×

غافر

الآيات ٣٨–٣٩

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَـٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ﴿٣٨﴾

يَـٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَـٰعٌ وَإِنَّ ٱلْـَٔاخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَرَارِ ﴿٣٩﴾

الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠) وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر ٣٨ - ٤٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر ٣٨] في أول هذه الآيات يقول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر ٢٨] وهنا وما قبلها يقول: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ تحقيقًا لإيمانه وأنه مؤمن حقًّا. ﴿قَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ﴿يَا قَوْمِ﴾: سبق الكلام على إعرابها، وبينَّا أنها منادى منصوبة مُقَدَّرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة. وقوله: (﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ﴾ بإثبات الياء وحذفها ﴿أَهْدِكُمْ﴾ ) يعني أنها قراءتان: اتبعوني واتبعون، أما على وجود الياء فالأمر ظاهر؛ لأنها ياء المتكلم، وأما على حذفها فهي محذوفة للتخفيف. وقوله: ﴿اتَّبِعُونِ﴾ فعل أمر، و﴿أَهْدِكُمْ﴾ جواب فعل الأمر؛ ولهذا وقع مجذومًا بحذف الياء والكسرة قبلَها دليل عليها، وأصل أهدكم أهديكم، لكن الفعل المضارع إذا وقع جوابًا للأمر فإنه يكون مجزومًا، قيل: إنه مجذوم به وقيل أنه مجذوم بشرط مُقَدَّر، والتقدير إن تتبعوني أهدكم، وهكذا يقال في كل ما جاء على هذا التركيب. ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ أي: طريقه، والهداية هنا هداية الدلالة؛ لأنه لا يمكن أن يُراد بها هداية التوفيق؛ إذ إن هداية التوفيق تكون بيد الله عز وجل؛ لقوله تبارك وتعالى لرسوله محمد ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦] أي: لا تهدي هداية التوفيق، فقوله: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ يعني: أدلكم على سبيل الرشاد، سبيل الرشاد ضد سبيل الغَيِّ، والرشاد هو حُسْن التصرف، والغي هو ارتكاب الخطأ عن عمد. ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ لما رَغَّبَهُم في إتباعه زَهَّدَهُم في الدنيا، لأن أصل ضلال بني آدم هو الطمع في الدنيا، والتنافس إنما يكون عليها؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا -أي مَنْ قبلنا- فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٥٨) ومسلم (٢٩٦١ / ٦) من حديث عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه ولفظه «...فأبشروا وأَمِّلوا ما يسرُّكم، فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تُبْسَط الدنيا عليكم، كما بُسِطَت على مَنْ كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم» الحديث. ]] فهو لما طلب أن يتبعوه بَيَّن لهم حال الدنيا التي ينافسون فيها، والتي صَدُّوا عن سبيل الله بها، فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، و﴿هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ مبتدأ، و﴿مَتَاعٌ﴾ خبره، أي: ما هذه الدنيا إلا متاع يتمتع به الإنسان قليلًا ثم يزول؛ ولهذا يقول المؤلف في التفسير: (﴿مَتَاعٌ﴾ تمتع يزول). ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ ﴿الْآخِرَةَ﴾ ما بعد الدنيا، ﴿هِيَ﴾ ضمير فصل، و﴿دَارُ الْقَرَارِ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾. واعلم أن ضمير الفصل ضمير لا محل له من الإعراب، لا يُعْرَب مبتدأ ولا خبرًا ولا أي شيء، لا محل له من الإعراب. واعلم أيضًا أن له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: التوكيد. والفائدة الثانية: الحصر. والفائدة الثالثة: تمييز الخبر من الصفة. ويظهر هذا في المثال فإذا قلت: زيد هو الفاضل، فـ(هو) ضمير فَصْلٍ استفدنا منه ثلاث فوائد: أولًا التوكيد: حيث أَكَّدْنَا أن زيدًا هو الفاضل، بل حيث أَكَّدْنَا أن زيدًا فاضل. ثم الحصر؛ لأنك قلت: زيد هو أي: لا غيره، زيد هو الفاضل. الفائدة الثالثة: التمييز بين الصفة والخبر، فإنك لو قلت: زيد الفاضل، لاحتمل أن يكون الفاضل صفة لزيد وأن الخبر لم يأت بعد، فإذا قلت: هو الفاضل، تعيَّن أن تكون الفاضل خبرًا، فبذلك يَحْصُل التمييز بين الخبر وبين الصفة. ذكرنا أنه لا مَحَلَّ له من الإعراب، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠] فهنا جاءت ﴿الْغَالِبِينَ﴾ خبرًا لـ(كان)، ولو كان له محل من الإعراب لكانت: (إن كانوا هم الغالبون)، لكنه ليس له محل من الإعراب. إذن ما هي دار القرار؟ هي الدار الآخرة، وأُكِّدَ ذلك بالإتيان بضمير الفصل. ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ أي: دار المستقر، ولهذا «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ عَلَى صُورَةِ كَبْشٍ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَطَّلِعُونَ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَطَّلِعُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، فَيُذْبَحُ أَمَامَهُمْ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ»[[أخرج البخاري (٦٥٤٨) ومسلم واللفظ له (٢٨٥٠ / ٤٣) بسنديهما عن ابن عمر رضي الله عنهما أن أباه حدثه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وصار أهل النار إلى النار أُتِيَ بالموت حتى يُجْعَل بين الجنة والنار، ثم يُذْبَح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة، لا موت، ويا أهل النار، لا موت. فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حُزْنًا إلى حزنهم»، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٥٥) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «..ينادي: يا أهل الجنة، فيشرئبون فينظرون، وينادي: يا أهل النار، فيشرئبون فينظرون، فيقال: هل تعرفون الموت؟ فيقولون: نعم، فيجاء بالموت في صورة كبشٍ أملح، فيقال: هذا الموت، فيُقَدَّم فيُذْبَح، قال: يا أهل الجنة، خلود ولا موت، ويقال: يا أهل النار، خلود لا موت» قال ثم قرأ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩].]] إذن هذا القرار، ما دام ليس فيه انتقال عن هذه الدار فهي دار القرار، طيب إذا كانت هي دار القرار والدنيا متاع، فما الأولى أن يعمل له؟ الآخرة؛ لأنها دار القرار، أما هذه فهي دار عبور دار متاع؛ «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»[[أخرجه البخاري (٦٤١٦) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]. ثم قال: ﴿