×

غافر

الآيات ٥٠–٥١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۚ قَالُوا۟ فَٱدْعُوا۟ ۗ وَمَا دُعَـٰٓؤُا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍ ﴿٥٠﴾

إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ ﴿٥١﴾

قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هل نستدل بهذا على العذر بالجهل (...) يريدون أن يقرروهم بأنه قد قامت عليهم الحجة، فلا يعذرون بالجهل؟ * الشيخ: نعم، لا شك أنها تدل على أنهم لو لم تأتهم لعُذِروا، لكن قد يقال: إن قصدهم بذلك إقامة الحجة عليهم لأنها قد قامت، أما العذر بالجهل فلا شك أن العذر بالجهل ثابت وما عندنا في هذا إشكال، لا في مسألة الكفر ولا فيما دونها متى كان الإنسان يقول: إنه مسلم. * طالب: (...). * الشيخ: صحيح، لكن إذا قال الرسول لنا: إن الله أبى أن يستغفر له نعترض على الله؟ ما ندري، قد يكون قامت عليه الحجة؛ لأن فيه بقايا من دين إسماعيل في العرب، وفيه ورقة بن نوفل تَنَصَّر. * طالب: قول الله تعالى: (...) بدخول الهمزة على العطف يعني ما يقال: إن تقديم العطف على الهمزة (...) لأن الأصل عدم (...)؟ * الشيخ: الأصل عدم مخالفة الترتيب، حذف المعلوم كثير، وأنت سمعته الآن في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ﴾ وأن التقدير: (...). حَذْفُ ما يُعْلَم كثيرٌ في القرآن وفي اللغة العربية، لكن الترتيب والزَّحْلَقة هذا قليل، إلا أني قلت لكم: إن الإخلال بالترتيب هنا أيسر للإنسان لأنه أحيانًا تَرِد عليك آيات ما تدري ويش تُقَدِّر؟ إلا أن تقول: إن عرفت التقدير فاسلك الأقعد، وإن لم تعرف فاسلك الأسهل، لتكون متتبعًا للرخص، يصلح؟ إي نعم يصلح، يعني: رخص النحويين ما فيه مانع، نحن قلنا لكم قاعدة مفيدة جدًّا فيما إذا اختلف النحويون في شيء فالصواب الأسهل. * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [غافر ٥١ - ٥٤]. * الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ [غافر ٤٩] إلى آخر الآية. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان شدة حسرة أهل النار؛ لقوله: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾. * ومن فوائدها: أن أهل النار يتحاجون ويُحاجُّون أيضًا، يتحاجون كما سبق فيما بينهم، وكذلك يحاجون غيرَهم أو يسألون غيرهم؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان إحكام الله عز وجل لمخلوقاته كما أحكم مشروعاته؛ حيث جعل للنار خَزَنة يحفظونها ويقومون عليها. * ومن فوائد هذه الآية: شدة خجل أهل النار من مخاطبة الله عز وجل، لقوله؟ * الطالب: قالوا لخزنة النار: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾. * الشيخ: أنهم توسلوا بقول الخزنة أن يدعوا ربهم ولم يقولوا: ادعوا ربنا، هذا يدل على أن هذا بعد أن قال الله لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار في أَشَدِّ ما يكون من العذاب، من أين تُؤْخذ؟ ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾، يدل على أن عليهم شدة. وأنهم يَتَمَنَّوْن يومًا واحدًا فقط. ثم قال تعالى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ﴾ [غافر ٥٠] إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار يُعَذَّبون عذابًا بدنيًّا وعذابًا قلبيًّا. منين؟ * الطالب: التقريع والتوبيخ لهم. * الشيخ: التقريع والتوبيخ لهم ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فهذا يكون أشدَّ عليهم من عذاب البدن؛ ولهذا يقولون كما في سورة تبارك: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ١٠] قال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لكل أمة من أهل النار رسولًا. * طالب: من قول الملائكة لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ (...). * الشيخ: ﴿رُسُلُكُمْ﴾ كل أمة لها رسول. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى لم يُرْسِل رسولًا إلا بآيات تدل على أنه رسول الله حقًّا. * طالب: لقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾. * الشيخ: لقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، صحيح. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاهتمام بالوصف أشد من الاهتمام بالأصل؛ لأن الوصف هو اللي يبين الأشياء من أين؟ * طالب: من قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، ولم يقل: بالآيات البينات. * الشيخ: من قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ حيث أتى بالوصف وطوى ذكر الموصوف؛ لأن المهم هو الوصف. * ومن فوائد الآية الكريمة: تَهَكُّم الرسل بهؤلاء أي بأهل النار. * طالب: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾. * طالب آخر: ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾. * الشيخ: ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ هذا من باب التهكم بهم؛ لأن الملائكة يعرفون أنهم لن يجابوا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا قَبول لدعاء الكافرين. * طالب: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾. * الشيخ: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ طيب. هل يشمل هذا دعاء المسألة ودعاء العبادة، أو دعاء المسألة فقط، أو دعاء العبادة فقط؟ * طالب: دعاء العبادة فقط، أما دعاء المسألة. * طالب آخر: دعاء المسألة ودعاء العبادة إلا في حالة الاضطرار. * الشيخ: يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة. طيب، ما الذي يستثنى من دعاء المسألة في إجابة الكافر؟ * طالب: المضطر والمظلوم. * الشيخ: نعم، المضطر والمظلوم، ما هو الدليل على استثناء المضطر أنه يجاب ولو كان كافرًا؟ * الطالب: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل ٦٢]. * الشيخ: طيب قد يقول لك قائل: هذه في المسلم. * الطالب: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ (...) العموم. * الشيخ: نعم إذا ادَّعى أنه يخرج منها الكافر. قلنا: أين الدليل؟ طيب، هذا صحيح، لكن نريد نصًّا واضحًا في إجابة الكافر في حال الضرورة؟ * الطالب: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. * الشيخ: نعم، قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت ٦٥] طيب، صحيح. ما الحكمة من إجابة الكافر في حال الضرورة؟ * طالب: لأنه في هذه الحال يكون أخلص في الدعاء. * الشيخ: لأنه في هذه الحال يكون مخلصًا لله في الدعاء مُظْهِرًا للافتقار إليه، فيجيبه الله. المظلوم، الدليل على أنه يجيب دعوة الكافر المظلوم؟ * طالب: حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه النبي ﷺ إلى أهل اليمن في آخر الحديث قال له: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٤٧)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]. * الشيخ: لو قال لك قائل: المظلوم من المؤمنين؟ * الطالب: لم يُخَصَّص في هذا الحديث. * الشيخ: ما الحكمة من إجابة دعوة المظلوم الكافر؟ * الطالب: لإقامة العدل. * الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، طيب إذن: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة، طيب ما الدليل على أن العبادة لا تُقْبَل من الكافر؟ * طالب: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٥٤]. * الشيخ: ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾. ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ إلى آخره، الجملة هذه مؤكدة بمؤكدين: أحدهما: (إن)، والثاني: اللام. وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ﴾ أتى بصيغة التعظيم؛ لأن المقام يقتضيه؛ إذ إن النصر لا بد أن يكون من قوي، ولم يقل الله جل وعلا: أنا أنصر، قال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ﴾؛ لأن المقام يقتضي العظمة والقدرة والقوة. ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ﴿رُسُلَنَا﴾ جمع رسول، وهم كل الرسل؛ لأن (رسل) جمع مضاف، والجمع المضاف يكون للعموم. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معطوفة على ﴿رُسُلَنَا﴾ أي: وننصر الذين آمنوا، آمنوا بمن؟ آمنوا بما يجب الإيمان به. والإيمان هو الإقرار المستلزم للقَبول والإذعان، فمَنْ أَنْكَر فليس بمؤمن، ومن أَقَرَّ ولم يَقْبَل فليس بمؤمن، ومن أَقَرَّ ولم يذعن فليس بمؤمن؛ فأبو طالب مثلًا مقر برسالة الرسول عليه الصلاة والسلام لكنه لم يَقْبَلْ ولم يُذْعِن، فلا يكون مؤمنًا، فالذين آمنوا هم الذين أَقَرُّوا بقلوبهم، وأذعنوا واستسلموا بجوارحهم، وقَبِلوا ما أخبرت به الرسل، هؤلاء هم المؤمنون. وقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ متعلق بـ﴿نَنْصُرُ﴾ أي: ننصرهم في الحياة الدنيا؛ ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ ﴿وَيَوْمَ﴾ هذه معطوفة أيضًا على ما سبق، وهي متعلقة ب﴿نَنْصُرُ﴾، أي: وننصرهم يوم يقوم الأشهاد وذلك يوم القيامة. و﴿الْأَشْهَادُ﴾ جمع شاهد، يقول المؤلف: (وهم الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الكفار بالتكذيب) هكذا قال المؤلف رحمه الله خَصَّها بالملائكة، والصحيح أنها