تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَىٰكُم بِٱلْبَنِينَ ﴿١٦﴾
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ قدَّره المؤلف بمعنى: (بل أيقولون)، ولا حاجة لهذا التقدير، بل هو كلام من عند الله أنكره على هؤلاء؛ يعني بل على قولكم اتَّخذ مما يخلق بنات؛ لأنهم قالوا الملائكة بنات الله.
﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ يعني: وأخلصكم بالبنين وخصَّكم بها؛ لأنهم يقولون: البنات لله، والبنون لنا. فهل هذا عدل؟ هل هذا حق؟ هذا منكر وجور، على الأقل لو قالوا: إنهم سواء، لكان أهون مع أنه منكر، لكن يجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون، هذا غاية ما يكون من الجور والظلم.
﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ وهم الملائكة الذين زعموا أنهم بنات الله، ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ فالهمزة إذن المقدَّرة للإنكار.
* في هذه الآيتين فوائد؛ منها: أن الولد جزء من والده؛ لقوله ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، ولذلك كان الولد في التعصيب في باب الميراث مُقَدَّمًا على الوالد؛ بمعنى أنه لو مات ميتٌ عن أبيه وابنه؛ فلأبيه السدس فرضًا، والباقي للابن تعصيبًا، فسهمُ الابن الآن خمسةٌ من ستة، وسهمُ الأبِ واحد من ستة. لماذا؟
لأن الابن جزء من أبيه، فقُدِّمَ.
* ومن الفوائد: أنه يجوز للأب أن يتملك من مال ولده؛ لأن ولده جزؤه، وإذا كان جزءًا منه صار كسائر جسده، ولهذا جاء في الحديث: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٢٩١) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]، فللأب أن يتملَّك من مال ولده ما شاء، بشرط ألَّا يكون الولد محتاجًا إليه أو تتعلَّق به نفسه.
فمثلًا: إذا كان عند الابن أمَةٌ قد تسرَّاها وتعلَّقت بها نفسه، فإنه لا يجوز للأب أن يتملَّكها، مع أنه لا يمكن أن يطأها؛ لأنها حليلة ابنه، لكن حتى ولا التملُّك. لماذا؟ لأن حاجته متعلقة بها.
كذلك لو تعلَّقت بماله ضرورة؛ كابن عنده مال أعدَّه للمهر حين يتزوج، فليس للأب أن يأخذ منه شيئًا، كذلك لو كان عنده سيارة أعدَّها لحاجته وضرورته، فليس للأب أن يتملكها، إنما يتملك الفضل فقط، دليل هذا قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٣٤٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عتو المشركين واليهود والنصارى، حيث جعلوا الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، جعلوه والدًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان بطبيعته كفور مبين، هذا إذا جعلنا (الإنسان) للجنس، أما إذا جعلنا (الإنسان) يعود على ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ فإنه يكون خاصًّا، لكن معنى الأول هو ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢]، فأصل الإنسان الظلم والجهل، إلا أن يَمُنَّ الله عليه بالعلم والإيمان.
* ومن فوائد الآية الثانية: الإنكار على هؤلاء الذين جعلوا لله ولدًا؛ لقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾.
* ومن فوائده: أنه كيف يكون المخلوق ولدًا للخالق، ولهذا قال: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، وهذا لا يمكن؛ لأن المخلوق منفصل بائن عن الخالق، فلا يصح أن يكون ولدًا له.
* ومن فوائد هذه الآية: الإشارة إلى جور أولئك القائلين بأن الملائكة بنات الله؛ لقوله: ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ يعني: أيُعْقَلُ أن يكون هكذا؟!
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾ يعني بذلك قريشًا وأشباههم ممن يكرهون البنات ويَئِدُونهم، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾؛ أي: أُخْبِرَ بأن وُلِدَ له بنت ظلَّ وجهه مُسْودًّا.
وقوله هنا: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ ولم يقل كما قال في الآية الثانية: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ [النحل ٥٨]؛ لأنه سبقها ذكر قول هؤلاء: إن الملائكة بنات الله، فضربوها مثلًا لله عز وجل، إذا بُشِّرَ أحدهم بهذا الذي ضربوه مثلًا للرحمن، ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي: صار وجهه مُسودًّا، و(ظلَّ) هنا بالظاء المشالة؛ لأنها بمعنى صار، أما (ضلَّ) التي هي بالصاد فهي بمعنى: تاه وضاع، تقول: ضل الطريق بمعنى: تاه وأضاعه، أما ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ فهي بمعنى: صار وجهه مُسْودًّا؛ أي: بعد أن كان أبيض. وقوله: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: مملوءٌ غيظًا وحزنًا.
اقرأ التفسير.