×
غافرالآيات ٨٣–٨٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرِحُوا۟ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿٨٣﴾

فَلَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشْرِكِينَ ﴿٨٤﴾

فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٢ - ٨٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ذكرنا في هذا التركيب ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ وما أشبهها إعرابين؟ * الطالب: الإعراب الأول: أن نقول: إن الهمزة هنا همزة استفهام، وبعدها جملة مقدرة، فتكون هنا من باب عطف الجمل على الجمل المقدَّرة، ويكون التقدير على حسب السياق. * الشيخ: يُقدَّر المحذوف بحسبه. * الطالب: وهنا تقديره: أَفَغَفلوا فلم يسيروا؟ * الشيخ: الوجه الثاني؟ * الطالب: الوجه الثاني: الفاء مؤخرة عن موضعها، والأصل فألم يسيروا، وتكون عاطفة على ما سبق. * الشيخ: وتكون الجملة معطوفة على ما سبق. الثاني أسهل؛ لأن الأول قد يتعذر أو يتعسر تقدير المحذوف، فأما هذه فهي سهلة ليس فيها سوى مجرد زحلقة الفاء عن موضعها. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: على الأرض؛ لأن ﴿فِي﴾ للظرفية، ولو جعلنا ﴿فِي﴾ للظرفية في هذا السياق لكان معنى الآية: أن يدخلوا في جوف الأرض، وهذا غير مراد قطعًا، فتكون ﴿فِي﴾ بمعنى (على) كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك ١٦] أي من على السماء، وليس المراد أن الله في جوف السماء؛ لأن ذلك مستحيل، وقد وسع كرسيه السماوات والأرض. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يشمل السير بالقدم والسير بالقلب، أما السير بالقدم فمعروف، وأما السير بالقلب فمعناه أن يتفكر الإنسان فيما مضى من تاريخ الأمم، وأصح مرجع نرجع إليه فيما مضى من سِيَر الأمم هو القرآن الكريم. وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ هذه معطوفة على (يسيروا)؛ يعني أن الله وبَّخهم على أمرين: عدم السير، وعدم النظر، فهم لم يسيروا ولم ينظروا ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، والنظر هنا هل هو نظر البصيرة أو البصر؟ إن قلنا: إن قوله: ﴿يَسِيرُوا﴾ سير القدم فالنظر نظر البصر، وإن قلنا: يسيروا سير القلب فالنظر نظر البصيرة. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أعربنا ﴿كَيْفَ﴾ على أنها خبر مقدم لـ﴿كَانَ﴾، وهنا يتعين التقديم؛ لأن ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام، والاستفهام له الصدارة، فعليه تكون خبرًا مقدمًا لـ﴿كَانَ﴾، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني من الأمم. فما هي العاقبة؟ العاقبة أشار الله إليها في سورة القتال في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. ثم شرح الله حال أولئك السابقين فقال: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٨٢] أكثر منهم عددًا، وكثرة العدد تُوجب القوة في الكمية، وأشد منهم قوة هي القوة بالكيفية، ثم قال: ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني من العمران والقصور وغيرها، ومع ذلك لم تنفعهم هذه الكثرة ولا هذه القوة؛ يقول: (من مصانع وقصور) هذه تفسير لقوله: ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿مَا أَغْنَى﴾: (ما) يحتمل أن تكون نافية، أي: فلم يُغنِ عنهم ما كسبوا، ويحتمل أن تكون استفهامية، والمعنى: فما الذي أغنى عنهم؟ والاستفهام هنا أشد وقعًا؛ لأنه مُشرَب بالتحدي، أي شيء أغنى عنهم؟ الجواب: لا شيء ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي ما كانوا يكسبون من القوة والآثار في الأرض وغير ذلك؛ لأن الله تعالى دمرهم ودمر قوتهم. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هذا الذي أتى بعد ذكر تدميرهم هو في الحقيقة عود إلى شرح ما حصل، فإن الله أرسل إليهم الرسل بالبينات الواضحة، وأنزل الكتب، ولكن لما جاءتهم رسلهم بالبينات قال المؤلف: (المعجزات الظاهرات)، والصواب أن يقول: الآيات البينات، هو رحمه الله جعل البينات بمعنى الظاهرات، وهذا حق، وجعل (البينات) صفة لموصوف محذوف تقديره: المعجزات، وهذا فيه نظر، بل يُقدَّر الآيات، وذلك لأن المعجزات لم ترد في الكتاب والسنة محل الآيات أبدًا، وأيضًا المعجزات تكون من الرسل ومن غير الرسل، فالسحرة مثلًا تأتي لهم الشياطين بالمعجزات، لكن الآيات -يعني العلامات الدالة على صدقهم- هذه أبلغ؛ ولهذا إذا وجدتم في الكتب، وما أكثر ما تجدون المعجزات، أو معجزة الأنبياء، أو ما أشبه ذلك فاضربوا عنها صفحًا، وقولوا بدلها الآيات كما قال الله عز وجل الآيات، والآيات -كما قلت لكم- أدق من كلمة المعجزات؛ لأن المعجزات يدخل فيها ما يُعجِز البشر مما تصنعه الشياطين مع السحرة وغيرهم. (﴿فَرِحُوا﴾ أي الكفار ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ أي: الرسل ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ فرح استهزاء وضحك منكرين له) ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا﴾ الواو فاعل، فمن الفارح؟ يقول: (أي الكفار)، وهذا صحيح، فرح الكفار بما عندهم من العلم، وقوله: ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ الضمير يعود على الرسل على حد تفسير المؤلف، بما عند الرسل من العلم، أي: بما جاؤوا به من البينات؛ لكن هل هذا الفرح فرح استبشار أو فرح استهزاء؟ يقول المؤلف: إنه فرح استهزاء وضحك وسخرية. ولكن هذا التفسير إذا تأملته وجدته تحريفًا وليس تفسيرًا؛ لما فيه من البُعد المعنوي واللفظي، أما البعد اللفظي فلأن فيه تشتيت الضمائر؛ لأن قوله: ﴿فَرِحُوا﴾ الواو للكفار ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ الهاء للرسل، هذا تشتيت للضمائر؛ والهاء في قوله: ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ إذا جعلنا الكلام نسقًا واحدًا لا شك أنها تعود على الكفار، أي بما عند الكفار من العلم. وأما المعنوي فلأن الفرح في الأصل استبشار، فإذا صرفناه عن معناه الظاهر إلى أن يكون فرح استهزاء كان هذا إخراجًا للمعنى عما يدل عليه ظاهر اللفظ، والحاصل أن هذا التفسير الذي ذكره المؤلف تفسير ضعيف جدًّا بل هو تحريف؛ والصواب أن المعنى: فرح الكفار بما عندهم -أي بما عند الكفار من العِلم- وقالوا: نحن أعلم بما يصلحنا، وما يصلح دنيانا وديننا الذي نحن عليه، فأنتم أيها الرسل سحرة مجانين كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، وإذا كانوا يعتقدون بقلوبهم أو يقولون بألسنتهم ما لا يعتقدون من أن الرسل سحرة مجانين فإنهم لا شك سيجعلون ما عندهم من العلم هو العلم الحقيقي فيفرحون به. وعلى هذا فنقول: الفرح هنا فرح بطر واستبشار فيما يظنون، أنهم على علم أعلى من علم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر ٨٣]، ويعجب الإنسان أحيانًا فيما يذهب إليه بعض العلماء من تفسير الآيات أو الأحاديث. الآن لو قرأت هذه الآية على إنسان عامي: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ فعلى أي شيء يتنزل الضمير في قوله: ﴿بِمَا عِنْدَهُمْ﴾ عند هذا العامي؟ على الكفار، فرحوا بما عندهم، والإنسان يفرح بما عنده لا بما عند غيره. ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر ٨٣] ﴿حَاقَ﴾ يقول: (نزل) لكنها أعنى ﴿حَاقَ﴾ ليست كـ(نزل) من كل وجه؛ لأن (نزل) تكون بالخير وبالشر ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤] هذا خير ولا شر؟ خير، لكن (حاق) لا تأتي إلا بالشر، فلا يقال: حاق به القرآن، أو حاق عليه القرآن كما يقال: نزل عليه، فحاق هنا بمعنى نزل لكنها لا تستعمل إلا في نزول الشر، وهو شر بالنسبة لمن نزل به، وقد يكون خيرًا بالنسبة لغيره. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر ٨٣] ﴿مَا﴾: فاعل ﴿حَاقَ﴾، ﴿كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: يعني فيما سبق؛ أي أنهم لما جاءهم بأس الله عز وجل ونزل بهم ﴿حَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فيما سبق، حيث كانوا يستهزئون بالرسل، وبما جاؤوا به وبالشرائع، بل ربما يستهزئون بالله عز وجل، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة ٦٥] يتبين لك أن الكفار يستهزئون بالله، ويستهزئون بآيات الله، ويستهزئون بالرسل. (﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي العذاب) يعني حاق بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به حين توعدتهم الرسل به، فجعلوا يستهزئون أيش العذاب اللي تقولون؟ أين هو؟ يستفهمون استهزاء. ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤] أي شدة عذابنا، ﴿رَأَوْا﴾: بمعنى بأبصارهم، يعني رأوه رؤيا العين، والبأس: أشد العذاب. ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر ٨٤] ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ أي دون شركائنا، ودون ما كنا نعبده، وهذا غاية الإخلاص، ثم أكدوا هذا بقولهم: ﴿وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿بِمَا﴾: الباء حرف جر متعلقة بـ﴿كَفَرْنَا﴾، و﴿بِهِ﴾: يحتمل أن تكون للسببية؛ أي بما كنا بسببه مشركين، وأن تكون متعلقة بـ﴿مُشْرِكِينَ﴾ تعلق الجار بعامله؛ المعنى: أنهم لما رأوا عذاب الله آمنوا، ولكن هل ينفعهم هذا الإيمان؟ لا. إن فرعون لما غرق وأدركه الغرق، ماذا قال؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾. * الشيخ: صح، قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠] ولكن ماذا قيل له؟ قيل له: ﴿آلْآنَ﴾ يعني أتؤمن الآن ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١] فلم ينفعه إيمانه. وقال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء ١٨]، هذا لا تنفعه التوبة؛ لأنه رأى وشاهد، شاهد ما كان غيبًا يكفر به، والإيمان عن مشاهدة لا يفيد؛ لأن كل إنسان يؤمن بما يُشاهد ولو كان أكفر الناس، وإنما الذي يُحمد عليه الإنسان وينجيه من عذاب الله أن يؤمن بالغيب كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة ٣]. ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر ٨٤]، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥] ﴿لَمْ يَكُ﴾: أصلها (لم يكن)، لكن حُذِفت النون تخفيفًا، وقد جاء الحذف والإبقاء في آيتين من كتاب الله، فقال تعالى في إبراهيم: ﴿وَلَمْ يَكُن مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وقال: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٠] وهي جملة واحدة حُذفت فيها النون وأُبقيت، وهذا الحذف تخفيف، وله شروط معروفة في كتب النحو. ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥] (إيمانُ) هل تعربونها على أنها اسم (يكن) مؤخرًا أو على أنها فاعل ينفع واسمها مستتر؟ الثاني، والتقدير على هذا: فلم يك إيمانهم ينفعهم، أما على الأول فيكون: فلم يك ينفعهم إيمانهم فيكون اسمها ضمير الشأن، اسم يكن محذوفًا ضمير الشأن. وقوله: ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ ﴿لَمَّا﴾: هنا ظرف بمعنى (حين)، واعلم أن (لَمَّا) تأتي في اللغة العربية على أوجه: الأول: أن تكون ظرفًا بمعنى (حين) كما في هذه الآية، فإن معنى: ﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ أي حين رأوا بأسنا. وتأتي جازمة، مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨]. وتأتي شرطية كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩]. وتأتي بمعنى (إلا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٣٢]. فهذه أربعة معانٍ في (لَمَّا)، المعنى الأول؟ بمعنى (حين) كما في هذه الآية: ﴿