تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَلَآ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ ۗ أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطٌۢ ﴿٥٤﴾
أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾، ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح، وتُفيد شيئين؛ الشيء الأول: التوكيد، والشيء الثاني: التنبيه، وهل هي مركبة من الهمزة و(لا) أو هي غير مركبة؟ الجواب: هي غير مركبة، بل هي كلمة واحدة.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ﴾: شكٍّ، ﴿مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ لإنكارهم البعث، فهم -والعياذ بالله- في شَكّ من لقاء الله، ولو كانوا يرجون لله لقاءً لاستقاموا وخافوا منه، كل إنسان يؤمن بأنه مُلَاقٍ ربَّه فإنه سوف يستقيم على أمر الله؛ لأنه يعلم أنَّ الرب عز وجل سوف يحاسبه على هذا.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا﴾ أداة استفتاح أخرى تُفيد التنبيه والتوكيد، (﴿أَلَا إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ علمًا وقُدْرَة، فيجازيهم بكفرهم)، هم في شكٍّ من لقاء الله، لكن سوف يُنَبِّئُهم الله عز وجل بما عملوا؛ لأنَّه بكل شيء محيط، وعلى هذا فَصِلَةُ قوله: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ بما قبلها الإشارة إلى أنَّه سوف يجازيهم.
* في هذه الآيات فوائد: منها: أنَّ الله تعالى سيُظْهِر ما يتبين به صِدْق الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾، من أين نأخذها؟ من قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
* ومنها: أنَّ هذه الإراءَة قريبة محققة، من أين تؤخذ؟ من ﴿سَنُرِيهِمْ﴾؛ لأنها صُدِّرَت بالسين الدالَّة على التحَقُّق والقُرْب.
* ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يُفَكِّر في آيات الله تعالى في الآفاق وفي نفسه؛ لأن ذلك طريق إلى أن يتبَيَّن له الحق، من أين نأخذها؟ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، فأنت كلما ازددتَ تأمُّلًا وتدَبُّرًا لآيات الله الآفاقية، والآيات اللي في نفسك، فإنك لا شك تزداد إيمانًا، ويتبيَّن لك صِدْق الرسول عليه الصلاة والسلام.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الإنسان ناقص العلم نقصًا عظيمًا، وجهه: أنَّ الله تعالى يُرِيهِ آياته في نفسه، فالإنسان غير عالم بنفسه إلا إذا علَّمَه الله، ولذلك يا إخوان الآن نفسك التي هي مادة حياتك ما تعرفها، أتعرف النفس؟ أبدًا ما نعرفها.
ولهذا اختلف فيها النُّظَّار من المتكلمين والفلاسفة وغيرهم؛ منهم من قال: إن النفس هي الدم، ومنهم من قال: إنَّ النفس جزء من البدن، ومنهم من قال: إن النفس عَرَضٌ في البدن، ومنهم من قال: إن النفس لا تُوصَف بشيء، فلا هي داخل العالم ولا خارجه، ولا مُتَّصِلة ولا منفصلة، إلى آخر ما يقولون في النفي المطلَق، ومنهم من قال: إن النفس مخلوق من مخلوقات الله، وأنها ذات جِرْم، وأنَّها تدخل في البدن وتسير فيه كما تسير الجمْرُ في الفحم، أو الماء في الْمَدَر.
ويدُلُّ لذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأنَّ الإنسان إذا قُبِض أُخِذَتْ نفسه، أخذَتْها الملائكة وجعلَتْها في كفن وحَنُوط[[أخرجه أحمد (١٨٥٣٤) من حديث البراء بن عازب.]]، وأنه إذا قُبِض اتَّبَعه البصر[[أخرجه مسلم (٩٢٠ / ٧) من حديث أم سلمة.]]، وهذا يدل على أنها شيء مخلوق له جِرْم وجسد، لكننا مع ذلك لا نعلم منها إلا قليلًا، ولهذا لَمَّا سألوا عن الروح قال الله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥].
