×

فصلت

الآيات ١١–١٢

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴿١١﴾

فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴿١٢﴾

ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت ١١]، وفي آية أخرى قال: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ [النازعات ٢٨]، هل معنى الآيتين واحد؟ * الشيخ: ﴿رَفَعَ﴾؟ * طالب: ﴿سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات ٢٨] * الشيخ: يعني: جعلها رفيعة هو جعلها رفيعة. * طالب: أن السَّمْك والدخان واحد. * الشيخ: لا ما هو، بعد أن خلقها جعلها سميكة (...). * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت ١٢ - ١٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ﴿قَضَاهُنَّ﴾ يعنى أتمهن، وسنتكلم إن شاء الله عن الآيات بعد الانتهاء منها ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ الخميس والجمعة، فرغ منها في آخر ساعة منه وفيها خلق آدم؛ ولذلك لم يقل هنا: سواء، ووافق ما هنا آيات خلق السماوات والأرض في ستة أيام ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ الذي أمر به مَنْ فيها من الطاعة والعبادة). ﴿أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ صرف المؤلف رحمه الله الأمر هنا إلى الأمر الشرعي لا الأمر الكوني ولذلك قال: (أمرها الذي أمر به مَنْ فيها من الطاعة والعبادة). (﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت ١٢] الذي أمر به من فيها من الطاعة والعبادة) من هنا نبدأ ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ صرف المؤلف -رحمه الله- الأمر هنا إلى الأمر الشرعي لا الأمر الكوني؛ ولذلك قال: (﴿أَمْرَهَا﴾ الذي أمر به من فيها من الطاعة والعبادة)، ويحتمل أن يكون المراد بالأمر هنا الشأن؛ أوحى في كل سماء شأنها، فيشمل أحوال السماء، وأحوال من فيها، وهذا أعم مما ذكره المؤلف رحمه الله. وإننا نقرر قاعدةً في التفسير: إذا ورد تفسيران في الآية، أحدهما أعم أخذنا بالأعم؛ لأن الأعم يدخل فيه الأخص ولا عكس، فإذا قلنا: شأنها صار أعم من أن نقول: إنه أمرها الشرعي؛ لأن هذا أخص، فالحمل على الأعم أولى، يقول جل وعلا: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [فصلت ١٢]، وهي النجوم (زيَّنَّاها)؛ أي جعلناها زينة تسر من نظر إليها ويبتهج بها. (﴿وَحِفْظًا﴾ منصوب بفعل مقدر؛ أي: حفظناها حفظًا من استراق الشياطين السمع بالشهب) إلى آخره. قوله: ﴿حِفْظًا﴾ مصدر عامله محذوف، التقدير: حفظناها حفظًا، ومن أي شيء؟ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر ١٦، ١٧]، فيكون المراد بالحفظ حفظها من الشياطين؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا. وما شأن الشياطين بالنسبة للسماء؟ شأن الشياطين بالنسبة للسماء أنها تصعد، يركب بعضها بعضًا إلى أن تصل إلى السماء، فتستمع إلى أخبار السماء، وما تتحدث به الملائكة، ثم تنزل به إلى الأرض، وتُلقيه إلى الكهان الذين لكل واحد منهم رَئِي من الجن، والكاهن يأخذ هذا الخبر، ويضيف إليه أخبارًا أخرى، ثم يُحدِّث الناس بذلك، ومن المعلوم أن ما سُمِع في السماء لا بد أن يكون فتكون هذه الكلمة الواحدة صِدْقًا، تكون مثارًا لإعجاب الناس بالكهان والرجوع إليهم؛ ولهذا كانوا في الجاهلية يتحاكمون إلى الكهان، هذه هي قضية استراق السمع. ثم إن الله تعالى حفظ السماء وقت بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصارت الشياطين إذا حاولت الاستماع أرسل الله تعالى عليها شهابًا يحرقها وتهلك، وهل بقي هذا الحفظ بعد موت الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لا؟ يقال: الله أعلم، لا ندري، لكنها حُفظت في عهد النبوة من استراق السمع، أما الآن فالله أعلم، قد يكون ذلك وقد لا يكون؛ لأنه ليس هناك نبي حتى يختلط المسموع المـسترق بالوحي الصحيح. يقول عز وجل: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت ١٢] ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق مما تحدث الله عنه من خلق السماوات والأرض. ﴿تَقْدِيرُ﴾ أي مُقدَّر. ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أو: تقدير مصدر على بابه، ويكون المشار إليه فعل الله لهذا الشيء، فعندنا الآن كلمة ﴿تَقْدِيرُ﴾ مصدر يجوز أن تكون بمعنى اسم المفعول، ويكون المعنى: ذلك مُقدَّر العزيز، ويجوز أن تكون مصدرًا وهو فعل الله عز وجل، ويكون هذا أيضًا معنًى صحيحًا، وكلاهما متلازمان؛ لأنه إذا كان هذا الشيء مُقدَّر الله فهو من تقديره؛ يعني ناتج عن تقديره. وقوله: ﴿الْعَزِيزِ﴾ قال: (في ملكه ﴿الْعَلِيم﴾ بخلقه) فيها شيء من القصور (﴿الْعَزِيزِ﴾ في ملكه)، والصواب: ﴿الْعَزِيزِ﴾ يعني بذلك ذا العزة، والعزة قسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام وهي: * طالب: القدْر، والقهر، والامتناع. * الشيخ: عزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، معناها عزة القدر؟ * طالب: (...) أي عزة (...). * الشيخ: خطأ. * الطالب: أنه ذو قدر عظيم وشرف عظيم. * الشيخ: نعم، أي أنه ذو قدر عظيم وشرف عظيم لا يشاركه فيه أحد، عزة القهر؟ * طالب: القاهر الذي يَغلب ولا يُغلب. * الشيخ: نعم، القاهر الذي يَغلب ولا يُغلب، عِزَّة الامتناع؟ * الطالب: لا يناله سوء، يمتنع أن يناله سوء. * الشيخ: نعم، يمتنع أن يناله سوء أو نقص. أما قوله: ﴿الْعَلِيم﴾ فهي صفة مُشبَّهة، ويجوز أن تكون من باب المبالغة؛ لأن (فعيل) يصح أن تكون صفة مشبهة، ويصح أن تكون صيغة مبالغة، ومعناه: ذو العلم، وعلم الله تعالى واسع، عالم بما كان وما يكون لو كان كيف يكون، وقد سبق لنا الكلام عليه مرارًا لا حاجة إلى إعادته. * من فوائد الآيات الكريمة: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت ٨]. * مِن فوائد هذه الآية: تحقيق أن القرآن مثاني تُثَنَّى فيه المعاني المتقابلة؛ إذا ذُكِر ثواب المجرمين ذُكر ثواب المتقين، وإذا ذُكرت الجنة ذُكرت النار، وهلم جرًّا، من أجل أن يكون الإنسان سائرًا إلى ربه بين الخوف والرجاء، وهكذا ينبغي للإنسان في سيره إلى ربه أن يكون خائفًا راجيًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء ٩٠]، فما سبب الخوف؟ سبب الخوف ذنوب الإنسان إذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره خاف، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون ٦٠]، أي: يخافون ألا يقبل منهم، والرجاء: إذا نظر إلى عفو الله وفضله، وأنه جل وعلا حليم، رجا وقوي رجاؤه، فيكون دائرًا بين الخوف والرجاء. وقال بعض أهل العلم: في الطاعة يُغلِّب جانب الرجاء، وفي المعصية يُغلِّب جانب الخوف. وهذا له نظر قوي؛ لأن الإنسان إذا فعل الطاعة فينبغي أن يُحسِن الظن بالله، وأن الله سيقبل منه، فيقوى رجاؤه، أما إذا هم بالمعصية فينبغي أن يُغلِّب جانب الخوف؛ حتى لا يقع في المعصية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإيمان وحده لا يكفي حتى يقترن بعمل، لكن إذا أطلق الإيمان شمل العمل، وإن ذُكر معه العمل صار العمل علانية والإيمان سرًّا، مثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هنا جُمِع بين الإيمان والعمل فيكون الإيمان في القلب والعمل في الجوارح. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دوام نعيم المؤمنين العاملين الصالحات؛ لقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت ٨] أي لا يُقطع كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أجر الآخرة خيرٌ من أجر الدنيا وثوابها، وجه ذلك: أن أجر الآخرة غير مقطوع بل هو مستمر دائمًا وغير ممنون به أيضًا بل يُعطى الإنسان بدون مِنَّة، وأما ثواب الدنيا فإنه بالعكس. ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ [فصلت ٩] إلى آخره. في هذا دليل على وجوب إعلان المؤمن ما عليه الكفار من الكفر بالله؛ لقوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا تجوز مداهنة الكفار، وإن كانت المداراة تجوز لكن المداهنة لا تجوز، والفرق بينهما: أن المداهنة سكوت الإنسان عن معصية العاصي كأنه يقول: لك معصيتك ولي طاعتي، فأنت اعمل وأنا أعمل، هذه مداهنة، مُصانَعة لا تجوز، قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] لكن لا يجوز للمؤمن أن يداهن، أما المداراة فمعناه أن ينقل الإنسانُ مما هو عليه من المعصية شيئًا فشيئًا وهو غير راضٍ بها بل هو كاره، ولا يرى أنه يجوز إقرارها، بخلاف المداهِن؛ المداهنة في الحقيقة أشبه ما لها في وقتنا الحاضر، ما يسمونه بالمجامَلة أو بالعلمنة، العلمنة الآن العلمانيون يقول: خلِّ كل إنسان وشأنه، الدولة دولة والدين دين، الدولة لا بد أن تتحد والدين لِكُلٍّ دينه، لا تنكر على الكافر ولا على الفاسق خلوا كل إنسان يعمل ما شاء، فالمهم أن هذه الآية الصريحة في أنه يجب أن نُنكر على الكافرين كفرهم وألا نداهنهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي تأكيد ما يمكن أن يُنفى أو يُشك فيه، وجهه: أنه أكد ذلك بقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾، وإلا فيكفي أن يقول: قل لقد كفرتم أو قل كفرتم، لكن لما كان هذا أمرًا يشك فيه، ويقال: هؤلاء لم يكفروا بالله بل آمنوا به؛ لأنهم يؤمنون بأن الله موجود، وبأن الله خالق السماوات والأرض، لكن إذا لم يتبعوا شرعه فهم كافرون به ولو أقروا بوجوده. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، وبيان حكمته في خلق السماوات والأرض، حيث خلق هذه الأجرام العظيمة الكبيرة الواسعة في خلال ستة أيام، أما الحكمة فوجهه أن الله جل وعلا كان قادرًا على أن يخلقها بلحظة واحدة: كن فيكون، لكنه جل وعلا ربط الأسباب والمسببات، وجعلها تتفاعل شيئًا فشيئًا حتى تنتهي، هذا من وجه، ومن وجه آخر أنه أخَّر ذلك ليُعَلِّم عباده التأني في الأمور. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن خلق الأرض قبل خلق السماء؛ لأنه لما ذكر خلق الأرض في أربعة أيام قال: ثم استوى إلى السماء، وهذا كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٩]، ولكن هذا يعارضه ظاهر قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات ٢٧ - ٣٠]، فهنا ذكر أن الأرض دُحيت بعد خلق السماء فهل المراد بالدحو شيء سوى الخلق؟ أو أن البعدية هنا بعدية ذكر، يعني كما يقولون: هذا ترتيب ذكري وليس ترتيبًا زمنيًا؟ في هذا وجهان: الوجه الأول: أن الدحو ليس الخلق بل هو شيء آخر فسره الله بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات ٣١] هذا الدحو، وإخراج الماء والمرعى شيء زائد على الخلق والتكوين. وأما الوجه الثاني: فإن البعدية هنا بعدية ذكر وهو ما يعرف عند علماء النحو بالترتيب الذكري، ومنه قول الشاعر: إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ∗∗∗ ثُمَّ سَادَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ جَدُّهُ فتجد الآن الترتيب على خلاف الترتيب الزمني لكن هذا يسمى ترتيبًا ذكريًّا، يحتمل وجهين، ولكن الوجه الأول أولى أن يقال: إن الدحو ليس الخلق، الخلق والتكوين شيء والدحو شيء آخر، والدليل أن الله تعالى قال في الدحو مفسرًا إياه قال: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ أفهمتم الآن؟ إذن لا معارضة بين الآيتين؛ لتنزل كل واحدة منهما على وجه لا يعارض الوجه الآخر، واعلم أنه ينبغي للإنسان إذا رأى آيتين ظاهرهما التعارض ألا يسرع في الحكم بالتعارض؛ لأنه لا يمكن أن تتعارض آيتان من كل وجه كما ذكرنا ذلك في أصول التفسير، ولكن ليتأنى وليتأمل وليفكر، فإن أدرك ألا تعارض فهذا المطلوب وإلا وجب أن يسأل أهل العلم، فإن لم يتبين له الأمر وجب عليه التوقف، وصارت هذه من الآيات المتشابهات التي يجب أن يقول فيها: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران ٧]، وقد ذكرنا لكم فيما مضى أن من العلماء من ألَّف في الآيات التي ظاهرها التعارض وجمع بينها، وذكرت لكم أن من أحسن ما رأيت ما ألفه الشيخ الشنقيطي رحمه الله (دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب). * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن نوع الكفر الذي حصل من هؤلاء المخاطبين: الشرك؛ لقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [فصلت ٩] وجعل الأنداد له أنواع كثيرة: إما أن يجعل له أندادًا في الذات فيقول: إن الله له مثيل كما فعلت النصارى، حيث قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وكما فعل الممثِّلة الذين مثَّلوا صفات الله بصفات خلقه، فإن هذا من الشرك، وقد يكون نِدًّا في العبادة، يعبده وإن كان لا يرى أنه مثل الله لكن يعبده ويدعي أنه إنما عبده ليقربه إلى الله عز وجل وقد يكون هناك أنداد في المحبة يحب الشيء كما يحب الله، والعجب أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فيحب الشخص، ويتعلق به كثيرًا ويقول: أنا أحبه لله، والحقيقة أنه يحبه مع الله وليس لله، الذي يحب الشخص لله تكون المحبة الأصلية لمن؟ * طالب: لله. * الشيخ: محبة الله، وهذا أحبه؛ لأنه يحب الله، لكن الذي يجعل قلبه منصرفًا إلى هذا المحبوب لا يفكر إلا به، ولا ينام إلا على ذكره، ولا يستيقظ إلا بذكره، هذا لم يحبه لله، بل أحبه مع الله، وهذا شرك كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٦٥]، كذلك من الند أن يتعلق قلب الإنسان بالمخلوق خوفًا ورجاءً لا محبة؛ خوفًا ورجاءً، بحيث يعتمد عليه في تحصيل معاشه أو في دفع الضرر عنه، وهذا يقع كثيرًا ولا سيما بعد فتح المستشفيات، فإن أكثر الناس يتعلق قلبه بالمستشفى، تجده إذا مرض قال: أروح آخذ حبة أو حبتين، ما يقول: يا رب عافني، أو يلجأ إلى الله، على طول، روح حبة ولا حبتين ولا ثلاثة مع أنه ربما يكون هذا الطبيب الذي اعتمد عليه ورجاه كافرًا ملحدًا، هذا أيضًا من اتخاذ الند لله؛ ولهذا كان ضرر المستشفيات الآن مع ما فيها من نفع وخير كثير، والحمد لله لكن كان فيها ضرر عظيم؛ لأن الناس الآن صاروا يعلقون آمالهم ويجلون آلامهم بالمستشفيات، أبدًا لو يجي الإنسان لو تقطُّه الشوكة، يلَّا المستشفى، طلعها بظفرك، ولا طلعها بالمنقاش، قال: المستشفى، لا إله إلا الله، المرأة إذا جاها الطَّلق وصارت تطلق طلقًا عاديًّا أيش يعمل؟ المستشفى، والمستشفى ماذا يقول؟ والله هذه مسألة خطيرة لا بد من قيصرية، القيصرية هذه نشق البطن، ثم يبقى عندها عشرة شقوق في بطنها إذا ولدت عشرة أولاد، يبقى هذا البطن ما يتحمل أي حمل لو حمل انفجر، كل هذا نوع من الشرك، لا تلجأ إلى المستشفى إلا للضرورة القصوى، اجعل رجاءك دائمًا معلقًا بالله، وقل: إن الذي خلقني وأوجدني أول مرة قادر على أن يزيل ما نزل بي من مرض أليس كذلك؟ وهو أقدر من كل أحد، يزيله عز وجل بدون أي عملية، وبدون حبوب، وبدون مياه، وبدون إبر. المهم أن اتخاذ الأنداد ليس خاصًّا بشيء معين؛ يكون في أشياء كثيرة، فإياك أن يكون لك ند حتى إن الرسول ﷺ قال: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ»[[أخرجه البخاري (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة.]]. من عابد هذه؟ هل الإنسان يضع الدينار فوقه ويسجد له ويركع؟ لا، ولا كذلك الدرهم، ولا الخميصة، ولا الخميلة، لكن لما كان قلبه معلقًا بهذا الشيء إن أُعطي رضيَ وإن لم يُعطَ سخط صار عبدًا لها، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان امتناع الند لله عز وجل؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت ٩] وجه الامتناع: أنه رب العالمين، وأي ند يكون رب العالمين؟ ماذا تقول؟ أجب؟ ما هو؟ أين ذهبت؟ * طالب: لا، لا، أسمع.. * الشيخ: تسمع ولكنك لا تعي؛ لأن القلب غير حاضر، أليس كذلك؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم ولَّا بلى؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الظاهر أن المقر بالذنب يُعفى عنه. أقول في هذا في قوله: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ دليل على أنه لا يمكن أن يكون أحد ندًّا لله، لماذا؟ يعني من يمكن أن يقال: إنه رب العالمين؟ لا يمكن، فهو رب وما سواه مربوب، إذن ما سواه لا يصح أن يكون ندًّا له. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ربوبية الله عز وجل لكل العالم؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. * ومن فوائدها: وجوب الخضوع له شرعًا كما أننا نخضع له قدَرًا؛ لأن هذا مقتضى الربوبية؛ أن تخضع لهذا الرب شرعًا كما أنك خاضع له قدرًا، كل خاضع لله قَدَرًا ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد ١٥] هذا السجود أيش؟ القدَري، فيجب أن تخضع له شرعًا، وأن تتذلل له تكون أمامه ذليلًا كما كنت أمامه ذليلًا في قدره. * ومن فوائد الآية الكريمة: مِنَّة الله سبحانه وتعالى على عباده، حيث جعل في الأرض رواسي؛ أي: ثوابت، ما الحكمة؟ الحكمة ذَكَرَها الله في قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل ١٥]، لولا هذه الرواسي لمادت بنا الأرض. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأرض تدور؛ لقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾؛ لأن نفي الميدان دليل على وجود أصل الحركة؛ إذ لم يقل: أن تتحرك بكم، ونفي الأخص يقتضي وجود الأعم كما قلنا في قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام ١٠٣] إنه دليل على أن الله يُرَى لكن لا يدرك؛ إذ لو كان لا يُرَى لوجب أن يقول: لا تراه الأبصار، فلما نفى الأخص صار دليلًا على وجود الأعم. هكذا قررها بعضهم وقال: إن في الآية دليلًا على أن الأرض تدور؛ لأن الله ألقى هذه الرواسي لتكون دورتها متزنة لا تتخلخل فتضطرب بالناس، ولكن هذا وإن كان قويًّا من حيث النظر لكنه ليس متعينًا؛ إذ يجوز أن يكون المعنى أن تميد بكم تضطرب ولو كانت واقفة، فالسفينة مثلًا على الماء تضطرب ولو كانت واقفة، فيكون المعنى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل ١٥] يعني أن تضطرب بكم، وسواء كانت تدور أو لا تدور؛ ولهذا ليس في الآية دلالة قطعية على أن الأرض تدور. فإن قال قائل: إذا قلت: إنه يحتمل أنها تكون دالةً على أن الأرض تدور فما جوابك عن آيات كثيرة تدل على أن الشمس تجري، تطلع، تغرب، تزاور، توارى، تذهب؟ كل هذه الأفعال أسندت إلى الشمس، والأصل أن الفعل إذا أُسنِد إلى شيء أن يكون قائمًا به، فيكون ظاهر القرآن أن الشمس هي التي تدور على الأرض ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾ [الكهف ١٧] إذن معناه هي التي كانت مختفية، ثم طلعت علينا، وهؤلاء الذين يقولون: الأرض تدور، يكون المعنى ﴿إِذَا طَلَعَتْ﴾ أي إذا طلعنا عليها؛ لأنا نحن الذين نأتي إليها أما هي ثابتة قارة أعني الشمس. قلنا: يجوز أن تكون الأرض تدور، والشمس أيضًا تدور جائز، وإذا كان الدوران بالعكس فظاهر أنه يتعاقب الليل والنهار؛ يعني مثلًا لو كانت الأرض تدور نحو الشرق، والشمس تدور نحو الغرب، هذا ممكن بكل سهولة، فإن كانتا تدوران إلى اتجاه واحد فإن إحداهما إذا كانت