تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ ﴿٢﴾
إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٣﴾
وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ما معناها؟
* طالب: الواو للعطف.
* الشيخ: للعطف؟ خطأ.
* طالب: للقسم.
* الشيخ: الواو للقسم، القسم يحتاج إلى مُقْسِم ومُقْسَم به ومُقْسَم عليه، مَن الْمُقْسِم؟
* طالب: الْمُقْسِم الله عز وجل.
* الشيخ: المقسِم هو الله، والْمُقْسَم به؟
* الطالب: الكتاب.
* الشيخ: الكتاب وهو القرآن، والْمُقْسَم عليه؟
* طالب: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾.
* الشيخ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، بارك الله فيك. حروف القسم؟
* طالب: حروف القسم الواو والباء والتاء.
* الشيخ: ثلاثة؛ الواو والباء والتاء، مثال الواو؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾.
* الشيخ: نعم، كقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، والواو هي أكثر ما يُسْتَعمل في القسم، الباء؟
* طالب: كقول القائل، كما جاء في الأحاديث: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ»[[ومنه ما أخرجه البخاري (٢٦١٥)، ومسلم (٢٤٦٩ / ١٢٧) عن أنس رضي الله عنه، قال: أهدي للنبي ﷺ جبة سندس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها، فقال: «والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا».]].
* الشيخ: (والذي)، ما أريدها، أنا أريد الباء.
* الطالب: كقول القائل: باللهِ الذي قلت لك هو حق.
* الشيخ: نعم، أقسم بالله إن هذا حق، التاء؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات ٥٦].
* الشيخ: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾، تمام. ﴿الْمُبِينِ﴾ ما معناها؟
* طالب: الْمُظْهِر للحق والباطل وكل شيء.
* الشيخ: الْمُبِين لكل شيء يحتاج إلى بيان من أمور الدين والدنيا، تمام، هل لهذا القول الذي قلته شاهد في القرآن؟
* طالب: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
* الشيخ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، بارك الله فيك.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، هذه تكلمنا عليها، ﴿جَعَلْنَاهُ﴾؟
* طالب: صَيَّرْنَاه.
* الشيخ: صَيَّرْنَاه، وما معنى ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾؟
* طالب: أي: صَيَّرْنَاه باللغة العربية.
* الشيخ: أي: صَيَّرْنَاه باللغة العربية، تمام، قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ مَن يُبَيِّن لنا معنى (لعل)؟
* طالب: العرب.
* الشيخ: لا، (لعل) أيش معناها؟
* طالب: رجاء.
* الشيخ: غلط.
* طالب: (لعل) هنا المراد بها التعليل.
* الشيخ: (لعل) للتعليل، أي: من أجل؟
* الطالب: أن تعقلوا.
* الشيخ: أن تعقلوا، طيب، والمراد بالعقل هنا؟
* الطالب: المراد به عقل الرشد والفهم.
* الشيخ: لا، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عقلَ الفهم؛ لأجل أن تفهموه.
ويشبه من هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤].
* من فوائد هذه الآية: أن هذا القرآن الذي أعجز العرب من الحروف التي يُرَكِّبُون منها كلامهم، ومع ذلك أعجزهم.
* ومن الفوائد: جواز تأكيد الخبر بالقسم ولو كان الْمُخْبِر لا يحتمل خَبَرُه الكذب، وجه ذلك أن الله تعالى أقسم مع أن كلامه لا يحتمل الكذب، ولكن هذا من أجل أهمية الْمُقْسَم عليه.
* ومنها: فضيلة القرآن الكريم وعِظَمه؛ لأن الله أقسم به، ولا يُقْسَم إلا بالشيء الْمُعَظَّم.
* ومنها: أن القرآن الكريم مكتوب، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، ومكتوب في الصحف التي بين أيدينا.
* ومنها: أن القرآن الكريم مُبَيِّنٌ لكل ما يحتاج إلى البيان؛ لقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾، ولكن هل هذا البيان حاصل لكل أحد؟ اسمع للجواب: لا، ليس حاصلًا لكل أحد، من الناس مَن يفهم من القرآن أشياء كثيرة، ومن الناس مَن هو دون ذلك، ومن الناس مَن لا يفهم شيئًا، الأقسام ثلاثة: من الناس مَن يفتح الله عليه فيفهم من الآية الواحدة عشرات المسائل، ومن الناس مَن هو دون ذلك، ومن الناس مَن لا يفهم شيئًا.
ولهذا لما سُئِل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «هل عهد إليكم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشيء؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عهد إلينا بشيء إلا فَهْمًا يؤتيه الله تعالى مَن شاء في القرآن، وإلا ما في هذه الصحيفة»[[أخرج البخاري (١١١) بسنده عن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي بن أبي طالب: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.]]، وإنما سئل عليٌّ عن ذلك لأنه أُشِيعَ في زمنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عهد إليه بالخلافة، وقال: أنت الخليفة من بعدي، فَبَيَّن -رضي الله عنه- أن ذلك لم يكن.