* ومن فوائد هذه الآيات: أنَّ القرآن والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ الآيات الدالة على ذلك آياتٌ تُوصِل إلى اليقين؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾، التَّبَيُّن يعني الوضوح والظهور، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة ١٨٧]، فإذا علِمْت أنَّك لم تصِلْ إلى اليقين فاتَّهِم نفسَك، عليك أن تُعَالِج هذا المرض العُضَال الخطير حتى تصل إلى اليَقِين، حتى تصِلَ إلى ما يدُلّ عليه قول الرسول ﷺ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥)، من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: كفاية الله تعالى عن كل شيء بشهادته؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالآثار على مُؤَثِّرَاتها، وجهُ ذلك أن الله تعالى استدل بتمكينه الرسولَ على أنَّه حق، فالإِنسان يستدل بالآثار على مُؤَثِّرَاتها، ولهذا قيل: البَعَرَة تدل على البعير، وهذا جواب من أعرابي سُئِل: بِمَ عرفت ربك؟ قال على البديهة: البعرة تدل على البعير ، اختار هذا؛ لأنه أعرابي ما يعرف إلا الإبل، البعرة تدل على البعير، والأَثَر يدل على الْمَسِير، صح؟ إذا رأيتَ مثلًا صورة القَدَم على الأرض عرفت أنه قد سار على هذا أحد، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فِجَاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدُلُّ على السميع البصير؟ والجواب: بلى، هذا الأعرابي استدل بالآيات الآفاقية على وجود الله وعلى قدرته.
* ومن فوائد هذه الآيات: الحذر من المخالفة، وهذه فائدة تربَوِيَّة، من أين تُؤْخَذ؟ ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، فإذا علمْتَ أن الله شهيد على كل شيء؛ على نفسك، أفعالك، أقوالك، كل التصرُّفات، فإنَّك سوف تُرَاقِب الله عز وجل، ومَن لم يتَّعِظْ بمثل هذه الآية فإنه لن يَتَّعِظ، إذا علمْتَ أنَّ الله شهيد عليك في خلواتك، في وحدتك، في جلوسك مع أهلك، في جلوسك مع صَحْبِك، فإنَّك سوف تراقب الله عز وجل، وهذا هو معنى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥)، من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حال هؤلاء المكذِّبين، وأنَّ سبب تكذيبهم أنهم في شكٍّ من لقاء الله، ومعلوم أن مَن كان في شك من لقاء الله فلن يعمل لله، ولهذا تجدون الله تعالى يَقْرِن دائمًا بين الإيمان به واليوم الآخر؛ لأنَّ مَن نَقَص إيمانُه باليوم الآخر فسوف ينقص عمله، ومَن كمُلَ إيمانه باليوم الآخر فسوف يكمُلُ عمله؛ لأنَّه يرجو أن يكون سعيدًا في ذلك اليوم.
أنت عندما تركع أو تسجد اجعل على بالك أنَّ هذا الركوع والسجود سوف ينفعك متى؟ يوم القيامة، وهو ينفعك من الآن؛ لأنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، لكن الثمرة الملموسة يوم القيامة، التي تظهر لكل أحد، في الدنيا يظهر للمؤمن الانتفاع التام بالطاعات، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ما يفعل أعدائي بي، إنَّ جَنَّتِي في صدري، حَبْسِي خلوة، ونَفْيِي سياحة، وقَتْلِي شهادة، رحمه الله، فالإنسان المؤمن يجد هذا في نفسه قبل يوم القيامة، في يوم القيامة يكون الظهور الكامل، يُكْشَف عن كل شيء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان إحاطة الله بكلِّ شيء؛ عِلمًا، وقُدرَة، وسلطانًا، وتدبيرًا، وغير ذلك، محيط بكل شيء، بأفعاله وأفعال العباد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢].
