تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌ ﴿٣٦﴾
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾.
قوله: ﴿مَنْ يَعْشُ﴾ فسَّرها بـ(يعرض)، ولكن التفسيرَ المطابق أن معنى ﴿يَعْشُ﴾ أي: يتعامى حتى يرى رؤيةَ الأعشى الذي يُبصِر في النهار ولا يُبْصِر في الليل، فمعنى ﴿يَعْشُ﴾ أي: يتعامى كما فسرها بذلك ابن كثير وغيره من المفسرين، ولكن المفسر فسَّرها بـ(يعرض)؛ لأنه من لازم التعامي الإعراض قال: (﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أي: القرآن)، فجعل المفسِّر ذكر الرحمن يعني القرآن، وأضافه الله إلى الرحمن؛ لأن إنزاله رحمة للخلق، هكذا مشى المفسر رحمه الله.
والصواب خلاف ذلك، والمراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ تَذَكُّر الرحمن يعني: مَن تعامى عن ذكر الرحمن بقلبه واستحضاره لعظمة ربه وجلاله فإنه يُقيَّد له الشيطان فيكون هذا جزاءً على إعراضه وتعاميه عن ذكر ربه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن ١٧]، فالصواب أن المراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ليس القرآن، بل المراد بـ ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ذكر الله نفسه؛ يعني: يغفُل قلبه عن ذكر الله ولا يذكر الله بقلبه، فهذا هو الذي يُقيَّد له الشيطان فيتَّبِع هواه كما قال عز وجل ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف ٢٨].
وقوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ [الزخرف ٣٦] قال: (نسبب له)، وهذا قريب من المعنى المطابق، وإلَّا فإن معنى ﴿نُقَيِّضْ﴾ أي: نهيِّئ له شيطانًا يحل محل ذكر الله عز وجل فيستولي الشيطانُ على قلبه، والشيطان يعظم بالفحشاء والمنكر، كما قال الله عز وجل: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٦٨].
﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ فهو أي: الشيطان ﴿لَهُ﴾ أي: للعاشي عن ذكر الله، قرين لا يفارقه -نعوذ بالله من الشيطان الرجيم- ووجه ذلك أن الإنسانَ فعَّال مريد متحرِّك قلبًا وقالَبًا، فلا بد من الاشتغال بشيء؛ فإما أن يكون بذكر الله، وإما أن يكون بوساوس الشيطان ولا بد، لا تجد أحدًا يكون قلبه ساكنًا لا يتحرك ولا يريد، هذا مستحيل؛ ولهذا جاء في الحديث في الأسماء: «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٥٠) من حديث أبي وهب الجُشَمِيِّ رضي الله عنه.]] «هَمَّام» : العبادة القلبية، و«حًارٍثٌ» :» العمل، كل إنسان لا بد، فيهيِّئ له هذا الشيطان الذي يقارنه ولا يفارقه.
(﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: العاشين ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: طريق الهدى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ).
﴿يَحْسَبُونَ﴾ أي: العاشون الذين صدتهم الشياطين ﴿أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (في الجَمْع رعاية معنى من).
الشيطان -نعوذ بالله منه- إذا استولى على قلب الإنسان زَيَّن له سوءَ عملِه، وظنَّ أنه على حق، ولكنه على باطل، وهؤلاء هم أخسر الناس أعمالًا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣]. الجواب: نعم، بيَّنها الله؛ قال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]؛ لأن الشيطان زيَّن لهم هذا، وقال: أنتم على حق، أنتم الأعلون، وسوَّل لهم، وأملى لهم حتى تبعوه.
ولهذا قال: (﴿وَإِنَّهُمْ﴾ يعني الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أي: العاشين ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ ) أي: سبيل الحق وطريق الهدى ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾، الواو تعود على مَنْ؟
* طالب: على (العاشين).
* الشيخ: تعود على (العاشين) ﴿أَنَّهُمْ﴾ أي: العاشين، ﴿مُهْتَدُونَ﴾ أي: على هدى، وهذا غاية ما يكون من الخسران، والعياذ بالله، أن يتمادى الإنسان بالباطل وهو يظن أنَّه على حق.
قال المفسِّر: (في الجَمْعِ رعاية معنى (مَن)) الجمع وهو قوله: ﴿يَحْسَبُونَ﴾، ﴿إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾؛ ففيها رعاية بمعنى مَنْ في قولِه: ﴿مَنْ يَعْشُ﴾ كلمة (مَنْ)، و(ما) وما أشبههما من الألفاظ العامَّة يجوزُ مراعاة معناها، ومراعاة لفظها، اللفظ مفرد ولَّا جمع؟ مفرد، ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾؛ ولذلك عاد الضمير إليه للمفرد ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾ أيضًا مراعاة اللفظ، ﴿فَهُوَ لَهُ﴾ مراعاة اللفظ، ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ مراعاة المعنى، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ كذلك مراعاة المعنى، واضح؟
إذن إذا أتتك (مَنْ) موصولة كانت أو شرطية فلك أن تراعي في ضميرها اللفظة فتجعله مفردًا، والمعنى فتجعله حسب ما أريد به، وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الطلاق ١١] كل هذا مراعاة أيش؟
* طلبة: اللفظ.
