تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَكَفَرُوا۟ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّهُۥ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴿٢٢﴾
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه أخذ الله تعالى إياهم بذنوبهم، فهذه الذنوب أنه ﴿كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قال المؤلف: (بالمعجزات الظاهرات).
﴿تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ﴾ جمع رسول، والرسول لكل أمة كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل ٣٦]، والرسل جاؤوهم بالبينات قال المؤلف: (بالمعجزات) والصواب أن يقال: بالآيات؛ لأن الله تعالى يعبر عنها هكذا ﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [يونس ١٥]، والمراد بالآيات ما يؤمن على مثله البشر، وهي نوعان: حسية ومعنوية، وخِلْقِيَّة وخُلُقِيَّة، كلها آيات بينات ظاهرة واضحة، قال النبي ﷺ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة». ]].
والحكمة من هذه الآيات هو أن البشر لا يمكن أن يقبلوا دعوة من شخص عاش بينهم يعرفونه فيأتي ويقول: إنه نبي أو إنه رسول، طيب بأي دليل؟ لا بد من آيات تدل على صدقه.
وكما قلت لكم: إن الآيات نوعان: آيات معنوية وهي ما يتضمنه الوحي الذي جاء به هؤلاء الرسل، وآيات حسية وهي ما يظهر من خوارق العادات؛ ولهذا قيل في تعريف الآية: إنها أمر خارق للعادة يظهره الله سبحانه وتعالى على يد الرسول تأييدًا له، هذه هي الآية.
فهذه الآيات قال العلماء: إنها تكون -أعني الآيات الحسية- تكون مناسبة للوقت الذي بُعِثَ فيه الرسول، واستشهدوا لذلك بأن موسى عليه الصلاة والسلام أُعْطِي آيات سحرية -أي تشبه السحر- لكنها أقوى منه تغلبه، فيضع العصا وهي من خشب على الأرض فتنقلب حية تسعى، ويدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء تلوح من غير عيب أي من غير برص؛ وهذا لأنه في وقته كان للسحر طور عال مرتفع، فجاء بآيات تغلب ذلك السحر، ويظهر هذا حينما اجتمع مع السحرة في اليوم الذي وعدهم فيه، فألقوا حبالهم وعصيهم حتى خُيِّلَ إليه من سحرهم أنها تسعى، فأوجس في نفسه خيفة موسى، فقال الله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ﴾ [طه ٦٨] وأمره أن يضع العصا فوضعه فإذا هي حية تلقف ما يأفكون.
ثم عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام بُعِثَ في زمن تَرَقَّى فيه الطب ترقيًّا عظيمًا بالغًا، فجاء بأمر يعجز عنه الأطباء، يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، ويحيي الموتى بإذن الله، بل يخرج الموتى من قبورهم بإذن الله، يقف على صاحب القبر فيخاطبه ويقول: اخرج فيخرج؛ وهذا أعظم من الطب الذي أتوا به.
أما محمد عليه الصلاة والسلام فقد بُعِثَ في وقت بلغت فيها البلاغة أَوْجَها، وصار الناس يتفاخرون أيهم أبلغ، فيأتي الشعراء ويأتي الخطباء إلى أسواق الجاهلية عكاظ وغيره يتبارون في أشعارهم وخطبهم، فجاء هذا القرآن قاضيًا عليها كلها وأعجزهم، وعجزوا عن أن يأتوا بآية منه مع أنهم هم أمراء البلاغة.
والمهم أنه لا بد لكل نبي من آية يؤمن على مثلها البشر؛ لأن الله سبحانه وتعالى حكيم ورحيم، حكيم لا يرسل شخصًا يقول للناس: أنا رسول بدون بينة، ورحيم حيث أَيَّد هؤلاء الرسل بالآيات من وجه، ورحم الخلق فجعل مع الرسل آيات من أجل أن تكون حجة الرسل مقبولة إليهم.
﴿تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا﴾ الفاء عاطفة، وتدل عل مبادرة هؤلاء بالكفر وأنهم لم يتأملوا ولم ينظروا، وجه ذلك أن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب، ﴿فَكَفَرُوا﴾ أي: بالرسل وبالبينات التي جاؤوا بها.
﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أهلكهم، ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أهلكهم الله سبحانه وتعالى بعامة إلا من آمن.
ثم بَيَّن أن هذا الأخذ شديد؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ قوي أزلًا وأبدًا، فلم يسبق قوته ضعف ولا يلحقها ضعف، أما البشر فإنهم ضعفاء أولًا ونهاية، ومنتهى قوتهم أيضًا ليس بشيء، حتى وإن بلغ الإنسان أشده وبلغ غاية قوته فإنه ليس بشيء، أما الرب عز وجل فإنه قوي أزلًا وأبدًا.
﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ هذا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها. المعنى: عقابه شديد، الشديد يعني الصَّلف القوي الذي تحصل آثاره على من عوقب.
* في هذه الآية فوائد:
* منها: بيان سبب إهلاك الأمم وأن ذلك بذنوبهم؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه من أمة إلَّا خلا فيها نذير وجاءها رسول.
* ومن فوائدها: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام بعثوا بالآيات البينة الظاهرة.
* ومن فوائدها: إقامة الحجة على الخلق بإرسال الرسل أولًا ثم بتأييدهم بالآيات البينات التي لا تدع مجالًا للشك أو للإنكار.
* ومن فوائد هذه الآية: أن هؤلاء الذين أُرْسَل إليهم لم يشكروا النعمة، بل بادروا بالكفر والتكذيب.
* ومن فوائدها: أنه لو تأمل العاقل ما جاءت به الرسل ما أدى ذلك إلى كفره، لكن غالب المكذبين للرسل يبادرون بالتكذيب؛ قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، وأن الله تعالى ربط المسببات بأسبابها، وهذا يدل على تمام حكمة الله، وأنه عز وجل لم يفعل شيئًا عبثًا ولا لمجرد المشيئة، خلافًا لمن قال من الجبرية وغيرهم: إن الله تعالى يفعل ما يشاء لمجرد المشيئة وليس لحكمة، وأنكروا حكمة الله، وقالوا: إن الحكمة تقتضي النقص، وهذا من غرائب الأفهام، الحكمة تقتضي النقص؟ قالوا: نعم، لأن الحكمة غرض فإذا فعل لكذا فإنه محتاج لهذا الغرض؛ فيقال لهم: تبًّا لكم ولأفهامكم، الحكمة هي غاية الحكم؛ أي أن الحكمة أكبر ما يدل على البعد عن السفه واللعب.
وأما قولكم: إن الحكمة غرض فإذا قلتم: إن الله فعل كذا لكذا لزم من ذلك أن يكون الله محتاج إليه فيقال: الحكمة التي يَشْرَع الله الشرائع من أجلها لا تعود إلى نفسه إلا من حيث الكمال فقط، أما المصلحة فالذي ينتفع بها مَنْ؟ الخلق، أما الله عز وجل فإن حكمته لا تعود إليه بشيء سوى بيان كمال صفاته عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القويِّ اسمًا من أسماء الله، وهو من الأسماء اللازمة أو المتعدية؟ اللازمة، قادر من الأفعال المعتدية، لكن القوي من اللازمة، وعلى هذا فلا بد من إثباته وإثبات ما دلَّ عليه من الصفة وهي القوة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى شديد العقاب، ولكن لمن عصاه.
* ومن فوائدها: التحذير من مخالفة الله؛ لأنه قوي وشديد العقاب، فيا ويح مَنْ خالف أمر ربه؛ سيتعرض لشدة العقاب من ذي قوة لا يلحقها ضعف ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.