أَعَمُّ من الملائكة، فالملائكة يشهدون، وهذه الأمة تَشْهَد على مَنْ سبق كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، والجلود تشهد، والجوارح تشهد، فكلُّ ما ثبتت شهادتُه فإنه داخل في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ وذلك يوم القيامة. * في هذه الآية الكريمة: تأكيد نصر الله سبحانه وتعالى للرسل والذين آمنوا؛ لقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾. * وفي هذه الآية: شُبْهَةٌ استدلَّ بها النصراني يقول: إن الله ثالث ثلاثة، ولي عليكم دليل وهو قوله: ﴿إِنَّا﴾، وقوله: ﴿نَحْنُ﴾، و﴿نُرِيهِمْ﴾، وما أشبهها مما يدلُّ على الجمع، فإذن أنا أقول -يقوله النصراني-: إن الله ثالث ثلاثة ولي حجة، فبماذا نجيبه؟ نجيبه بقولنا: إنك ممن زاغ قلبه؛ لأنك اتبعتَ المتشابه، والله عز وجل يقول: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٧] وتركتَ المحكم المؤكد بأن الله واحد لا شريك له مثل قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، ومثل قوله في تكذيب هؤلاء النصارى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة ٧٣]. فهذا النصراني اتبع المتشابه. وكذلك كُلُّ مبطل يحتج بآية فإنه يكون ممن اتبع المتشابه، والله عز وجل حكيم جعل في آياته الشرعية وفي آياته الكونية أيضًا ما يكون متشابهًا ابتلاء وامتحانًا لأيش؟ للذين آمنوا والذي في قلوبهم زيغ؛ الآن انظر إلى القرآن، انظر إلى السنة، تجد في بعض الأحاديث أو في بعض الآيات ما ظاهره التعارض، أو في بعض الأحاديث أو الآيات ما ظاهره باطل، مثلًا هذا إن سَلَّمْنَا وإلا ليس في القرآن ولا السنة الصحيح ما ظاهره باطل إطلاقًا، لكن هذا من باب التَّنَزُّل مع الخصم، ونقول: هذا من باب الابتلاء والامتحان. كذلك في الآيات الكونية نجد أن الله تعالى يصيب الناس بكوارث عظمية تموت بها الأَنْفُس، وتُدَمَّر بها البلاد، يفسد بها الحرث والنسل، حتى يَبْلُوَ العباد: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١]، وانتبه لهذه النقطة وهي امتحان الله تعالى للعباد بما يأتي من الآيات الشرعية والآيات الكونية. إذن رددنا على النصارى الذي ادَّعى تَعَدُّدَ الآلهة محتجًّا بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر ٥١] إلى آخره. وفي الآية إشكال؛ وهو أن الله تعالى ذَكَر أن من الناس من يقتلون الأنبياء بغير حق، يقتلون الأنبياء، فأين النصر في الحياة الدنيا لمن قُتِلَ؟ والجواب من أحد وجهين: إما أن يكون المراد بالنصر نصرَ ما جاؤوا به من الشرع وبيانَ أنه حقٌّ، وهذا ثابت لكل رسول، وهل تأييد ما جاء به الرسول نصرٌ له أو لا؟ نصر له، لا شك أنه نصر، وحينئذ لا يستثنى من الرسل أحد إذا قلنا: إن المراد بالنصر نصر ما جاؤوا به من الحق. وإما أن يُراد بـ﴿رُسُلَنَا﴾ الذين أُمِروا بالجهاد؛ لأن النصر يقتضي أن يكون هناك جهاد ينتصر فيه أحد الطرفين على الآخر، فيكون المراد بالرسل هنا ليس جميع الرسل بل مَنْ أُمِروا بالجهاد، وحينئذ يزول الإشكال، هذا باعتبار النصر في الحياة الدنيا، أما باعتبار النصر يوم يقوم الأشهاد فلا يُسْتَثْنَى أحد ولا إشكال فيه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن نَصْرَ الله العبد في الدنيا نعمةٌ؛ يعني له أن يفرح بها، للإنسان أن يفرح بما أعطاه الله تعالى من النصر سواء نصرًا فعليًّا أو قوليًّا، المهم أن الإنسان إذا نصره الله عز وجل على من ناوأه يُعْتَبر هذا نعمة ومنة من الله عز وجل فليفرح به الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس ٥٨]. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات الأشهاد يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. * من فوائد الآية الكريمة: التحذير من مخالفة الرسل من ذلك اليوم الذي يقوم فيه الأشهاد؛ لأنه في ذلك اليوم لا يستطيع أحد أن يُكَذِّب، لو أن الإنسان أنكر وكذَّب من يشهد عليه؟ تشهد عليه جوارحه. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] يقولون هذا؛ لأنهم يشاهدون المخلصين يُنْصَرون يوم القيامة، فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ رجاء أن يُنْصروا معهم فيقول الله عز وجل: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام ٢٤] هم كذبوا على أنفسهم؛ لأنهم يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وهم مشركون، بل قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨]. الآن استدركنا على المفسر رحمه الله ماذا؟ قَصْرَه الأشهاد على الملائكة، وقلنا: إنها أعم.