* الشيخ: اللفظ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ مراعاة المعنى، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ مراعاة اللفظ، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] فتجد هذه الآيات تارةً روعي اللفظ، وتارة روعي المعنى ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
(﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ العاشي بقرينه يوم القيامة قال له: ﴿يَا﴾ للتنبيه ﴿لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: مثل بُعْدِ ما بين المشرق والمغرب ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ أَنْتَ لي).
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ يعني الشيطان وقرينه، وذلك يوم القيامة، تبرأ كل واحد من الآخر، وقال له: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ ﴿يَا﴾ هذه للتنبيه، ولا تصح أنْ تكونَ للنداء؛ لأن ﴿يَا﴾ التي للنداء لا تدخل إلا على اسم، لا تدخل على حرف كما هنا، ولا على فعل، فإذا وجدتها داخلة على حرف أو فعل فهي للتنبيه.
﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٢٦] فهي للتنبيه، وقيل إن: (يا) داخلة على منادى محذوف والتقدير في هذه الآية: يا هذا ليت بيني وبينك بعد المشرقين؛ يعني: تُقدِّر منادى اسمًا؛ يا هذا يا ليت بيني بينك بعد المشرقين.
فإذا قال قائل: أيهما أولى أن نُقَدِّر منادى يناسب السياق من أجل أن يصِح حلول (يا) في هذا المكان، أو نقول: الأصل عدم التقدير ونجعل (يا) للتنبيه؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني أولى؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام شيء محذوف أو لا؛ فالأولى ألَّا يكون فيه شيء محذوف.
وقوله: ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ يقول المؤلف: (ما بين المشرق والمغرب)، وعليه فيكون في الكلام تغليب، وهو تغليب المشرق على المغرب، والتغليب هذا جائز في اللغة العربية؛ مثل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٧)، ومسلم (٨٣٨ / ٣٠٤) من حديث عبد الله بن مُغَفَّل المزني رضي الله عنه.]] إذا جعلنا مُطْلَق الأذان هو الأذان الذي يكون بكل وقت، أما إذا جعلنا الأذان بمعنى الإعلام، فإن الأذانَيْنِ ليس فيه تغليب؛ لأن كلًّا من الإقامة والأذان يُسمَّى الأذان.
لكن قولهم: (القَمَران) يعنون بذلك الشمس والقمر، قولهم: (العُمَران) يعنون بذلك أبا بكر وعمر، هذا من باب التغليب، فيكون ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: بعد ما بين المشرق والمغرب، ولكن ذُكِرَ بلفظ المشرق تغليبًا.
ويحتمل أن يكون المعنى ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ أي: مشرقي الشمس شتاءً ومشرقها صيفًا؛ لأن بينهما مسافة عظيمة جدًّا لا يعلم قدْرَها إلا الله عز وجل، وكلا المعنيين صحيح؛ يعني: سواء جعلنا اللفظ فيه تغليب أو لا، والمراد أن هذا العاشي الذي أضله الشيطان إذا جاء معه يوم القيامة تبرَّأ منه، وقال: ليتك بعيد عني، وأنا بعيد عنك.
وقوله: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ هذه الجملة إنشائية للذمِّ، قال المؤلف: أنتَ يعني أنه قد حُذِفَ فيها المخصوص؛ لأن (بئس) و(نعم) لا بد فيها من فاعل ومخصوص، وتفصيل ذلك في كتب النحو، ولا علينا منه في هذا المكان.
قال الله تعالى: (﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ﴾ أي: العاشين تمنِّيكم وندمكم ﴿الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أي: تبيَّن لكم ظلمُكم بالإشراك في الدنيا أنَّكم مع قرنائكم ﴿فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ عِلَّةٌ بتقديرِ اللَّام؛ لعدم النفع و﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿الْيَوْمَ﴾ ) يعني: لا ينفعكم اشتراككم في العذاب، هذا هو الصحيح، وعلى هذا فتكون ﴿أَنَّكُمْ﴾ ليست للتعليل، كما ذهب إليه المفسر، بل هي فاعل ينفع، والمعنى لا ينفعكم اشتراككم في العذاب، ووجه ذلك أنَّه جرت العادة أن الإنسان إذا عُذِّب ورأى غيرَه يُعَذَّب هان عليه الأمر وتسلَّى، وفي يوم القيامة يشترك أهل النار في العذاب، لكن هل ينفعُهم هذا شيئًا؟ لا ينفعهم، فهذا هو الصواب الذي تدل عليه الآية، أما المؤلف فجعل (أنَّ) ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (عِلَّةٌ بتقديرِ اللَّام) أي: أنَّكم في العذاب مشتركون، ولكن هذا بعيد من اللفظة.
