×

الشورى

الآية ٣١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴿٣١﴾

ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى ٣١] (ما) نافية، وهي تعمل عمل (ليس) على لغة الحجازيين، والقرآن الكريم نزل بلغتهم، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿أَنْتُمْ﴾ اسمها، و﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ خبرها، لكنه اقترن بالباء الزائدة إعرابًا، الزائدة معنى، يعني أنها من حيث الإعراب زائدة، لو حذفت لتم الكلام بدونها، ولكنها من حيث المعنى غير زائدة، بل هي مفيدة. وفائدة حروف الزيادة هي التوكيد، كلما جاءك حرف زائد فهو لتأكيد العموم، يقول: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بمعجزين الله تبارك وتعالى، إذا طلبكم فلن تعجزوه في الأرض. وقول المفسر رحمه الله تعالى: (﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ الله هَرَبًا) هذا كالمثال، وإلا فالمعنى أعم مما قال، أي بمعجزين الله هربًا، وبمعجزين الله اختفاء، وبمعجزين الله اضطجاعًا، وما أشبه ذلك، الإنسان بالنسبة للإنسان ربما يعجزه إذا هرب منه ويكون أسبق منه، ربما يعجزه إذا اختفى عنه بجدار أو غار أو شجر أو ما أشبه ذلك، ربما يعجزه إذا اختفى عنه بالاضطجاع على الأرض وما أشبه ذلك، فهل هذا الإعجاز الذي يكون من الإنسان للإنسان هل يكون من الإنسان لله؟ لا؛ لأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يمتنع على قدرته شيء في الأرض ولا في السماء. وهذا كالوعيد لهؤلاء (﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غيره ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ) ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ (ما) هذه نافية ولا نقول: إنها حجازية؛ لأن من شرط عملها عمل (ليس) الترتيب، أن يكون الاسم هو المقدم، وهنا الخبر هو المقدم، وعليه فتكون نافية غير عاملة. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ (من) هذه زائدة لتوكيد النفي؛ (﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ يَدفَع عذابه عنكم)، ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولاكم ويُحسِن ولايتكم، ولا نصير يدفع عنكم، فليس هناك ولي يتولاكم من دون الله ولا نصير يدفع عنكم عذاب الله، بل أنتم في قبضته تبارك وتعالى أينما كنتم. في هذه الآية الكريمة من الفوائد: * أولًا: تهديد المشركين بعذاب الله وأن الله إذا أراده لم يعجزه. * ومنها: وجوب خوف الله تعالى ورقابته؛ لأنه سبحانه وتعالى إذا أراد أن يعذب العاصي فلن يخفى عليه. * ومن فوائده أيضًا: أنه ليس أحد يقوم بتولي هؤلاء المكذبين وينصرهم من دون الله، وعلى رأس هؤلاء الأصنام، فالأصنام لا تنفعهم، بل هي إن كانت عاقلة تتبرأ منهم يوم القيامة، وإن لم تكن عاقلة فهي وإياهم حصب جهنم، كما قال عز وجل في سورة الأنبياء: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨].