدَّعي، كما لو ادَّعى شخصٌ على آخر بأنه يطلبه بألف ريال، فقلنا للمدعي: هات بينة، قال: عندي رجل واحد، إذا أتى بالرجل الواحدِ وحلف معه حكمنا له بما ادعاه؛ وعلى هذا فخبر العدل فيه تفصيل على ما سمعتم، وفي أشياء لا يتسع المقام لذكرها. ثم بيَّن الله عز وجل الحكمة من كوننا نتبيَّن بخبرِ الفاسق فقال: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات ٦] يعني: أمرناكم أن تتثبتوا كراهة أن تصيبوا قومًا بجهالة؛ لأن الإنسان يتسرع، ولم يتثبت فقد يعتدي على غيره بناء على الخبر الذي سمعه من الفاسق، وقد يكرهه، وقد يتحدث فيه في المجالس، فيصبح بعد ذلك إذا تبيَّن أن خبر الفاسق كذبًا يصبح نادمًا على ما جرى منه. * وفي هذه الآية: دليل على أنه يجب على الإنسان أن يتثبت فيما ينقل من الأخبار، ولا سيما مع الهوى والتعصب، إذا جاءك خبرٌ عن شخص وأنت لم تثق بقول المخبر يجب أن تتثبت وألا تتسرع في الحكم؛ لأنَّك ربما تتسرَّع وتبني على هذا الخبر الكاذب فتندم فيما بعد، ومن ثم جاء التحذير من النميمة: وهي أن ينقل كلام الناس بعضهم إلى بعض ليفسد بينهم، حتى قال النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٥٦)، ومسلم (١٠٥ / ١٦٩) من حديث حذيفة بن اليمان.]] -أي: نَمَّام-، وصحَّ عنه ﷺ أنه مرَّ بقبرَيْن يُعذَّبان فقال:« «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ » -أي: في أمر شاق عليهما-« أَمَّا أَحَدُهُما فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ» » -أو «لَا يَسْتَبْرِئُ»[[أخرجه النسائي (٢٠٦٨) من حديث ابن عباس.]] أو «لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ»[[ أخرجه مسلم (٢٩٢ / ١١١) من حديث ابن عباس.]]، روايات- «» «وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» يمشي بين الناس يَنُمُّ الحديث إلى الآخرين ليفسد بين الناس، «ثم أخذ جريدة رَطْبَةً فشقَّها نصفين، وغرز في كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول الله! لم فعلتَ هذا؟ قال: «لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢ / ١١١) من حديث ابن عباس.]]. ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات٦]، ومن هذا النوع ما يُنسَب إلى بعض العلماء من الفتاوي التي لم يتكلم بها إطلاقًا أو تكلم بضد ما ينقل عنه، فإن بعض الناس قد يفهم من العالم كلمة على غير مراد العالم بها، وقد يسأل العالم سؤالًا يتصوَّره العالم غير ما في نفس هذا السائل، ثم يجيب على حسب ما فهمه، ثم يأتي هذا الرجلُ وينشُر هذا القول الذي ليس بصحيحٍ، وكم من أقوال نُسِبَت إلى علماء أجلاء ولكن لم يكن لها أصل، لهذا يجب التثبُّت فيما ينقل عن العلماء أو غير العلماء، ولا سيما كما قلت لكم آنفًا لا سيما في هذا الزمن الذي كثُرَت فيه الأهواء وكثُر فيه التَّعصُّب، وصار الناس كأنهم يمشون في عماء. ﴿