×

غافر

الآية ٥٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَلَا ٱلْمُسِىٓءُ ۚ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ ﴿٥٨﴾

وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيء﴾ [غافر ٥٨]. * في هذه الآية من الفوائد: أولًا: ضرب الأمثال، وهو إلحاق المعقول بالمحسوس، وجه ذلك: أن انتفاء الاستواء في الأعمى والبصير أمر معلوم بالحس، وانتفاء استواء الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء أمر معلوم بالعقل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي لِمُعلِّم الناس أن يربط المعقولات بالمحسوسات؛ لأن ذلك أقرب إلى الفهم وأدعى إلى التصديق؛ إذ إن المحسوس لا يُنكر، لكن المعقول قد يكابِر فيه من يُكابِر وينكره. * من فوائد الآية الكريمة: نفي المساواة بين الأمور المختلفة، وهذا من قواعد الشريعة؛ أنها لا تساوي بين مختلِفين، ولا تجمع بين مفترقين، ومنها: أن من الناس من يطنطن ويقول: إن الدين الإسلامي دين المساواة وهذا خطأ؛ الدين الإسلامي دين العدل وليس دين المساواة، الذين يقولون: إنه دين المساواة، يريدون أن يتحولوا من هذا إلى التسوية بين الرجل والمرأة وبين الشريف والوضيع، وهذا خطأ، فإن الله تعالى جعل لكل إنسان ما يليق به شرعًا وقدرًا؛ ولهذا لم يأتِ حرف واحد في القرآن فيه أن الناس سواء أبدًا، أكثر ما يوجد في القرآن نفي الاستواء؛ أي نفي المساواة، لكن العدل جاء في القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل ٩٠] ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء ٥٨] ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨]، إلى غير ذلك من الآيات؛ وذلك لأن العدل يعني أن نُنَزِّل كل إنسان منزلته، فإذا استوى إنسانان في منزلة ساوينا بينهما في الحكم، وإذا اختلفا فرقنا بينهما، والعجب أن كثيرًا من كتب المتأخرين يقولون بذلك، وهذا أمر قد يدعو أيضًا إلى التسوية بين المؤمن والكافر؛ لأن كلًّا منهما إنسان بشر، لكن إذا قلنا: العدل صار الكافر لا يمكن أن نلحقه بالمسلم؛ لأن ذلك جور وظُلْم في حق المسلم وغُلُو وإفراط في حق الكافر. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والعمل الصالح وسوء العمل السيئ؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾ [غافر ٥٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كثيرًا من الناس لا يتذكرون إلا قليلًا؛ لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر ٥٨]. * ومن فوائدها: أن في هذه الآية شاهدًا؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام ١١٦]، وقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين﴾ [يوسف ١٠٣].