تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَظَنُّوا۟ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ ﴿٤٨﴾
وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ﴾ قال المؤلف: (يعبدون) ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ (في الدنيا من الأصنام) أصنامهم التي كانوا يتعلقون بها ويعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى في ذلك اليوم الذي هم أشد ما يكونون حاجةً لها تغيب عنهم ولا تنفعهم؛ ولهذا قال: ﴿ضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: ضاع وغاب ﴿مَا كَانُوا يَدْعُونَ﴾ أي: يعبدون من قبل، ويريد بذلك الأصنام التي كانوا يعبدونها في الدنيا، مثلًا النصارى يعبدون عيسى ابن مريم، قريش تعبد اللات، والعُزَّى، ومناة، وهُبل، منهم من يعبد النار كالمجوس، من يعبد الشمس، من يعبد القمر، إلى آخره، هذه الأصنام التي تُعبد من دون الله، هل تنفعهم يوم القيامة؟ لا، ولهذا قال: ﴿ضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾. وربما نفهم من قوله: ﴿ضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أنهم ذهبوا يطلبونها، يبحثون عنها، ولكنها ضلت وضاعت، ويكون هذا أشد حسرةً في نفوسهم أنهم طلبوها في وقت الحاجة ولكن لم يجدوها.
﴿وَظَنُّوا﴾ قال: (أيقنوا) ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (ظن) هنا بمعنى أيقن، وهل يأتي الظن بمعنى اليقين؟ الجواب: نعم، يأتي كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف ٥٣] إذن ظنوا بمعنى أيقنوا.
وقال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة ٤٦] معنى ﴿يَظُنُّونَ﴾ أي: يوقنون أنهم ملاقو ربهم، ولو كان الظن بمعنى الشيء الراجح لم يكونوا مؤمنين لكن يظنون بمعنى يوقنون؛ إذن الظن في اللغة العربية يأتي بمعنى اليقين، هنا ﴿ظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أيقنوا ولَّا صار عندهم احتمال راجح؟ أيقنوا. وقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ فيها تقديم وتأخير وتوكيد، التقديم والتأخير أنه قُدِّم فيها الخبر، وأُخِّر فيها المبتدأ، أين الخبر؟ ﴿لَهُمْ﴾ أين المبتدأ؟ ﴿مَحِيصٍ﴾. فيها أيضًا توكيد وهو ﴿مِنْ﴾ الزائدة؛ لأن ﴿مَحِيصٍ﴾ مبتدأ مؤخر، ودخلت عليه ﴿مِنْ﴾ الزائدة للتوكيد، وإعرابه أنه مبتدأ مرفوع للابتداء، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة.
وقوله: (﴿مَحِيصٍ﴾ مهرب من العذاب) يعني أيقنوا أنه لا مهرب لهم من العذاب، ولا مفر لهم منه، وأنه واقع بهم لا محالة.
ثم قال المؤلف: (والنفي في الموضعين مُعلق عن العمل، وجملة النفي سدَّت مسد المفعولين) النفي في الموضعين أين الموضعان؟ ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت ٤٧] هذه ﴿مَا﴾ نافية مُعلِّقة عن العمل؛ لأن ﴿آذَنَّاكَ﴾ أعلمناك، وهي تنصب ثلاثة مفاعيل. (أعلم) تنصب ثلاثة مفاعيل، تقول مثلًا: أعلمتُ زيدًا عمرًا قائمًا. هذه نصبت كم؟ ثلاثة مفاعيل زيدًا وعمرًا وقائمًا، هنا ﴿آذَنَّاكَ﴾ المفعول الأول موجود وهو: الكاف ﴿آذَنَّاكَ﴾ المفعول الثاني والثالث مُعلَّق أغنت عنه جملة الاستفهام ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾.
وعلى هذا فتكون جملة ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ كلها تكون في موضع نصب سدت مسد مفعولي (آذَن) أقول: الأول والثاني أيش؟ لا، أقول: الثاني والثالث.
﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ هذا الثاني، ﴿ظَنُّوا﴾ هذه (ظن) تنصب كم مفعولًا؟ تنصب مفعولين هنا ما فيه مفعولان، ليس فيه مفعولان، أين هما؟ عُلِّقت عن العمل بجملة النفي وهي قوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ وعلى هذا فيكون ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ جملة في محل نصب سدت مسد مفعولي (ظن)، هذا إعراب في الحقيقة لا يدركه إلا من كان عنده علم بالمفاعيل، لكنا نحن الآن شرحناه فمن فهمه فهذا المطلوب، ومن لم يفهمه فإنه لا يضر؛ لأنه ليس له علاقة معنا، علاقته إنما هو في الإعراب فقط.
نرجع إلى استنباط الأحكام من الآيات، قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت ٤٧] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: أن علم الساعة عند الله وحده، من أين تؤخذ يا أخ؟
* طالب: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.
* الشيخ: كيف أخذها من أنه عند الله وحده؟
* الطالب: لما قدم ما حقه التأخير فأراد الحصر.
* الشيخ: لأنه قدم ما حقه التأخير -وهو المعمول- وهذا يفيد الحصر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من ادعى عِلْم الساعة فهو كافر، وجه ذلك: أنه مُكَذِّب لله، وتكذيب الله كُفْر، ومن صدقه فهو كافر أيضًا؛ لأنه صدَّق بما هو تكذيب للقرآن الكريم، ومَنْ صَدَّق بما هو تكذيب للقرآن الكريم فإنه كافر بلا شك.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت ٤٩ - ٥١].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ ﴿لَا يَسْأَمُ﴾ يعني: لا يمل، فهو دائمًا يسأل الخير من المال والغنى والجاه وغير ذلك.
إذن نأخذ الفوائد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت ٤٧].
* مِن فوائدها: أن علم الساعة عند الله عز وجل لا يعلمها إلا هو، وذكرنا لذلك دليلًا في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الساعة فقال له: «مَا الْمَسْئُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائدها: أن من ادعى عِلم الساعة فهو كافر؛ لأنه مُكذِّب لله ورسوله، وتكذيب الله ورسوله من أسباب الرِّدَّة؛ لأن الردة تدور على شيئين: إما تكذيب، وإما استكبار، فكل رِدَّة يحكم العلماء بها فإنها لا تخرج عن هذين الأمرين: إما التكذيب وإما الاستكبار.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم عِلْم الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت ٤٧] إلى آخره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ الكفار يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ [فصلت ٤٧] والتوبيخ في ذلك المكان من أعظم ما يكون من التوبيخ؛ لأنه اليوم المشهود الذي يشهده الله وملائكته وجميع خلقه.
* ومِن فوائدها: إقرار هؤلاء المكذبين بالبعث في ذلك اليوم أنه لا شريك لله عز وجل؛ لقوله: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: أن ما يُعبَد من دون الله فإنه هلاك وضلال، ولن يُجدي شيئًا عن عابديه؛ لقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [فصلت ٤٨].
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين يوقنون في ذلك اليوم أنه لا مفر لهم من عذاب الله؛ لأنه ليس هناك أحد يدفع عذاب الله تعالى عنهم فيوقنون بأنه لا محيص لهم منه.