أسرع من الأخرى تحقق اختلاف الليل والنهار، ومن قال: إنه لا يمكن أن نقول: إن الشمس تجري إلا إذا قلنا: إن الأرض ثابتة لا تدور فأما إثبات دوران الأرض مع دوران الشمس فهذا لا يمكن. فإن قوله غير صحيح. الإمكان ممكن ولو قلنا بدورانهما جميعًا، لكن الشيء الذي نعتقده الآن أن الليل والنهار يحصل بتعاقب الشمس على الكرة الأرضية، لا بتعاقب الكرة على الشمس، هذا الذي نعتقده إلى الآن؛ لأن هذا هو ظاهر القرآن، والقرآن صدر من الخالق عز وجل وهو أعلم بما خلق. ولا يمكن أن نحيد عن هذا قيد أنملة ما دام لم يظهر لنا أمر حسي لا يمكن التكذيب به، وعند بعضهم -أي بعض الذين يقولون بدوران الأرض- يقولون: عندنا أمر قطعي بدليل الصواريخ العابرة للقارات فإنها تقدر بتقدير معين بحيث يتماشى مع دوران الأرض فيصيب الهدف، وإلا لما أمكن. على كل حال هذه أنا أردت يعني أن أتكلم فيها بعض الشيء؛ لأنها في يوم من الأيام كانت مثارًا للجدل بين الناس؛ بين طلبة العلم وبين عامة الناس وبين الذين لم يتمكنوا من العلم كثيرًا، فنحن نقول: أولًا: البحث العميق في هذا والجدل في هذا أمر لا ينبغي ولا فائدة منه. ثانيًا: عندما نريد أن نحقق المسألة تحقيقًا علميًّا نظريًّا ننظر إلى الآيات، فإذا كان ظاهر قوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل ١٥] يقتضي أنها تدور قلنا بذلك ولا حرج، ولا مانع أن نقول: هي تدور وكذلك الشمس لا مانع، فنكون أخذنا بظاهر القرآن في الشمس، وبظاهر ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في الأرض، وإذا كان قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ لا يتعين أن يكون بحركتها وإنما قد تضطرب وهي ساكنة قارة فلا يبقى في الآية دليل على أن الأرض تدور. * طالب: (...) أقرهم أنه لا يمكن يقرهم على قولهم (...) الشمس (...). * الشيخ: نعم، نحن نقول: لا نقرهم على أن اختلاف الليل والنهار يكون باختلاف دورة الأرض بل نقول: هو باختلاف طلوع الشمس على الأرض. * الطالب: ولا يمنع أن يكون الشارع (...) الأرض؟ * الشيخ: ولا يمنع، لكن لو فُرِض أنه جاءنا دليل حسي ملموس على أن اختلاف الليل والنهار بسبب دورة الأرض لقُلنا به، ويكون إضافة الأفعال هذه إلى الشمس على حسب رؤية الإنسان لها. * الطالب: هم يقولون بثبوت الشمس.. * الشيخ: لا، أنا أقول: لا، هم يقولون: الشمس تدور في الجو أو تدور حول نفسها؟ * طالب: دوران الشمس (...) دورة سنوية (...). * الشيخ: إي، المهم على كل حال ما يهمنا، الكلام على أن من جهة القرآن، الآن إذا قرأنا: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف١٧]، هذه فيها أربعة أفعال أُضِيفت كلها إلى الشمس، الأصل أن الأفعال المضافة إلى الشيء أنها قائمة به، فالشمس هي اللي تطلع هم يقولون: لا، الشمس ما تطلع علينا؛ نحن الذين نطلع عليها بسبب دوران الأرض؛ يعني الآن مثلًا اللمبة اللي فوقي يدي مثلًا كظاهر اليد مقابل لها الشمس طالعة، ثم تقول: هكذا تغيب الشمس؛ يعني نحن غبنا عن الشمس ونحن طلعنا عليها، نقول: إذا ثبت هذا ثبوتًا قطعيًّا لا شك فيه فالقرآن لا يخالف الحس أبدًا، وتُفسَّر الأفعال المضافة إلى الشمس بحسب رؤية الرائي. * طالب: كيف تكون طاعة الكافر طاعة قدرية؟ * الشيخ: أليس الله يأمره أن يكون مريضًا فيمرض؟ ويكون صحيحًا فيصح؟ ويموت فيموت؟ * الطالب: بلى. * طالب آخر: شيخ، أحسن الله إليك، يقول تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١] هل هذا يدل على أن الجمادات تريد وتنطق؟ * الشيخ: هذه ما هو وصلناها، بارك الله فيك. * طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ألا يشهد لقولهم: أنا نحن الذين نطلع على الشمس، قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف ٨٥، ٨٦] أسند الفعل للشمس، وفسر أهل العلم بأنها في عين الرائي.. * الشيخ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ﴾. * الطالب: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ﴾ ﴿تَغْرُبُ﴾ الفعل أسند إلى الشمس، هذا وقال أهل العلم: إنه في عين الرائي ولا تغرب، إنما تغرب (...). * الشيخ: تختفي عنه. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إيه، طيب. * الطالب: هل هي تغرب في عين حمئة؟ * الشيخ: كيف؟ تختفي عنه في البحر لكن ما هي في وسط البحر طبعًا؛ ولهذا قال: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ﴾. * طالب: علمنا يا شيخ أن الأرض خلقت قبل الشمس فما الحكمة؟ * الشيخ: الأرض قبل الشمس؟ * الطالب: الأرض خلقت قبل الشمس. * الشيخ: ما علمنا هذا، قبل السماء. * الطالب: الحكمة في أن الله عز وجل ذكر السماء والأرض (...) السماء؟ * الشيخ: هذه ما وصلناها، الحكمة بأن الله تعالى يذكر الأعلى قبل الأسفل، أما التحدث عن خلْق السماء فبيَّن الله تعالى أن الأسفل يُخلق قبل الأعلى كالبناء الآن، عندما تريد أن تبني شيئًا، هل تبني السقف قبل أن تبني العمود؟ فعند الذكر والتحدث يبين الأشرف والأعلى يقدم، وعند التكوين والبناء يبدأ بالأسفل؛ لأنه هو الأصل. (...) * * * * الطالب: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت ١٤ - ١٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. كنا نتكلم على فوائد الآيات السابقة من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت ٩] وأخذنا عدة فوائد منها كم؟ * طالب: (...). * الشيخ: ثلاثة؟ * طالب: (...). * الشيخ: إلى؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما وصلناها. * الطالب: منة الله تعالى على عباده حيث جعل في الأرض رواسي ثوابت (...). * الشيخ: * ومن فوائد هذه الآيات: أن الله تعالى جعل الرواسي من فوق الأرض لما في ذلك من المنافع، ودفع المضار الذي أشرنا إليه في أثناء التفسير. * ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى بارك في الأرض، ووجه البركة ظاهر، فقد حملت الأحياء والأموات، وحملت من الدواب ما لا يعلم أجناسَه فضلًا عن أنواعه فضلًا عن أفراده إلا الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله قدَّر في الأرض أقواتها؛ أي جعلها مُقدَّرة بقدر معلوم، ومن ذلك التقدير أن جعل في جهات من الأرض من الأقوات ما ليس في جهات أخرى حتى يتبادل الناس هذه الأقوات، وتتحرك التجارة إلى غير ذلك من الفوائد، ولعله يشير إلى هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ يعني المطر ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان ٥٠]. * ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن خلق الأرض تم في أربعة أيام؛ لقوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾ [فصلت ١٠]. * ومن فوائدها: أن الله تبارك وتعالى يجيب السائلين أسئلتهم، سواء سألوا بلسان الحال أو بلسان المقال، فالإنسان مُتشوِّف إلى علم المسألة دون أن ينطق بلسانه، يقال: إنه سائل بلسان الحال، والإنسان الذي يتكلم باللسان سائل بلسان المقال، والسؤال عن خلق السماوات والأرض وكيف ذلك؟ هذا يكون بلسان الحال ويكون بلسان المقال. * ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن السماء كانت قبل أن تُخلَق كانت دخانًا، ثم حوَّل الله هذا الدخان إلى سماوات؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت ١١]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عُلُوِّ الله عز وجل على أحد القولين في تفسير ﴿اسْتَوَى﴾ وهما أيش؟ قَصَدَ أو ارتَفَعَ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء قابل لمخاطبة الله عز وجل؛ أي قابل أن الله يخاطبه؛ لأن الله خاطب السماء والأرض وهي جماد، قال: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، لكننا نحن لو خاطبنا الجماد لعُدَّ ذلك سفهًا ونوعًا من الجنون، أما الرب عز وجل فإنه يخاطب ما شاء من عباده من عاقل وغيره وجماد وغيره؛ لأن كل من خاطَبَهُ الله فإنه يفهم خطاب الله. * ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن كل شيء خاضع لله عز وجل سواء كره أم رضي؛ لقوله: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت ١١]. * ومِن فوائد هذه الآيات الكريمة: كمال خضوع السماوات والأرض لله عز وجل حيث قالتا: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. * ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أنه يصح أن يُعبَّر عن غير العاقل بما يُعبَّر به عن العاقل إذا نُزِّل غير العاقل منزلة العقل؛ لقوله: ﴿طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١]، فإن هذا الجمع -جمع المذكر السالم- لا يصدر إلا من عاقل، وغيره يُقال: طائعات وما أشبهها لكن إذا نُزِّل غير العاقل منزلته بالخطاب صح أن يُعامل معاملة العاقل. * من فوائد هذه الآيات الكريمة: إثبات الطواعية والكراهية لغير العاقل؛ لقوله: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، فهل هذا يعني أن لغير العاقل إرادةً؟ الجواب: نعم؛ لأن الطائع له إرادة، ومن يتصور إكراهه له إرادة أيضًا، وإرادة كل شيء بحسبه، وقد مر علينا أن الحصى تُسبِّح بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا تسبيح إلا بعد إرادة، وثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال في أُحُد: «يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠٨٣)، ومسلم (١٣٩٣/٥٠٤) من حديث أنس بن مالك.]]. والمحبة أخص من الإرادة، وعلى هذا فهذه الجمادات التي نحن لا نفقه تسبيحها هي لها إرادة، وتُسبِّح الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن مُدَّة خلق السماوات أقل من مدة خلق الأرض مع أن السماوات أعظم، لكن لما كانت الأرض موضوعة للأنام كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن ١٠] كان خلقُها أكثر مُدَّة؛ لبيان عناية الله تعالى بهذه الأرض التي وضعها للأنام، وليعلم الأنام الذين على الأرض أن العبرة بالإتقان لا بالسرعة. * ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله أتم خلق السماوات حين أوحى في كل سماء أمرها، ورتَّبها الترتيب المحكم المتقَن. * ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى خلق هذه النجوم؛ لفائدتين: الفائدة الأولى: زينة السماء، والفائدة الثانية: حفظ السماوات من الشياطين، فهي تحفظ السماوات من الشياطين وهي كذلك زينة للسماء، هناك فائدة ثالثة ذكرها الله تعالى في سورة النحل في قوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل ١٦] ولهذا قال قتادة -وهو من أئمة التابعين-: خلقَ الله هذه النجوم لثلاث: زينةً للسماء، ورجُومًا للشياطين، وعلامَاتٍ يُهتَدَى بها[[أخرجه البخاري معلقًا (٤ / ١٠٧).]]. * ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: كمال إتقان الله عز وجل لمخلوقاته؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت ١٢] وهذا التقدير لا شك أنه تقدير مُحكَم مُتقَن من جميع الوجوه. * ومن فوائدها: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز العليم، وهذان الاسمان يتضمنان صفتين هما: العزة والعلم، وهنا نسأل: هل في العزيز ما يسمى بالحكم أو بالأثر؟ الجواب: نعم، بناءً على أن من معناه: عزة القهر، والقاهر لا بد من شيء مقهور حتى يتم به القهر، فعلى هذا يكون الإيمان بهذين الاسمين يتضمن ثلاثة أمور: الأول: الإيمان بالاسم اسمًا لله. والثاني: الإيمان بالصفة. والثالث: الإيمان بالأثر، وإن شئت فقل: بالْحُكْم.