×

فصلت

الآيات ٩–١٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٩﴾

وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴿١٠﴾

قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت ٩ - ١٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١] قوله: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ قال المؤلف: (في موضع الحال أي: طائِعَتَيْن أو مُكْرَهَتَيْنِ) ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ بمن فينا ﴿طَائِعِينَ﴾ فيه تغليب المذكر العاقل وأنزلتا لخطابهما منزلته). أولًا نسأل: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ هذه الجملة مؤكَّدة؟ * طالب: نعم. * الشيخ: بماذا؟ * طالب: بـ(إن) وباللام. * الشيخ: وباللام؟ وما المراد بالاستفهام: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾؟ * طالب: هذا استفهام إنكاري. * الشيخ: إنكار وتوبيخ؟ نعم، في قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ قراءات متعددة. * طالب: أربع قراءات. * الشيخ: نعم، قُلْها، لا ما أريد تقرأها؛ اذكر القراءات؛ يعني لا أريدها تطبيقيًّا بل نظريًّا. * طالب: الأول تحقيق الهمزتين. * الشيخ: هذه واحدة. * طالب: والثاني تسهيلهما. * الشيخ: هذه ثنتان. * طالب: والثالث والرابع: تحقيقهما وتسهيلهما مع المد. * الشيخ: تمام، بارك الله فيك. * طالب: يا شيخ، يقول: تسهيلهما يا شيخ. * الشيخ: لا، تسهيل الثانية؛ تحقيقهما، وتسهيل الثانية مع المد، طيب اقرأها بتحقيق الهمزتين؟ تحقيق الهمزتين هي أسهل القراءات: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾، تسهيل الثانية، تحقيق الأولى وتسهيل الثانية. * طالب: (آئنكم). * الشيخ: لا، بدون ألف. * طالب: ﴿﴿أَاِنَّكُمْ﴾ ﴾. * الشيخ: طيب، إدخال ألف بينهما مع التحقيق. * طالب: ﴿﴿آئِنَّكُمْ﴾ ﴾. * الشيخ: ﴿﴿آئِنَّكُمْ﴾ ﴾، مع التسهيل. * طالب: ﴿﴿آاِنَّكُمْ﴾ ﴾. * الشيخ: طيب، بارك الله فيك، قوله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ الجملة هذه معطوفة على أي شيء؟ * طالب: ﴿بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾. * الشيخ: ﴿بِالَّذِي خَلَقَ﴾ معطوف على ﴿خَلَقَ﴾، هل المؤلف رحمه الله مشى على هذا القول أو لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: أي نعم، على أن ﴿جَعَلَ﴾ معطوفة على ﴿خَلَقَ﴾ يقول: معطوفة على هذا. * طالب: المؤلف (...). * الشيخ: لا ترجع إلى المصحف. * الطالب: (...). * الشيخ: يعني: ولم يجعلها معطوفةً على ﴿خَلَقَ﴾ لماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: بس؟ لماذا نحن جعلناها معطوفة على ﴿خَلَقَ﴾ وهو يقول: إنها استئنافية، فلماذا؟ * طالب: لأجل وجود الفاصل. * الشيخ: لوجود الفاصل الأجنبي على دعواه، ما هو الجواب عن هذا التعليل؟ * طالب: إما أن يقال: إن وجود الفاصل أصلًا لا يضر، وإما أن يقال: إن الفاصل متعلق بـ (كلام). * الشيخ: أحسنت، متعلق بالصلة فهو غير أجنبي. قوله تعالى: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ أولًا: إعرابها؟ * طالب: ﴿سَوَاءً﴾ حال. * الشيخ: حال منين؟ * طالب: من ﴿أَيَّامٍ﴾. * الشيخ: من الـ﴿أَيَّامٍ﴾، كيف تكون حالًا من الـ﴿أَيَّامٍ﴾ وهو مصدر جامد، والحال لا بد أن يكون مشتقًّا؟ * طالب: شيخ، حالًا من ﴿أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾. * الشيخ: طيب. * طالب: والمصدر لا يُؤَوَّل بالمشتق. * الشيخ: والتقدير؟ * طالب: مستوين. * الشيخ: مستويات، طيب. * طالب: اسم مصدر. * الشيخ: اسم مصدر؛ يعني: منصوبة على أنها مفعول مطلق التقدير؟ * الطالب: استوت سواء. * الشيخ: استوت سواء، قوله: ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ متعلق بماذا؟ * طالب: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾. * الشيخ: ﴿جَعَلَ﴾؟ * طالب: ﴿خَلَقَ﴾. * الشيخ: ﴿خَلَقَ﴾؟ يعني ﴿خَلَقَ﴾ للسائلين؟ * طالب: سواء. * الشيخ: يعني: سواءً للسائلين، وغير السائلين؟ تزيد أو تنقص؟ * طالب: متعلق بمحذوف. * الشيخ: التقدير؟ * طالب: هذا جواب للسائلين. * الشيخ: نعم، أحسنت، قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾؟ * طالب: (...) ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ فهو بمعنى قصد. * الشيخ: أحسنت، بمعنى قصد، إذن يكون المعنى: ثم قصد إلى السماء، وكيف تُعْرِب قوله: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾؟ * طالب: الواو للحال. * الشيخ: الجملة جميعًا. * طالب: الجملة في موضع الحال. * الشيخ: في موضع نصب على الحال، منين؟ * طالب: من ﴿السَّمَاءِ﴾. * الشيخ: من ﴿السَّمَاءِ﴾ تمام، المؤلف يقول: (﴿طَائِعِينَ﴾ فيه تغليب المذكر العاقل وأنزلتا لخطابهما منزلته) ما معنى هذا الكلام؟ * طالب: ﴿طَائِعِينَ﴾ هذه جمع مذكر سالم والأصل أن يكون للعقلاء. * الشيخ: للذكور العقلاء. * طالب: للذكور العقلاء، وعاد هنا على السماء والأرض وهما غير عاقلتين ولكن أنزلا منزلته. * الشيخ: ما هو الدليل على أنهما أنزلا منزلته؟ * طالب: لأنه أخبر به عنهما ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ ولم يقولا.. * طالب آخر: لأنه خاطبهما فأنزلتا منزلة العاقل. * الشيخ: صحيح؛ ولهذا يقول المؤلف: (أنزلتا لخطابهما) هذا التعليل ولو قال: أنزلتا منزلته لخطابهما كان أوضح، وقوله: (﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ بمن فينا) لماذا قدَّر قوله: (بمن فينا)؟ ما الذي أحوجه إلى أن يقول: بمن فينا أتينا بمن فينا؟ * طالب: (...). * طالب آخر: ما أخذناها. * الشيخ: عجيب، طيب إذن نبدأ من هذا بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ يقول الشارح المفسر: (﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ بمن فينا ﴿طَائِعِينَ﴾ ) احتاج المؤلف إلى أن يُقَدِّر (بمن فينا) لوجهين: الوجه الأول: أن ﴿طَائِعِينَ﴾ جمع و﴿قَالَتَا﴾ مثنى ولا مطابقة بين المثنى والجمع، ولو أراد المطابقة لقال: قالتا: أتينا طائعتين، هذه واحدة، الوجه الثاني: أنه جمعه بمذكر المذكر العاقل فكان لا بد أن يُقَدَّر (بمن فينا)؛ ليدخل فيه العقلاء، ويكون هذا من باب التغليب، وقوله رحمه الله: (فيه تغليب المذكر العاقل)، ذكرنا فيما سبق أنه غَلَّب المذكر أيش؟ لشرفه. * طلبة: (...). * الشيخ: غلَّب المذكر. * طالب: لشرفه. * الشيخ: لشرفه. * طالب: أو لكثرته. * الشيخ: أو لكثرته إذا قلنا: إن العاقل أكثر، وقوله رحمه الله: (أو أنزلتا لخطابهما منزلته) يعني: المسألة فيها إما تغليب وإما أن الأرض والسماء أُنزِلتا منزلة العاقل لخطابهما أي: لكونهما خوطبا ولا يخاطب غالبًا إلا العاقل. ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت ١٢] ﴿قَضَاهُنَّ﴾ يقول: (الضمير يرجع إلى السماء؛ لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه أي: صيَّرها ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ) ﴿قَضَاهُنَّ﴾ يقول: (الضمير يرجع إلى السماء)، وحينئذ يرد إشكال فإن ﴿السَّمَاءِ﴾ مفرد، و﴿قَضَاهُنَّ﴾ الضمير جمع، فكيف كان الأمر كذلك؟ يقول رحمه الله: (يرجع إلى السماء؛ لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه)؛ لأن هذه ﴿السَّمَاءِ﴾ المفرد يؤول إلى جمع وما مقداره؟ ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ فكأنه عبر عن السماء باعتبار مآلها أنها ستكون ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. وقوله: ﴿قَضَاهُنَّ﴾ أي: صيَّرهن، وعلى هذا فيكون الضمير في ﴿قَضَاهُنَّ﴾ المفعول الأول، و﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ المفعول الثاني، ويحتمل أن تكون ﴿قَضَاهُنَّ﴾ بمعنى فرغ منهن، وعلى هذا فيكون الضمير الأول مفعولًا به، و﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ حال أي: حال كونها ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، وعلى كُلٍّ فإن السماوات كانت سبعًا. ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ قال المؤلف: (الخميسِ والجمعة فرغ منها في آخر ساعة، وفيها خلق آدم؛ ولذلك لم يقل هنا: سواء، ووافق ما هنا آيات خلق السماوات والأرض في ستة أيام) ﴿قَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ و﴿فِي﴾ للظرفية، والظرف يكون أوسعَ من المظروف، فيحتمل أنه قضاهن في يومين من أوَّل اليومين إلى آخرها، ويحتمل أنه قضاهن في يومين أي: في هذا الظرف، وإن كان الخلق أو القضاء لم يستوعبْ هذا الظرف، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف وسيتبين ما فيه إن شاء الله. يقول: (فرغ منها في آخر ساعة منه وفيها -أي في آخر الساعة- خَلَق آدم؛ ولذلك لم يقل: سواءً) بينما قال في خلق الأرض: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾ وهنا لم يقل: في يومين سواء لماذا؟ لأن بعض اليومين خُلِقَ فيه آدم، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وفيه نظر ظاهر، لأن هذا يقتضي أن آدم خُلِقَ حين خَلْقِ السماوات والأرض؛ يعني: في الأيام الستة التي خُلِقَت فيها السماوات والأرض وهذا لا شك أنه خطأ، بل إنه خُلِقَ بعد ذلك ما أقول: بملايين بل بمئات السنين؛ لأن آدم -كما تعلمون- جعله الله تعالى خليفةً لمن؟ لأُناسٍ قبله أو للجن الذي سكنوا الأرض قبله؛ ولهذا لما قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة ٣٠] إلى آخره. فدعوى المؤلف رحمه الله أن آدم خُلِقَ في آخر ساعة من يوم الجمعة التي تم فيها خلق السماوات والأرض غير صحيح، نعم خُلِقَ آدمُ يوم جمعة لا شك في ذلك كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام[[أخرجه مسلم (٨٥٤ / ١٧) من حديث أبي هريرة.]]، لكنها ليست الجمعة التي تم بها خلق السماوات والأرض. إذن خلقهن في يومين، يقول المؤلف: إن هذا يوافق (ووافق ما هنا آيات خلق السماوات والأرض في ستة أيام) كيف وافقها؟ لأنَّ أربعة أيام كانت لخلق الأرض، ويومين كانت لخلق السماء فيكون المجموع سِتَّة أيام، وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، في بعض الآيات يقول: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الفرقان ٥٩]؛ لأن بين السماوات والأرض من الآيات العظيمة ما استحق أن يكون قسيمًا لخلق السماوات والأرض. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الفرقان ٥٩] وقد كنا نقول: كيف يكون خلق ما بين السماء والأرض قسيمًا لخلق السماوات والأرض مع أنه في نظرنا لا يساوي شيئًا بالنسبة إلى خلق السماوات والأرض إذ كنا لا نعلم إلَّا أن الذي بين السماء والأرض هو الغيوم والهواء فقط؟ وكنا نقول: إن القمر والنجوم والشمس كانت في السماء، كنا نقول: القمر في السماء الدنيا، والشمس في السماء الرابعة، وزُحَل في السماء السابعة، وكنا ننشد قول الشاعر: زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَــرَتْ بِعُــــطَارِدَالْأَقْمَــــارُ هذه الكواكب السبعة. * طالب: (...). * الشيخ: ما حفظته من قبل؟ يَلَّا. * طالب: زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ∗∗∗ فَتَزَاهَــرَتْ بِعُــــــطَارِدَالْأَقْمَــــــارُ * الشيخ: المعنى: نأتي من أعلى إلى أسفل: (زحل) هذا أعلاها (شرى) المشتري (مريخه) المريخ (من شمسه) الشمس (فتزاهرت) الزهرة (بعطارد) عطارد (الأقمار) القمر هو الأخير، وعلى هذا فتكون الشمس في السماء الرابعة، وكنا نظن أن هذه مرصعة بالسماء كما يرصع المسمار على الخشبة لكن تبين الآن أن هذه في أجواء بين السماء والأرض، وليست مرصعة في السماوات والأرض وأن السماء من فوقها بأمد بعيد وحينئذ تبين الحكمة من كون الله عز وجل يجعل خلقَ ما بين السماء والأرض عديلًا لخلق السماء والأرض. ثم قال عز وجل: (﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ الذي أمر به من فيها من الطاعة والعبادة) ﴿أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ يعني: قُدِّر بما أوحاه في كل سماء أمرها، كل سماء لها ملائكة خاصة وعبادات خاصة وأجواء خاصة، كل سماء تختلف عن السماء الأخرى حتى إنَّ بعضهم -وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب- يقول: إن جُرْمَ السماء الدنيا يختلف عن جُرْمِ السماء الثانية، والثانية عن الثالثة، كل واحدة من مادة أخرى غير مادة السماء الأخرى، والله أعلم. وقوله: ﴿أَمْرَهَا﴾ مفرد مضاف فيعَمُّ جميع الأمور، جميع ما يتعلق بكل سماء قد أوحاه الله بها. ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ شوف خصائص السماء الدنيا (﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ بنجوم ﴿وَحِفْظًا﴾ منصوب بفعله المقدَّر أي: حفظناها من استراق الشياطين السمعَ بالشهب). ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ ﴿الدُّنْيَا﴾ يعني: القربى، وسُمِّيَتْ دنيا؛ لأنها قريبة من الأرض فهي أقرب السماوات، زينها بالمصابيح، ما هذه المصابيح؟ هي النجوم، وسُمِّيَت مصابيح؛ لأنها بمنزلة القناديل المعلقة بالسقف. فإن قال قائل: ظاهر الآية أن هذه المصابيح مرصعة بالسماء، قلنا: إن كان هذا ظاهرها فالواقع خلاف ذلك، ولا مانع من أن تُزَيَّن بمصابيح وإن لم تكن ملتصقةً بها أرأيت لو أنك لو دَلَّيْتَ مصابيح من سقف عال ثم كنت تحت هذه المصابيح، أفلا تكون هذه المصابيح زينةً للسقف وإن كانت غير لاصقة به، بل جهتها –أي: جهة هذا السقف- مزينة بهذه المصابيح، فلا يلزم من قوله: ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ أن تكون مرصعةً بالسماء، بل نقول: هي مُزَيَّنَة بها وإن كان بينها وبين السماء مسافة. وقوله: ﴿وَحِفْظًا﴾ أي: حفظناها حفظًا، فالسماء محفوظة كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾؛ ولهذا لم يستطع جبريل أن يدخل السماوات مع أنه نازل منها حين كان معه محمد ﷺ حتى استأذن له، في حديث المعراج «أَنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا وَصَلَ بِالنبي ﷺ إلى السماء الدنيا استفْتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جِبريل، قيل: ومَن معك؟ قال: محمد، فقيل له: هل أُوحِي إليه أو أُذِنَ له؟ قال: نعم، ففُتِحَ له». لماذا؟ لأن السماء محفوظة لا يمكن أن يدخل أحد منه إلا بإذن الله، جبريل قال: معي محمد، قيل له: «وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، فنعم المجِيءُ جاءَ، ثم فَتَحُوا له، فدخلَ السماء الدنيا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤ / ٢٦٤) من حديث مالك بن صعصعة.]] ثم الثانية والثالثة، وهكذا، مما يدل على أيش؟ على إتقان حفظ الله سبحانه وتعالى للسماوات وأنها متقنة، عليها ملائكة لا يمكن أن يتجاوزها أحد. ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق من قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ إلى آخره. وقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ أي: الذي قَدَّرَهُ هو العزيز عز وجل العليم، ﴿الْعَزِيزِ﴾ هنا مناسبتها؛ لأن المسألة تحتاج إلى عزة وقوة، والعزة يقول المؤلف رحمه الله: (﴿الْعَزِيزِ﴾ في مُلْكِه) يعني: الذي له العزة التامة في ملكه، لكن إلى الآن لم يُبَيِّنْ لنا ما هي العزة. العزة قال العلماء: إنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عزة القَدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. ثلاث معان؛ أما عزة القدر فمعناها الشرف، يعني أنه ذو قدر عظيم بالغ العظم، عزة القهر يعني أنه قاهر ولا يُغْلَب، والثالث: عزة الامتناع أي: يمتنع أن يناله سوء جل وعلا بأي حال من الأحوال. ولملاحظة هذا المعنى الثالث نقول: إنه مُشْتَقٌّ من قولهم: أرض عزاز، عزاز يعني قوية صلبة ونحن نسميها باللغة العامية (الأرض عَزا) يعني صلبة، ليست لينة كالرمل والروض، ولكنها صلبة. ﴿الْعَزِيزِ﴾ إذن كم معنًى له؟ ما هي؟ * طالب: القهر والقدر والعز. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: امتناع.. * الشيخ: الامتناع، ويش معنى الامتناع؟ * الطالب: الامتناع عن السوء؛ يعني.. * الشيخ: إي يعني، يمتنع عليه السوء والنقص، القهر يعني؟ * طالب: القهر هو (...) والقاهر لا (...). * الشيخ: أحسنت، هو الغالب الذي لا يُغْلَب، والثالثة الامتناع؟ * طالب: الامتناع ذكرها، تقدَّم. * الشيخ: الامتناع أنا أقول.. * طالب: ذكر الامتناع. * الشيخ: مَن الذي ذكره؟ ويش قال؟ * طالب: يمتنع عنه النقص. * الشيخ: يمتنع عنه النقص، وعزة القدر؟ * طالب: عزة القدر بأن الله قادر على كل شيء. * الشيخ: لا، لو كان كذلك لقلنا: عزة القدرة. * طالب: عزة القدر بمعنى: القوة والغلبة. * الشيخ: لا، هذا عزة القهر. * طالب: (...) الثلاثة. * الشيخ: إي، جزاك الله خيرًا، الثالثة عِزَّة القدر يعني؟ * طالب: العظمة والشرف، شرف الأشياء. * الشيخ: الشرف، إي نعم، عزة القدر؛ يعني أنه ذو قدر عظيم وشرف عظيم، أما العليم فهو ذو العلم، وعلم الله تبارك وتعالى واسع؛ قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢] فعلمُه تعالى واسع شامل لكل شيء، يعلم ما كان فلا ينساه، ويعلم ما يكون فلا يجهله، ويعلم كيف كان يكون إذا كان، يعني: ليس يعلم أن هذا الشيء يقع فقط، بل يعلم أنه يقع ومتى يقع، وكيف يقع وأين يقع، من كل جهة، وقد فصَّل الله سبحانه وتعالى دقائق العلم في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ يعني: إلا يعلمها ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩]، وعلمنا بأنه عليم، ما الذي يستوجب من الناحية المسلكية بالنسبة للعبد؟ إذا علمت أن الله بكل شيء عليم، ويش يترتب على هذا؟ * طالب: نخاف الله عز وجل في أعمالنا. * الشيخ: أحسنت، يترتب على هذا أن يخاف اللهَ عزَّ وجلَّ، وأن يقومَ بطاعته، وأن يدع معصيته؛ لأنه يعلم أن الله تعالى عالم به حتى وإن خفيت على الناس فإنك لن تخفى على الله، بل إن الله يعلم من نفسك ما لا تعلمه أنت، أنت تعلم من نفسك ما يمكن أن تحيط به، لكن الله يعلم من نفسك ما لا تحيط به، يعلم مستقبلك ومآلك وحالك وأنت لا تعلم، وهذا يوجب للعبد المؤمن بذلك أن يخاف ربَّه في السرِّ والعلن حتى لو كنت في حجرة مظلمة ليس عندك أحد وأردت أن تفعل ما يغضب الله، فاعلم أن الله تعالى يراك. * طالب: قلنا: إن قول الله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ هذا يدل على (...) الله تعالى للسماوات ما معنى قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] ما المقصود بالسلطان هنا؟ * الشيخ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾ هذه الآية على سبيل التحدي؛ إن كنتم تقدرون فانفذوا وفِرُّوا من قضاء الله، فروا من عذاب الله ما تستطيعون ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] يعني: ولا سلطان لكم، والسلطان هنا بمعنى القدرة والقوة؛ لأن المقام مقام تحدٍّ، والذي يقابله القوة، والمعنى لا سلطان لكم، وعلى هذا فالآية للتحدي، وهذه تكون يوم القيامة، وليس كما زعم الناس لما خرج الروس بأول مركبة فضائية وخرج عن الغلاف الجوي بدأ هؤلاء الذين يريدون أن يجعلوا القرآن كتابًا علميًّا يقولون: هذا دل عليه القرآن ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣] أي: إلا بعلم، وقد تعلمنا ونفذنا، وهذا حرام، تفسير القرآن بهذا المعنى حرام، وقول على الله بلا علم؛ لأن إذا كان المقام مقام تحدٍّ فما هو السلطان الذي يمكن أن نفعل به؟ * طالب: القوة. * الشيخ: القوة لا شك، ثم إنه قال في الآية التي بعدها: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن ٣٥]، هل أرسل على هؤلاء؟ ثم إنه يقول: ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرحمن ٣٣] وهؤلاء إذا قدَّرْنا نفذوا من أقطار الأرض فإنهم لم ينفذوا من أقطار السماوات، ولهذا هؤلاء -والعياذ بالله- الذين فسروا الآية بما حصل قالوا على الله بلا علم، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار، ومثل ذلك من قال: إن الأرض تدور لقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل ٨٨] قال: هذا في الدنيا؛ لأن قوله: ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ هذا حسبان والحسبان لا يكون في الآخرة؛ لأن الآخرة يقين. فيقال: هذا غلط أليس الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ تحسبهم سكارى من شدة الذهول والانزعاج وما هم بسكارى ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ١، ٢]، فالمهم أن بعض المتأخرين هداهم الله يفسرون القرآن بالواقع مع أنه لا يدل عليه ونحن نقول: احمدوا الله أن القرآن لا يدل على خلافه، أما أن تقولوا: يدل عليه غلط. * طالب: أحسن الله إليك، هنا قال الله تعالى: ﴿