* من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: تحقِيق مراقبة الله؛ لأنَّك إذا آمنت أنَّ الله بكل شيء محيط فسوف أيش؟ تُرَاقِبه المراقبة التامة بحيث لا يفقدك حيث أَمَرَك، ولا يراك حيث نهاك، والله أعلم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم﴾ [الشورى ١ - ٥].
* الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أنَّ الله سبحانه وتعالى وَعَدَ بأن يُرِيَ هؤلاء المكذِّبين آياتِه في الآفاق وفي أنفسهم، فهات مثالًا لإِراءته إياهم آياته في الآفاق؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني آياته الكونية كالشمس والقمر والنجوم، والأرضية؟
* الطالب: الأرضية (...).
* الشيخ: ما في الأرض من البحار والأنهار والأشجار والجبال وغير ذلك، وفيها أيضًا الآفاق؛ آيات الله الشرعية في الآفاق.
* طالب: آيات الله الشرعية؟
* الشيخ: نعم في الآفاق.
* الطالب: الملائكة.
* الشيخ: لا.
* طالب: ما جاء من الرسل.
* الشيخ: لا، ما قلنا: الفتوحات الإسلامية والغلَبة والنصر لأولياء الله؟ طيب، في الأنفس؛ آيات الله تعالى في أنفسهم؟
* طالب: في أنفسهم معدة الشخص..
* الشيخ: معِدَة الشخص؟
* الطالب: كيف الهضم..
* الشيخ: يعني فقط المعدة؟
* الطالب: لا، هذا واحد من المثال.
* الشيخ: طيب هات.
* الطالب: مثال ثانٍ العيون..
* الشيخ: نعم، الآيات في النفس الخِلْقِية والخُلُقِية، كذا؟ طيب، وهي عاد أنواع كثيرة متعَدِّدة.
ما معنى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾؟
* طالب: هذا استفهام إنكاري على المكذِّبين..
* الشيخ: أو استفهام تقريري؟
* الطالب: استفهام تقريري..
* الشيخ: إي، ويش معناه؟
* الطالب: مُشْرَبٌ بالتحدي، يعني: أَوَلَم تكفِ شهادة الله سبحانه وتعالى؟
* الشيخ: نعم، يعني: أَوَلَم يَكْفِ شهادة الله عز وجل بأنَّ ما جاء به الرسول فهو حقّ؟ طيب، ذكرْنا أن شهادة الله نوعان: ما هما؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لم نقل هذا.
* طالب: قولية وفعلية.
* الشيخ: قولية وفعلية، أين الدليل على شهادة الله القولية بأنَّ رسول الله حق؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء ١٦٦].
* الشيخ: أحسنت، الفعلية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: تمام، شهادة الله القولية أنَّه قال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾، شهادة قولية، وهذه أصدَقُ الشهادات، الشهادة الفعلية أنّ الله سبحانه وتعالى يطَّلِع ويعلم أنَّ رسوله ﷺ يستبيح الدماء والأموال والنساء والذُّرِّيَّة في دعوته التي يدعو إليها، ومع ذلك فقد مكَّنَ له ونصره، حتى أنه نصره بالرُّعب مسيرة شهر، وهذه شهادة فعلية من الله عز وجل على أن رسول الله ﷺ حق.
ثم نبدأ درس اليوم، يقول: سورة الشورى، ويقال: سورة شورى، أنا عندي مكتوب (سورة شورى)، وهي تُقال هذا وهذا، أما الشورى فـ(أل) فيها للبيان، وأما (شورى) فهي مأخوذة من قوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٣٨]، وليس فيها (أل)، فهذه السورة تسمى سورة شورى وسورة الشورى، يقول: (مكية)، ما معنى مكية؟ هل المراد ما نزل بمكة، أو المراد ما نزل قبل الهجرة؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني، نعم، المراد الثاني؛ ما نزل بعد الهجرة ولو في مكة فهو مَدَنِيّ، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣]، هذه نزلت في عرفة، والنبي ﷺ واقف بعرفة[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٠٧)، ومسلم (٣٠١٧ / ٣)، من حديث عمر بن الخطاب.]].