×

فصلت

الآيات ٣٤–٣٥

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ ﴿٣٤﴾

وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴿٣٥﴾

وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ فسرها المؤلف بأن المعنى: لا تستوي الحسنات بعضها مع بعض ولا السيئات بعضها مع بعض، وعلى هذا التفسير تكون (لَا) غير زائدة؛ تكون أصلية، ويكون المراد بالآية: انتفاء تساوي الحسنات وانتفاء تساوي السيئات، وهذا أمر لا إشكال فيه؛ أن الحسنات بعضها أحسن من بعض، وأفضل من بعض، وأوكد من بعض، وكذلك السيئات بعضها أسوأ من بعض وأشد، لكن هناك تفسيرًا آخر وهو: أن المعنى أن الحسنات والسيئات لا تتساوى بدليل قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى آخره [فصلت: ٣٤]، وبناءً على ذلك تكون (لَا) زائدةً للتوكيد، كما هي في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧]، فإن (لَا) هنا زائدة للتوكيد، ولهذا لو قلت في غير القرآن العزيز، لو قلت: غير المغضوب عليهم والضالين؛ لاستقام الكلام. فإذا قال قائل: هل هناك ترجيح؟ قلنا: المؤلف رَجَّح المعنى الأول، وهو أن الحسنات لا تتساوى، والسيئات لا تتساوى، وبعضهم رجَّح الثاني؛ لأنه قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ إلى آخره، ولو قيل بالمعنيين جميعًا لم يكن هناك بأس؛ وذلك لأن الآية إذا كانت تحتمل معنيين على السواء وهما لا يتنافيان فإنها تُحمل عليهما جميعًا، هذه القاعدة في أصول التفسير. (الحسنة) ما يحسن ذكره، و(السيئة) ما يسوء ذكره هذا التفسير العام للحسنة وللسيئة. قال: ﴿ادْفَعْ﴾ السيئة ﴿بِالَّتِي﴾ أي: بالخصلة التي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى آخره. الغريب أن كلام المؤلف في ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يقتضي أن معنى الجملة قبلها: لا تستوي الحسنة مع السيئة. ﴿ادْفَعْ﴾ السيئة ﴿بِالَّتِي﴾ أي: بالخصلة التي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ أفادنا -رحمه الله- أن (التي) صفة لموصوف محذوف؛ أي: بالخصلة التي هي أحسن من السيئة. فإذا قال قائل: السيئة ليس فيها حسن، فكيف يقول: أحسن من السيئة؟ قلنا: إن اسم التفضيل قد يأتي وليس في الطرف الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، مع أن أصحاب النار ليس في مستقرهم خير ولا في مقيلهم خير. ويكون معنى الآية أنه لما كان من المعتاد أن الإنسان لا يدفع السيئة بالتي هي أحسن أمره الله أن يدفع بالتي هي أحسن؛ وذلك لأن مدافعة السيئة تكون على ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن يدفع سيئةً بمثلها، وهذا جائز. والثانية: أن يدفع السيئة بحسنة، لكن هناك شيء أحسن منها، وهذا أيضًا جائز، وهو أعلى من الأول. الثالث: أن يدفع السيئة بالتي هي أحسن؛ يعني بأحسن ما يدفعها به، وهذا أفضل وأطيب، وهو الذي أمر الله به، فصارت مقابلة السيئة على ثلاثة وجوه: الأول: السيئة بمثلها ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى ٤٠]. الثاني: بحسنة لكن غيرها أحسن. الثالث: بالتي هي أحسن؛ يعني إذا أساء إليك إنسان فلا تقابله بإساءة، ولا تقابله بحسنة أيضًا، قابله بما هو أحسن. يقول المؤلف ممثلًا: (كالغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو) هذه أمثلة: (الغضب بالصبر) يعني إذا غضب عليك إنسان فاصبر وتحمل، (الجهل بالحلم) إذا جهل عليك إنسان بالإساءة فقابله بالحلم. فإذا قال إنسان: الجهل هل هو يقابل الحلم أو يقابل العلم؟ قلنا: أما الجهل الذي هو عدم العلم فيُقابَل بالعلم، وأما الجهل الذي هو ضد الحلم بمعنى أن يكون الإنسان ذا عدوان على الغير فهذا يُقابَل بالحلم، قال الشاعر العربي: أَلَا لَا يَجْــــهَلَنْ أَحَـــــدٌ عَلَيْــــنَا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا وكذلك الإساءة بالعفو، إذا أساء إليك إنسان فاعف عنه، وقد سبق مرارًا ونكرره تكرارًا أن العفو إنما يُندب إليه إذا كان فيه إصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] (فإذا): (إذا) فجائية والفاء عاطفة، أي: فإذا دفعت بالتي هي أحسن فاجأتك هذه الحالة، وهي: أن تنقلب عداوة الشخص الذي أساء إليك فيصير كأنه ولي حميم؛ يعني: صديقًا قريبًا، وتأمل كون الجواب بـ(إذا) الفجائية ليتبين لك أن انقلاب عداوته إلى ولاية حميمة لا يتأخر كثيرًا؛ لأن (إذا) الفجائية تدل على الفورية. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] لو كان المخبر بذلك غير الله عز وجل لكان الإنسان يتردد، وكيف ينقلب العدو صديقًا حميمًا بهذه السرعة؟ نقول: إن الذي أخبر بذلك من؟ هو الله عز وجل، ومن أصدق من الله قيلًا، ثم إن الذي أخبر بذلك هو الذي قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابعه يقلبها حيث يشاء، لا تستبعد هذا، الأمور بيد الله وكم من عدو انقلب صديقًا، وصديق انقلب عدوًا. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] أي: فيصير عدوك كالصديق القريب بمحبته إذا فعلت ذلك، فـ(الذي) مبتدأ، و(كأنه) الخبر، و(إذا) ظرف لمعنى التشبيه. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] أعربها المؤلف يقول: (الذي: مبتدأ)، ﴿بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ هذا صلة الموصول، (وكأنه الخبر) خبر المبتدأ (الذي)، (وإذا ظرف لمعنى التشبيه) (إذا) في قوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي﴾ ظرف لمعنى التشبيه الذي هو (كأنه)؛ لأن التشبيه مضمن معنى الفعل، فلذلك صح أن يتعلق به الظرف. هذا ما ذهب إليه المؤلف بالنسبة لـ(إذا)، والصحيح أن (إذا) فجائية لا تحتاج إلى متعلق. يقول رحمه الله: (﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أي: يؤتى الخصلة التي هي أحسن ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ﴾ ثواب ﴿عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]). ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ قال المؤلف رحمه الله: (أي يؤتى الخصلة)، وقيل: معناها لا يوفق لها، والمعنى متقارب؛ يعني: لا ينال أحد هذه الخصلة، وهي الدفاع بالتي هي أحسن إلا الذين صبروا، هذه الجملة فيها حصر طريقه النفي والإثبات: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥]. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥] أي: حبسوا أنفسهم وأجبروها على تحمل هذا الأمر، وذلك لأن هذا الأمر شديد، إذ أن النفوس تحب الانتقام ممن أساء إليها، ولكن يُقال: ادفع بالتي هي أحسن، لهذا قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت ٣٥] كل إنسان سوف يعاني معاناة شديدة إذا سلك هذه الطريق؛ وهي: الدفاع بالتي هي أحسن، لا بد أن يجد عناءً ومشقة، فأثنى الله تعالى على الصابرين على ذلك. الصبر لا يحتاج إلى أن نطيل الشرح فيه؛ لأنهم قالوا: إنه يكون ثلاثة أنواع: يكون صبرًا على طاعة الله، وصبرًا عن معصيته، وصبرًا على أقداره. ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥] قال: (ثواب) ﴿ذُو حَظٍّ﴾ أي ثواب، والصواب أن يُقال: الحظ هو النصيب، أي: ما يُلقاها إلا ذو نصيب عظيم، ليس من الثواب فحسب بل من الثواب والأخلاق والرزانة وغير ذلك؛ يعني: من له نصيب عظيم من الثواب والأخلاق والرزانة والتأني وغير ذلك، فلا ينبغي أن يقتصر في ذلك على الثواب، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥]. ولما ذكر الله تعالى دفع العدو من بني آدم ذكر دفع العدو من غير بني آدم، فقال: ﴿