والشاهد من هذا الأثر قوله: إلا فهمًا يؤتيه الله من شاء من عباده، ولذلك ترى بعض العلماء إذا تكلَّم على الآية مستنبطًا فوائدها يأتي بالعجب العجاب، ومن أبلغ ما قرأت ما يحصل لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم؛ فإن الله تعالى يفتح عليهما من فَهْم القرآن ما لا يكون لغيرهما.
ومن الناس مَن فَهْمُه دون ذلك، لكن درجات، ومن الناس مَن لا يفهم شيئًا، دليل الأخير قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]، يعني: إلا قراءة، جمع أُمْنِيَّة، ومنه قول الشاعر في أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه:
تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وَآخِرَهُ لَاقَى حِمَامَ الْمَوَارِدِ
(تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ) ويش معناها؟ أي: قرأ كتاب الله؛ لأن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه قُتِل شهيدًا في داره وهو يتهجد ويقرأ القرآن.
هل الذي لا يفهم يقدح في كون القرآن تبيانًا لكل شيء؟ لا؛ لأن القرآن في حد ذاته تبيان لكل شيء، كما أن الجبان الذي بيده سيف بتَّار لا يقدر فيقتل به، وليس هذا عيبًا في السيف.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن الكريم حادث، يعني أنه بإرادة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، والله قادِر على أن يجعله بلغة أخرى لكن صَيَّره باللغة العربية، ومعلوم أن العرب حادثون أو أَزَلِيُّون؟ حادثون، فيكون ما نزل بلغتهم حادثًا، وهذا هو الحق؛ أن كلام الله عز وجل حادث، بمعنى أنه يتكلم متى شاء، متى شاء يتكلم، ومتى شاء لم يتكلم، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ غَيْرَ نَسْيَانٍ»[[أخرجه الدارقطني في السنن (٤٣٩٦)، وابن المقري في معجمه -واللفظ له- (٤٧١) من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه.]].
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم بكلام حقيقي متى شاء، فيما شاء، كيف شاء.
قلنا: إن كلام الله تعالى حادث، المعنى أنه يُحْدِث من كلامه ما شاء، ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يتكلم بكلام حقيقي متى شاء، فيما شاء، كيف شاء.
ألم تعلموا أن الأشعرية الذين ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري يقولون: إن الله ما يتكلم متى شاء؟ أبدًا، ليش؟ قال: لأن الكلام معنى قائم بنفسه أَزَلِيّ، لكنه يُحْدِث أصواتًا يخلقها متى شاء فتُسْمَع، فيرون أن الكلام لا يتعلق بمشيئته، بالله عليكم أيهما أكمل؛ من يتكلم بمشيئته ومتى شاء وكيف شاء، ومن لا يستطيع هذا؟ الأول، لكن أَبَتْ بدعتهم إلا أن يقولوا (...)، وقد ألَّف شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كتابًا سَمَّاه التسعينية بيَّن بطلان هذا القول من تسعين وجهًا، رحمه الله وجزاه عن أمة محمد خيرًا.
* من فوائد هذه الآية: أن كون القرآن باللغة العربية مَنْقَبَةٌ كبرى للعرب؛ أن يكون القرآن العظيم نزل بلغتنا؛ لقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾.
فإذا قال قائل: هذه عصبية وحَمِيَّة للعرب، ويفتخر بها العرب الْمُلْحِدون، فما الجواب؟ لأن هذا مشكل، العرب الْمُلْحِدُون الذين يبنون الولاء والبراء على القواميس العربية يفخرون بهذا.
فنقول: من كان كافرًا فلا فخر ولو كان من صميم العرب، الدليل: أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنزل الله في حقه سورة كاملة تُتْلَى في الصلاة وفي المساء وفي كل مكان مما يُتْلى فيه القرآن إلى يوم القيامة، في مدحه أو ذَمِّه؟ في ذَمِّه، وهو من صميم العرب، عم النبي ﷺ، فالعروبة لا تجزي شيئًا مع الكفر، لكن إذا اجتمع الدين والدنيا فما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا، إذا صار مسلمًا وعربيًّا.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الحجة لا تقوم إلا بالفهم، أن الحجة لا تقوم على العباد إلا إذا فهموها؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، والعقل هنا بمعنى الفهم، فلو تُلِيَ القرآن على رجل أعجمي لا يدري معناه ولم يُقَل له: هذا كلام الله، فإنه لا حجة قائمة، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]، اسمع يا رجل، أفهمت الآن؟ هذه مسألة عظيمة؛ الحجة لا تقوم على العباد إلا بفهمها ومعرفة معناها، وإلا فأي حجة في رجل يتكلم كلامًا لا نفهمه؟ لا حُجَّةَ، ولذلك لو قام أعجمي أمامنا ونحن عرب لا نعرف لغته وتكلم بأفصح ما يكون في لغته، أنفهم شيئًا؟ أبدًا، فلا بد من فهم الحجة.
فإن قال قائل: ماذا تقولون في قول الله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩]، ولم يقل: ومَن فهمه؟
فالجواب أن نقول: ﴿مَنْ بَلَغَ﴾ مُقَيَّد بالنصوص الأخرى الدالة على أنه لا بد من الفهم، أو يقال: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ من العرب الذين يفهمونه ..