تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿٢٦﴾
ثم قال عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف ٢٦]، (إذ) مفعول يُبَيِّن المحذوف، التقدير: واذكر إذ قال إبراهيم، وإنما ذَكَرَ إبراهيم؛ لأن إبراهيم تنتمي إليه جميع الأمم؛ اليهود قالوا: إنه يهودي، والنصارى قالوا: إنه نصراني، والعرب قالوا: إنهم مُتَّبِعُون مِلَّتَه، فأراد الله أن يُبَيِّن أن إبراهيم عليه السلام كان بريئًا من الشرك وأهله، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾، (إذ) أيش؟
* طالب: (إذ) فعل يبين المحذوف.
* الشيخ: فعل أو فاعل أو مفعول؟
* طالب: التقدير: واذكر.
* الشيخ: إي، لكن هو ويش إعرابه؟
* طالب: المحذوف تقديره: واذكر.
* الشيخ: أحسنت، تقديره: اذكر هذا الواقع، ﴿إِذْ قَالَ﴾، اذكر إذا قال إبراهيم، إبراهيم الخليل عليه السلام هو إمام الحنفاء الذي قال الله تعالى فيه لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٣]، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، ﴿لِأَبِيهِ﴾، وهو آزر، ﴿وَقَوْمِهِ﴾: الذين أُرْسِلَ إليهم، وقد ذَكَرَ الله تبارك وتعالى مُحَاجَّة إبراهيم لأبيه في سورة مريم على وجه مبسوط، وفي غيرها على وجه مختصر أحيانًا، ومتوسط أحيانًا.
فَجَرَتْ المحاورة بينه وبين أبيه في سورة مريم، فقال عز وجل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم ٤١، ٤٢]، إنْ دَعَوْتَهُ لم يسمعك، وإن وافقتَه لم يَرَكَ، وإن استعنت به لم ينفعك، ولا يغني عنك شيئًا، بعده؟
* طالب: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣].
* الشيخ: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾، الخطاب الآن مَبْنِيٌّ على الترقيق، والتلطيف، والتَّنَزُّل أمام الأب، ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾، ولم يقل: يا أبت إنك جاهل وأنا عالم، بل قال: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾، وهذا من أَدَبِهِ عليه السلام، جاءه من العلم الوحي، وأبوه ليس كذلك، جاءه من العلم التوحيد وأبوه ليس كذلك، ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾، الولد يقول لأبيه: اتَّبِعْنِي؛ لأن الابن معه الحق، والأب ليس كذلك.
﴿أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم ٤٣، ٤٤]، ﴿لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ يعني: عبادة الطاعة، وكل مَن أطاع شيئًا فقد عَبَدَهُ على حسب الحال.
﴿الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ أي: عاصيًا، ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم ٤٥] أي: يصيبك، ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم ٤٥]، فجعل ولايته للشيطان من العذاب؛ لأن إعراض الإنسان عن الحق مصيبة ببعض الذنوب، كما قال عز وجل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]، قف، نحن نظن أن العقوبات هي البلاء ينزل بالإنسان، من مرض وفقر وفَقْدٍ (...)، وما أشبه ذلك، وهذا حق، بلى العقوبة، لكن هناك عقوبة أشد، وهي (...)، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾، هذا أعظم من عقوبة البلاء الحسي الجسدي، ولهذا قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم ٤٥]، ماذا كان جواب الأب؟ جواب الأب جواب قاسٍ، ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [مريم ٤٦]، شوف، أنكر عليه الرغبة، ولهذا قال أهل البلاغة: الذي يلي همزة الاستفهام هو الْمُنْكَر، يعني لم يقل: يا إبراهيم أراغب، بل بدأ بالإنكار على الطريقة (...)، ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾، وهذا استفهام إنكار وتوبيخ، ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ [مريم ٤٦] يعني: عن دعوتك إياي إلى التوحيد، ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ أيش؟
* الطلبة: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم ٤٦].
* الشيخ: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾، وَعِيدٌ يقوله الأب لابنه، وابنه يترقَّقَ له، ويتحَنَّن إليه بقوله: يا أبت، يا أبت، يا أبت، وهنا جواب الأب، وهذا القول: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قاله أيضًا غيره من المكذِّبِين للرسل؛ فرعون قال لموسى: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩].
﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم ٤٦] يعني: اتركني، ﴿مَلِيًّا﴾ أي: زمنًا طويلًا، يعني يقول: دعني على ما أنا عليه ولا تكلمني.
﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم ٤٧] هذه النهاية من إبراهيم، فما أَحْلَمَه عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة ١١٤]، ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم ٤٧]، فاستغفر له حتى نهاه الله عز وجل.
الشاهد من هذا أن أبا إبراهيم كان مشركًا، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: اسمه؟
* الطلبة: آزر.
* الشيخ: آزر، كما قال عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام ٧٤]، العجب أن بعض الناس -نسأل الله العافية- حَرَّفَ كلام الله عَمَّا أراد الله بناءً على هواه، فقال: أبو إبراهيم ليس مشركًا، بل هو على التوحيد، ولا يمكن أن يكون أبو النبي مشركًا، وآزر هو عَمُّه وليس أباه، لا حول ولا قوة إلا بالله، شوف كيف الهوى؟! «وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٥١) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.]]، كيف نقول: ليس أباه بل هو عمه، وهو يقول: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾، كيف نقول: إنه عمه، وهو يقول: ﴿يَا أَبَتِ﴾، أما يستحيي قائل هذا القول؟ أما يتقي الله عز وجل بتحريف الكلم عن مواضعه بناء على عقيدة فاسدة أن أَبَا الرسول لا يمكن أن يكون كافرًا، فنقول: سبحان الله! تأملوا، كون أبي الرسولِ كافرًا وابنه نبي أعظم دليل على قدرة الله عز وجل، وأنه يحيي الحي من الميت، وأن النَّسَب لا يرفع أصحابه، أليس كذلك يا جماعة؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: والله لو قلنا هذا لعجوز من عجائز المسلمين: إن آزر عم إبراهيم وليس أباه لانتقدتنا، بل نقول: أبو إبراهيم كافر، وأبو محمد كافر، وماذا يضر النبي إذا كان أبوه كافرًا؟ لا يضره شيئًا، بل هذا أكبر دليل على كمال قدرة الله عز وجل، وأنه يُخْرِج الأنبياء من أصلاب هؤلاء الكفار، لكن الحمد لله ما خرج نبي أبدًا من سِفَاحٍ، أبدًا، أما مسألة الكفر والإيمان فهذا لا يعد انتهاكًا لأعراض الأنبياء.
الشاهد من هذا أن إبراهيم عليه السلام قال لأبيه صراحة وقال لقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف ٢٦]، ﴿بَرَاءٌ﴾ المفسر قال: (بريء)، وهذا نقص من المفسر؛ لأن (براء) صفة مشبهة، و(بريء) اسم فاعل، وأيهما أعظم؟ الصفة المشبهة أعظم؛ لأنها تدل على الدوام والثبات والاستمرار، فـ(براء) أعظم من (بريء)، ﴿بَرَاءٌ﴾، يعني: صفة البراءة، الصفة الدائمة الثابتة المستمرة البراء مما أنتم عليه، ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف ٢٦، ٢٧]، وأظن لا يمكن أن نكمل الآية، انتهى الوقت.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف ٢٨ - ٣٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
* طالب: الآية التي قبلها.
* الشيخ: اللي قبلها؟ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾؟
* الطالب: اللي بعدها.
* الشيخ: هذه ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً﴾.
* الطالب: ﴿