×
فصلتالآيات ٤–٥

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴿٤﴾

وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ ﴿٥﴾

بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت ١ - ٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ما المراد بقول الله تعالى: ﴿حم﴾؟ * طالب: هذا من الإعجاز الذي لا يعلمه إلا الله. * الشيخ: فيه رأي آخر، وهو؟ * الطالب: وقد فسرها بعض العلماء قال: إنها مِن الإعجاز (...) هذه الحروف من اللغة العربية. * الشيخ: أنه ليس لها معنًى في حدِّ ذاتها كذا؟ لكن لها مغزى. * طالب: لها مغزَيان وأنها تحدٍّ للعرب. * الشيخ: من كمال التحدي حيث إنَّ كلام العرب مُكَوَّن مِن هذه الحروف، ومع ذلك عجَزوا أن يأتوا بمثل القرآن، أيهما تُرجِّح؟ * طالب: كلاهما يصح. * الشيخ: ما يصح كلاهما، متباينان. * طالب: أرجح أنها تحدٍّ للعرب إعجاز. * الشيخ: أنه في حدِّ ذاتها لا معنى لها، كذا؟ * طالب: لها معنى لكن.. * الشيخ: لا، كيف لها معنى؟ * طالب: لها معنى (...). * الشيخ: إذن رجَّحْتَ الأوَّل. * طالب: الثاني. * الشيخ: ما هو؟ * طالب: الثاني يعني. * الشيخ: ما هو الثاني؟ لأنه هذا اختلاط الحابل بالنابل، أيش؟ * طالب: الثاني: أنها حروف يعني عربية، الله سبحانه وتعالى هو نزلها.. * الشيخ: ليس لها معنى في ذاتها، هذا هو المهم يا جماعة، ما الدليل على أنه ليس لها معنى في ذاتها؟ * طالب: لأنه لا يُعلم معناها. * الشيخ: سبحان الله! صار لها معنى لكن لا يُعلم، رجعْتَ عن قولك. * طالب: أن هذه الحروف العرب يعني يعرفونها وليست لها معانٍ (...). * طالب آخر: أن الله عز وجل يقول: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]. * الشيخ: إي ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥]، وهذه الحروف بمقتضى اللسان العربي ليس لها معنى، حروف هجائية فقط، وعلى هذا فإذا أخذْنا أنَّ القرآن نزل بلسان عربي مبين تبيَّن أنَّ هذه الحروف ليس لها معنى في ذاتِها، فإذا أورَد علينا مُورِد وقال: إذا قلتم ليس لها معنى في ذاتها صارت لغوًا، فما الجواب؟ * طالب: الجواب على ذلك أن يقال: لها معنى في غيرها لها معنى.. * الشيخ: لها مغزى، وهو؟ * طالب: وهو التحدي. * الشيخ: كمال التحدي حيث يقال: أيها العرب، إنَّكم تُكَوِّنُون كلامكم من هذه الحروف. * طالب: ولا تستطيعون أن تأتوا بمثل هذا القرآن. * الشيخ: بارك الله فيك، هل هناك قرينة على ما ذُكِر؟ على أنَّها حروف يُراد بها كمالُ التحدي لهؤلاء العرب؟ * طالب: إي نعم؛ لأن غالب جميع السور المبدوءة بهذه الحروف تأتي بعدها كلمة القرآن. * الشيخ: أحسنت؛ لأنه يأتي بعدها ذكْرُ القرآن، إشارةً إلى أن القرآن من هذه الحروف، ومع ذلك عجَزْتُم عنه. قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت ٢، ٣] أعرِبْ الجملة؟ * طالب: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ يجوز فيها وجهان؛ أنها خبر مقدَّم و﴿كِتَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر، ويجوز ﴿تَنْزِيلٌ﴾ مبتدأ و﴿كِتَابٌ﴾ خبر، وهذا هو الراجح. * الشيخ: والذي مشى عليه المؤلف؟ * طالب: الأول الذي مشى عليه المؤلف أن ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبر مقدَّم، و﴿كِتَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر. * الشيخ: نعم، قل. * طالب آخر: على العكس، المؤلف ذكر أنَّ ﴿تَنْزِيلٌ﴾. * الشيخ: على العكس المؤلف ذكر أنَّ ﴿تَنْزِيلٌ﴾. * طالب: مبتدأ مؤخر و﴿كِتَابٌ﴾ خبر. * الشيخ: نعم، أحسنت. قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قال: (إنه حالٌ مِن ﴿كِتَابٌ﴾ بصفته) أيش معنى هذا؟ * طالب: أنه لا يجوز في الحال أن يكون جامدا (...) المشتق فأجاب أنه حال بصفته. * الشيخ: أحسنت، تمام وفيه احتمال آخر أنه حَال من ﴿كِتَابٌ﴾ بصفته بصفة الكتاب، ويكونُ أيضًا جوابًا عن سؤالٍ مقدر، وهو: كيف صح مجيءُ الحال من النكرة، فقال: إنه موصوف ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ﴾ والنكِرَة إذا وُصِفت جازَ مجيءُ الحال منها، كما هو معروف في كتب النحو. قوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾، ﴿بَشِيرًا﴾، (﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يفهمون ذلك وهم العرب)؛ يعني أنَّ الله جعله قرآنًا عربيًّا لقوم يعلمونَه ويفهمونه ولا حُجَّةَ لهم في معارضَتِه والكفر به؛ لأنهم يعلمونه كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف ٣]؛ أي: تفهمُون معناه حيث جاء بلسان العرب. ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، (﴿بَشِيرًا﴾ صفة ﴿قُرْآنًا﴾ ) يعني: جعلناه قرآنًا عربيًّا، ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، بشيرًا لمن؟ بشيرًا لمن آمَن به كما قال تعالى: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل ١٠٢] ونذيرًا لمن كفر به، وإن شئت فقل: إنَّه نذير لجميع العالمين كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]. المهم أنَّ البشارة خاصة، والإنذار عام، وربما يكون خاصًّا كما قال تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم ٩٧] يعني الذين كفروا به انتبهوا، فصارت البشير خاصة بمن آمَن، والنذير تكون عامة وتكون خاصة، فما هو البشير؟ البشير هو المخبِر بما يسُر، وسُمِّي خبرُه بشارَة؛ لأنَّ أثرَه يظهُر على بشَرَة الإنسان؛ ولهذا تبرُق أسارير وجهِه من الفرح. ﴿وَنَذِيرًا﴾ الإنذار هو الإعلام المقرون بالتخويف. ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾، ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ الفاء عاطفة، و(أعرض) معطوفة على ﴿فُصِّلَتْ﴾ يعني كتاب فُصِّلَت آياته، ومع ذلك أعرض أكثرهم، ويحتمل أن تكون الفاء للاستئناف؛ أي: فأعرض يعني أنَّها جملة مستأنَفة لا تُعطف على ما قبلها. (أعرض أكثرهم) أي أكثر الذين بلغَهم (﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت ٤] سماعَ قبول) هذا نتيجةُ الإعراض أنهم صاروا لا يسمعون، ونفيُ السماع عنهم؛ لانتفاء فائدته وهو الاتِّعَاظ والقبول. واعلم أنَّ السمع ينفى تارةً لعدم أصله، وتارة لعدم ثمرتِه فقولُه تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل ٨٠] هذا نفي لأصلِه، الميت لا يسمع، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١] لانتفاء ثمرته؛ لأن السمع الذي لا ثمرةَ له كالمعدوم. ﴿وَقَالُوا﴾ معطوفة على ﴿فَأَعْرَضَ﴾. (﴿وَقَالُوا﴾ للنبي ﷺ: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ أغطِيَةٍ) ﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ هذا -والعياذ بالله- من شدة عنادهم وكفرهم قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام وهو يدعوهم ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ كقولِهم: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة ٨٨] يعنى الأكِنَّة جمع (كِنٍّ) وهو ما يُستتَرُ به. وقوله: ﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ أي: من التوحيد والطاعة والشهادة لله تعالى بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، وإنما ذكروا القلوب وبدؤوا بها؛ لأنَّها محلُّ الوعي. (﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ ثِقَل) يعني فلا نسمع يعني أننا نستمِعُ إليك على كراهة وبُغْض فكأن في آذاننا ثِقَل سَمْع. ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ أي: حائل يحول بيننا وبينك فلا نراك، فأَتَوْا على كل مدارك الإحاطة؛ المدرَك الأول: القلب، والثاني: السمع، والثالث: البَصَر، وانتفاءُ البصر عنهم؛ لقوله: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾، وقد جمع الله تعالى بين هذه الثلاثة في قوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٦]. وتأمَّل قولَهم: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ لم يقولوا: وبيننا وبينك حجاب إشارةً إلى أنَّ هذا الحجاب ممتَد مِن عندنا إليك، وعلى هذا فكلما تباعدنا عنك غلُظَ هذا الحجاب؛ لأنَّه إذا كان ابتدائه من عندهم إلى الرسول صارَ كلما زادت المسافة ازداد غِلَظُه؛ لأنَّ (مِن) هنا للابتداء فتُفِيد أنَّ هذا الحجاب مُباشِر منهم إلى الرسول ﷺ، لكن لو قالوا: (وبيننا وبينك حجاب) لأمكن أن يكون الحجاب في الوسط ولو كان بينه وبينهم مسافة، وهذا يدل على غِلَظ ما بينهم وبين الرسول عليه الصلاة والسلام وبُعْدِه. ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ هذا -والعياذ بالله- تحدٍّ للرسول عليه الصلاة والسلام فيما يظهَر وليس مِن باب الإباحَة بل من باب التحدي (﴿فَاعْمَلْ﴾ على دينك ﴿إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ على ديننا). ويحتمِل اعمل لمجاهدتنا فإننا عاملون لمجاهدتك، أيُّهما أبلغ ما ذهب إليه المؤلف أو هذا القول؟ الثاني أبلَغ؛ لأنه كأنهم يقولون: اعمل ونحن سنعمَل وأيُّنا يغلب. * في هذه الآيات فوائد مِن فوائدها: أنَّ نزول القرآن مِن عند الله؛ لقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. * ومن فوائدها: أنَّ إنزال القرآن مِن آثار رحمة الله، حيث قال: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. * ومن فائدتها: إثباتُ اسمين من أسماء الله هما الرحمن الرحيم. * ومن فوائدها: إثباتُ ما دلَّ عليه هذان الاسمان مِن صفة الرحمة، وقد ذكرْنا عند التفسير أنَّ أهل التعطيل نفَوْا أن يكون لله رحمة، ألم نقل هذا؟ وقلنا: إنهم يفسرون الرحمة إما بالإحسان والثواب وهو منفصل، وإما بإرادة الإحسان والثواب؛ لأنهم كانوا يُقِرُّون بالإرادة، وبيَّنَّا بطلان هذا القول، وأنَّ الصواب أنَّ الرحمة من صفات الله عز وجل لكنَّها ليست كرحمة المخلوق. * ومن فوائد هذه الآيات: أنَّ القرآن فُصِّلَت آياتُه، والتفصيل لعلَّنا قلنا: إنه تفصيل لفظي ومعنوي: التفصيل اللفظي بأيش؟ بالفواصل بين الآيات، والمعنوي بالتفصيل في المعنى، إذا ذَكَر الله تعالى أمرًا ذكر نهيًا، إذا ذكر ثوابًا ذكر عقابًا، إذا ذكر أهل الخير ذكر أهل الشر وهكذا؛ مثاني. * ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أنَّ القرآن كل آية منه تُعتبَرُ آيةً على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ و﴿آيَاتُهُ﴾ جمع تعُمُّ كلَّ فردٍ على حِدَة، ويعُم المجموع. * ومن فوائدها: أنَّ القرآن نزل باللغة العربية؛ ففيه منْقَبَة للعرب؛ لأنَّ هذا القرآن نزل بلغتهم، وفيه إحياء للغة العربية؛ لأنَّ هذا القرآن سيبقى إلى أن يأذَن الله بخرَاب العالم، ومِن المعلوم أنه إذا بقي باللسان العربي فسوف تحيَا اللغة العربية وتبقى، وهذا مِن آثار القرآن كما يقوله، ماذا قلت؟ * طالب: قلت: إن في هذا أن القرآن يعني أنزل باللغة العربية، وأن في هذا بيان أن القرآن سيبقى إلى أن يأذَن الله بخرَاب العالم، وهذا دليل على أن اللغة العربية سوف تبقى حية. * الشيخ: هكذا قلت؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا، ليس هذا المعنى. ذكرْنا أنَّ في هذا منقبة للعرب أليس كذلك؟ حيث نزل بلغتهم، وأن فيه إحياء وإبقاء للغة العربية؛ لأنَّه نزل بها، وهو باقٍ إلى أن يأذَن الله بخراب العالم. * ومِن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّه لا يفقَهُ هذا القرآن ولو كان باللغة العربية إلا ذَوُو العلم؛ لقولِه: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. أمَّا مَن ليس أهلًا للعلم فإنه لا يستفيد من هذا الكتاب شيئًا؛ لأنه أُمِّي، والذي يقرَأ القرآن بلا فهْم للمعنى هو أميٌّ وإن تلاه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]، فالذي لا يعلم القرآن إلا قراءةً فقط كالذي لا يقرَأ القرآن ولا فرْق. * ومِن فوائد هذه الآيات الكريمة: أنَّ القرآن فيه البشارة والنذارة؛ بشير ونذير، لكن هل هذا مُوزَّع أو يمكن أن يكون ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ في آنٍ واحد؟ يمكن هذا وهذا، أما على الأول بشيرًا ونذيرًا فإننا نجد من آياته ما هو بشارة للمؤمنين، ونجد مِن آياته ما هو إنذار، وأمَّا على الثاني أنَّ الآية الواحدة قد ينتفع بها أقوام، ويتضَرَّر بها آخرون، اقرَأْ ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]، ولا تستغرِبْ أن يكون الشيء الواحد ضارًّا مِن وجه ونافعًا مِن وجه آخر: القرآن نافع للمؤمنين ضارٌّ لغير المؤمنين، ولا تستغرِب هذا، وأضرب لك مثلًا حسِّيًّا بالتمر حُلْو المذاق، فاكهة، غذاء، قُوت، يأكله واحِد فيتضَرَّر به ويأكلُه آخر فينمُو به مع أنَّه شيء واحد، هكذا القرآن. * ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أنَّه مع وصف القرآن بهذا الوصف الجليل تفصيل الآيات، وأنه بلسان عربي، وأنه بشير ونذير لم يسلَمْ من المعارضة والإعراض؛ لقوله: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾. * ومِن فوائد الآيات: جواز نفي السمع لِمَن لا ينتفع به؛ لقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾، وكذلك يقال في بقية الحواس لِمَن لم ينتفع بها، نقول: إنَّ وجودَها كالعدم، فمَن لم ينتفع بما رأى نقول: هذا لا يبصر ولو كان له عينان. * ومن فوائد الآيات الكريمة: شِدَّةُ كراهة المشركين لِمَا نزل من الحق الدليل؟ * طالب: أنهم قالوا: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾. * الشيخ: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ صحيح؟ إذن * من فوائدها: شدة معاندة المشركين ومعارضتهم لهذه الأوصاف التي ذكرها الأخ. * ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: تحدِّي هؤلاء المبطلين على باطلهم. * ويتفرع عليها: أنَّ مِن أهل الباطل مَن يتحدى أهلَ الحق إلى يومِنا هذا إلى يومنا هذا، ولكن على أهل الحق أن يستعينوا بالله عز وجل في مقاومة هؤلاء، وأن يعلموا أنَّ كلمة حق تغلِب ألفَ كلمة باطل، لكن السيف بضاربه، ربما يكون السيف بيد جبان، فإذا رأى العدو مُقبِلًا سقط السيف مِن يده، هل ينتفِع بالسيف؟ لا، بيد شجاع لو كان سيفُه مُثَلَّمًا لقرعَ به هامَ الأعداء، فالحقيقة أن السيف بضاربه، كم مِن إنسان يحمِل مِن الشريعة أشياء كثيرة لكن لا ينتفع بها ولا ينفَع، وكم من إنسانٍ دون ذلك بكثير لكن نفعَ الله به؛ لأنَّه مجاهد يُجاهِد أهلَ الباطل بما معه من الحق.