تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ﴿٣٢﴾
نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣١ - ٣٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت ٣٠] متى يكون هذا التنزل؟
* طالب: في كل حال، ومنها عند الموت.
* الشيخ: نعم في كُل حال يحتاجون إلى التأييد والتثبيت، ولا سيما عند الموت، يشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال ١٢].
عَبَّر بقوله: (تتنزل) دون (تنزل) لماذا؟
* طالب: لسببين: الأول التدرج في التنزل، الثاني: في التكرار والاستمرار.
* الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت ٣٠] ما هي البشارة؟
* طالب: البشارة هي تبليغ الناس بالمرغوب به.
* الشيخ: الإخبار بما؟
* الطالب: يَسُرُّ.
* الشيخ: وهل تأتي لغير ذلك؟
* الطالب: نعم، تأتي بما يسوء، تأتي أحيانًا بما يسوء.
* الشيخ: مثاله؟
* طالب: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء ١٣٨].
* الشيخ: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أحسنت.
هذه البشارة هي على معناها الحقيقي أو يُراد بها شيء آخر؟
* الطالب: يُراد بها التنكيل عليهم (...).
* الشيخ: التهكم، يُراد بها التهكم، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٨، ٤٩] هذا يُقال له تهكمًا فيه، نعم: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت ٣١] كيف كانوا أولياءهم في الحياة الدنيا؟
* طالب: أولياؤهم في الحياة الدنيا يعينهم على فعل الخيرات ويحذرونهم فعل المنكرات.
* الشيخ: إي نعم، هل لهذا ما يشهد له في الحديث؟
* الطالب: قول النبي ﷺ: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةٌ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٨٨)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٨٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
* الشيخ: أحسنت.
أظن وقفنا على قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١]؟
قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١] أي: ما تطلبون فكل ما تشتهيه النفس ولو بلا طلب يحصل، وكل ما يطلبون فإنه حاصل مهما كان يقول الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥].
قال: (﴿نُزُلًا﴾ [فصلت ٣٢] رزقًا مهيئًا منصوب بجُعِل مقدرًا) يعني على تقدير المؤلف أن (نزلًا) مفعول ثانٍ لـ(جُعل) المحذوف، جُعل نزلًا، ومفعولها الأول هو نائب الفاعل؛ لأن نائب الفاعل ينوب عن المفعول به ينوب مفعول به عن فاعل.
يقول: ﴿نُزُلًا﴾ أي: جُعل نزلًا ﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ وهو الله عز وجل، وذكر المغفرة والرحمة؛ لأنهم بمغفرة الله ورحمته وصلوا إلى هذا، فبمغفرته للذنوب نُقُّوا منها، وبرحمة الله تعالى صاروا أهلًا لدخول الجنة.
* مِن فوائد الآيات: أولًا: أن مجرد العقيدة لا يُغني شيئًا حتى يكون معه عمل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت ٣٠] وما يقوله كثير من الناس: نحن على العقيدة. هذا حق لا شك ويُمدحون عليه، لكن لا بد أن يُقال: نحن على العقيدة والعمل الصالح؛ إذ لا بد من العمل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الاستقامة، الاستقامة على أي شيء؟ على دين الله عز وجل أن يثبت عليه ويستقيم عليه ولا يتغير.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى سخر الملائكة لبني آدم في مواطن كثيرة، كما في هذه الآية وكما في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد ٢٣، ٢٤]، وكما سخرهم الله تعالى يجلسون على أبواب المساجد يوم الجمعة يكتبون الأول فالأول، إلى غير ذلك من المواطن التي جاءت في الكتاب والسنة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة التي تتنزل على هؤلاء المؤمنين المستقيمين تبشرهم بأمرين بل بثلاثة أمور:
أولًا: أنه لا خوف عليهم، والثاني: أنهم لا يحزنون، والثالث: أن الجنة مأواهم، وقد سبق الفرق بين الخوف والحزن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحقيق البشرى بما يؤيدها؛ يعني: لا يكفي أن تقول لفلان: أبشر بالخير. حتى تبين ما يؤيد هذه البشرى، يُؤخذ من هذه الآية وهي قوله: ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، وذلك لعلمهم بأن وعد الله لا يُخلف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة أولياء لمن آمن واستقام في الحياة الدنيا وفي الآخرة، أما الحياة الدنيا فهي حفظهم من المعاصي والزلل وتهيئتهم للعمل الصالح ومعونتهم على ذلك وتثبيتهم عليه، وأما في الآخرة فلا تسأل، فإن الملائكة تتولاهم ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنبياء ١٠٣]، وكذلك أيضًا ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد ٢٣]، في الجنة إلى غير ذلك مما ذكر الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للذين آمنوا بالله واستقاموا في الجنة ما تشتهيه الأنفس، وفي آية أخرى: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف ٧١] فيكون لأهل الجنة فيها متعتان: المتعة الأولى بالذوق والطعم، والثانية: بالرؤية والنظر.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: أن في الجنة كل شيء يُطلب؛ لقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت ٣١] فكل ما يطلبون فإنه موجود في الجنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها.