قوله تعالى لما ذكر ما يجعله للكافرين: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ﴾ إلى آخره.
* في هذه الآية فوائد: أن هذه المُتَعَ الدنيويَّة ما هي إلا متاع الحياة الدنيا، فهي زائلة، ويتفرع على هذه الفائدة ألَّا يتعلقَ الإنسان بها، وألا يهتم بها، وأن يرى أنه عايش بدونها، وليس لك من الدنيا إلا ما أكلتَ فأفنيتَ أو لبِسْتَ فأبليتَ أو تصدَّقْتَ فأمضيتَ.
* ومن فوائد هذه الآية: التزهيدُ في هذه الأمور، وألًّا تهتم بها، لا تعلِّقْ قلبَكَ بمظاهرِ الدُّنْيا، فإنَّك إن فعلتَ هلكتَ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا رأى من الدنيا ما يعجبه قال: «لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ»[[أخرجه البيهقي (٩٠٣٥) من حديث مجاهد مرسلًا.]] «لَبَّيْكَ» يعني إجابةً لك ليصرِفَ قلبَه عن التعلُّقِ بما رآه مما يعجبه في الدنيا، ثم وطَّن نفسه، وقال: «إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ» والله هذا هو الحق أن عيش الدنيا فإنه مهما طاب لك محفوفٌ بنكدٍ قبلَه ونكدٍ بعدَه؛ لأن لم تحصله غالبًا إلا بتعب، ثم إذا حصَّلْتَه هل ستبقى لك أو لا تبقى؟ هو لا بد (...) إما أن تموت وتتركه، وإما أن يهلك وأنت حي.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: البُشرى للمتَّقين وأنَّ لهم الآخرة، فالآخرة خير للمتقين، ففيه البَشارة وأنَّ الإنسان المتقي إذا انتقل من الدنيا فلا يندم؛ لأنه انتقل إلى دار أفضل وأحسن مما ترك.
* وفيه: الحسُّ على التقوى؛ وذلك لأنَّ ذِكْرَ الجزاء والثواب يستثير النفس حتى يصل الإنسان إلى الوصف الذي يحصل به على الثواب.
ثم قال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ إلى آخره.
* في هذه الآية الكريمة فوائد:
* منها: التحذير من الغفلة عن ذكر الله؛ لأنك إذا غفلت عن ذكر الله حلَّ محل ذكر الله أيش؟ وساوس الشيطان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الله سبحانه وتعالى يعاقب العبد بما يقتضيه الذنب، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠] فهذا الرجل لما أخلى قلبه من ذكر الله عوقب أن يحلَّ محله الشيطان.
* ومنها: الحظر من قرناء السوء؛ لأن الشياطين ليس اسمًا خاصًّا بشياطين الجن، بل حتى الإنس لهم شياطين، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام ١١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس ١] إلى قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس ٦].
ففي هذا التحذير من قرناء السوء، وقد حذَّر النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قرناء السوء؛ حيث شبَّه قرينَ السوء أو جليس السوء بنافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة، ثم إن الواقع كذلك، فما أكثر ما يمر علينا ممن يتصلون بنا يَشْكُون من قوم كانوا مستقيمين وأئمة مساجد أو مؤذني مساجد، اتصل بهم أناس من أصحاب السوء فانحرفوا انحرافًا كاملًا، ومثل هؤلاء -والعياذ بالله- إذا انحرفوا -نسأل الله الثبات- يكون انحرافهم أشد وأعظم، كالماء الذي حبسته ثم أطلقت الحبس سيندفع بقوة.
فالمهم أن الإنسان إذا أعرض عن ذكر الله قيضَّ له الشيطان من الإنس، كمل.
* طالب: ومن الجن.
* الشيخ: ومن الجن، فهو له قرين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المُلازِمَ أشد تأثيرًا من العابد الذي يلازمك ويبقى قرينًا معك، أشد تأثيرًا من العابد؛ بمعنى أنك لو جلست مع إنسان صاحب سوء لمدة ساعة أو ساعتين ربما سيؤثِّر فيك، وربما يتأثر، لكن إذا كان مقارنًا فإنه سيؤثر؛ ولهذا قال: ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾.
أقول هذا لتحْذَروا من الاستمرار لقرناءِ السُّوءِ؛ ولتعلموا أنكم متى علمتم أنه قرين سوء وجب عليكم البعد عنه، لا تقل: أخشى أن يتأثر، أخشى أن يقول: ليش؟ الرجل كان صاحب لي ثم فارقني؟ لا يهمُّك، الذي يهمك هو نفسك فأنقِذْها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عمى القلب -والعياذ بالله- لما تعامى بعينه عن ذكر الرحمن وبقلبه أيضًا قُيِّضَ له هذا الشيطان، الذي يصده عن الهدى، وهو يحسب أنه مهتد ﴿