* ومِن فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم يُؤْتَوْن هذا الرزق في الجنة على أنه إكرام وكرامة؛ لقوله: ﴿نُزُلًا﴾ وأصل النزل ما يُقدَّم للضيف من الكرامة.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أنهم إنما وصلوا إلى ذلك بمغفرة الله ورحمته لقوله: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت ٣٢]، ولولا ذلك ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه، ولهذا أخبر النبي ﷺ أنه: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧١) من حديث أبي هريرة.]]، فالإنسان لا يصل إلى الجنة بالعمل، ووجه ذلك أنه لو قُوبل العمل بالنعمة التي أنعم الله بها على الإنسان لم يكن شيئًا؛ إذ إن نِعَم الله لا تُحصى ولا تُعد، بل قال بعض أهل العلم: إن شكر نعمة الله على النعمة نعمةٌ يحتاج إلى شكر ثانٍ، والشكر الثاني نعمة يحتاج إلى شكر ثالث، وهلم جرًّا، وعليه يقول الشاعر:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور، الرحيم.
وهنا نعطيكم قاعدة مفيدة في الأسماء الحسنى: الأسماء الحسنى تدل على الذات والصفة دلالة مطابقةٍ وتَضَمُّنٍ ودلالة التزام، فـ(غفور) يدل على أن هناك غافرًا وهو الله، ويدل على صفة المغفرة له؛ إذ لا يمكن أن يوجد اسم مشتق لا يوجد في موصوفه أصل الاشتقاق، ولهذا لا تقول للأعمى إنه بصير ولا للأصم إنه سميع، فلا بد إذن من إثبات الذات المتصفة بما دل عليه الاسم، ولا بد من إثبات الصفة التي اشتق منها الاسم.
لا بد أيضًا من إثبات لازم تلك الصفة لا بد من هذا، مثال ذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢]، فأخبر أنه خلق وبَيَّن أنه أخبرنا بذلك؛ لنعلم أنه على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، فكيف دلت صفة الخلق على العلم والقدرة؟ لأنه لا يمكن خلق إلا بعلم، يعلم كيف يخلق، ولا يمكن خلق إلا بقدرة، ولهذا من لا علم له لا يمكن أن يخلق، ومن عنده علم ولكنه عاجز لا يمكن أن يخلق، أرأيت لو أن شخصًا أراد أن يصلح مُسجلًا هل يمكن أن يصلحه إلا بعلم كيف يصلحه؟ لا يمكن، وهل يمكن أن يصلحه وهو عاجز أشل؟ لا يمكن.
إذن: الخالق من أسماء الله تتضمن الدلالة على الذات وهو الله، وعلى صفة الخلق، وعلى صفة العلم، وعلى صفة القدرة.
تدل على صفة الخالق الذي هو ذات الله عز وجل، وعلى صفة الخلق بالتضمن والمطابقة، كيف بالتضمن والمطابقة؟
إذا أُخِذ اللفظ بكامل معناه سُميت الدلالة مطابقة، وإذا أخذ ببعض معناه صارت الدلالة تضمنًا، وإذا أُخذ بما يلزم على ذلك صارت الدلالة التزامًا.
فدلالة الخالق على الذات وصفة الخلق؟ المطابقة، ودلالتها على الذات وحدها؟ تَضَمُّنٌ، وعلى الخلق وحده؟ تَضَمُّن، وعلى العلم والقدرة؟ التزام.
نضرب مثلًا في المحسوسات تقول مثلًا: لي دار، الدار كما نعلم تتضمن حجرًا وغرفًا وساحات وأبوابًا وشبابيك وما إلى ذلك، دلالة هذه الكلمة (دار) على مجموع هذا؟ دلالة مطابقة يا إخواني مطابقة، ودلالتها على كل غرفة وحجرة وشباك؟ تضمُّن، ودلالتها على أن لهذا البيت بانيًا؟ التزام.
أسماء الله تعالى تجرى على هذا، كذلك أيضًا يقولون: إذا كان الاسم متعديًا فلا بد من الإيمان به اسمًا من أسماء الله، والإيمان بما دل عليه من صفة، والإيمان بما يترتب على تلك الصفة من أفعال.
فـ(الغفور) لا يتم الإيمان به حتى تؤمن بأن الله تعالى تسمى بهذا الاسم (غفور)، فتؤمن بأن الغفور اسم من أسماء الله، لا بد أن تؤمن بما تضمنه من صفة المغفرة، لا بد أن تؤمن بأن الله يغفر، بمقتضى هذا الاسم ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٨٤]، فانتبهوا لهاتين القاعدتين: الدلالة دلالة الاسم على المعنى تتضمن ثلاث دلالات: مطابقة، تضمُّن، التزام.
ثم الاسم من أسماء الله إذا كان متعديًا فلا يتم الإيمان به إلا بثلاثة أمور: أن تؤمن بأنه اسم من أسماء الله، أن تؤمن بما دل عليه من صفة، أن تؤمن بما يترتب عليه من أثر، فإذا كان الاسم غير متعدٍّ فلا بد من الإيمان بأنه اسم من أسماء الله، وبما تضمنه من صفة، وليس له أثر؛ لأنه غير متعدٍّ، فـ(الحي) -مثلًا- الحي اسم من أسماء الله لا يتم الإيمان به حتى تؤمن بأنه اسم من أسماء الله، وبأن الله متصف بما دل عليه من صفة، وهي: الحياة، هل له أثر؟ لا، الحياة صفة لازمة ما تتعدى، لكن السميع؟ متعدٍّ، السميع ذو سمع يسمع به، البصير ذو بصر يبصر به.