×
النساءالآية ٧٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنۢ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُۥ مَوَدَّةٌ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿٧٣﴾

وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ [النساء ٧٣]. الجملة شرطية وقسمية؛ شرطية لوجود (إنْ)، وقسمية لوجود اللام؛ فاللام في قوله: ﴿وَلَئِنْ﴾ لام القسم؛ موطِّئة للقسم، و(إنْ) شرطية، و﴿لَيَقُولَنَّ﴾ واقعة في جواب القسم، وقد تنازعها الشرط والقسم، فهل نجعلها للقسم أو نجعلها للشرط؟ يوضح ذلك ابن مالك رحمه الله في قوله: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ أين المؤخر هنا؟ * طلبة: الشرط. * الشيخ: الشرط، فجواب الشرط محذوف، والذي بقي جواب القسم، ولهذا قُرِن الجواب باللام ولم يقع مجزومًا جوابًا للشرط، وهذا قاعدة عند النحويين: أنه إذا اجتمع شرط وقسم فإنه يُحذف جواب المؤخر إما الشرط وإما القسم؛ تقول: واللهِ إنْ قام زيد، أيُّهما مؤخر؟ * طلبة: الشرط. * الشيخ: الجواب: ليقومن عمرو، وتقول: إنْ قام زيدٌ واللهِ..؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لا، (...) إن قام زيد والله يقم عمرو، المهم أن المؤخر هو الذي يحذف جوابه، هذه قاعدة عند النحويين. يقول: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الفضل هنا يراد به النصر والغنيمة، ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ أي: هذا المبَطِّئ، ﴿كَأَنْ لَمْ يَكُنْ﴾ وفي قراءة: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾؛ القراءة المشهورة: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ والثانية: ﴿كَأَنْ لَمْ يَكُنْ﴾ ، ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أي: محبة وصحبة، ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ هذا مقول القول، مقول قوله: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾، ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ أي: أتمنى أني معهم ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، والفعل هنا منصوب بفاء السببية على رأي ذوي التسهيل واليُسر، من هم؟ الكوفيون، وبـ(أنْ) مضمرة بعد الفاء على رأي الْمُقَعِّدين البصريين؛ فالتقدير: فأن أفوز فوزًا عظيمًا، وإنما نُصِب الفعل بذلك لأنه واقع في جواب التمني. ومعنى الآيات أن هذا القِسم من الناس الذي يبطِّئ نفسه ويبطِّئ غيره فلا يخرج للقتال في سبيل الله يبقى متفرِّجًا، إن أصابكم مصيبة افتخر واحتقركم لكونكم خرجتم في حالٍ خُذِلتم فيها، وافتخر لكونه نجا من أيش؟ من هذه المصيبة، وإن أصابكم فضل فحينئذ يتمنى أن يكون معهم ليفوز بالفضل الذي هو النصر والغنيمة، وحينئذ نعرف أن هذا الرجل لا يقصد القتال في سبيل الله، وإنما يقصد الدنيا فقط. وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ الجملة لا يخفى أنها جملة معترضة، ولكن هل محلها هذا المكان؟ الجواب: قال كثير من المفسرين: إن محلها ما قبلها، والمعنى: قال كأن لم تكن بينكم وبينه مودة: قد أنعم الله عليَّ، ولكن الصحيح أنها ليس فيها تقديم وتأخير وأن مكانها هو مكانها، وليس شيء أفصح من كتاب الله، وإنه يقول: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾، يعني كأنه لا يريد أن يبين أن تمنيه لكونه معنا من أجل المودة التي بيننا وبينه، ولكن من أجل ما حصل من الفضل الذي هو النصر والغنيمة، وأما المودة فكأنها قُطِعت حتى في هذه الحال التي فيها الفوز بالنصر كأن لم تكن بينكم وبينه مودة. والفوز في قوله: ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لأنه يرى أن أكبر شيء هو الفوز بالدنيا فقط، والحقيقة أن الفوز الأعظم الذي لا فوز أكبر منه هو ما ذكره الله في قوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران ١٨٥]. وخلاصة الآيتين: أن من الناس من هو منافق لا يريد قتالًا في سبيل الله وإنما يقاتل لأجل الدنيا، فإن أصابتكم مصيبة من هزيمة وذل افتخر عليكم واحتقركم وقال: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾، وأما إذا كان العكس وانتصرتم وأصابكم فضل من الله فحينئذ يتمنى أن يكون معكم ليفوز الفوز العظيم الذي هو غاية مناه، وهو النيل من الدنيا. * نأخذ الفوائد: * أولا: في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء ٧٢] دليل على أن التكاسل في الخير والتراجع عنه من أسباب النفاق، وهو كذلك، والتباطؤ عن الخير والتكاسل عنه ليس سببا للنفاق فحسب، بل هو سبب للضلال والعمى والعياذ بالله كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]، وقال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]، ولهذا يجب على الإنسان متى تبين له الحق أن يأخذ به وألَّا يتهاون لئلَّا يصيبه ما أصاب هؤلاء، بل يسارع ويعمل، وقد أحسن من انتهى إلى ما سلف. * ومن فوائد هذه الآية: بيان حال صنف من الناس الذين لا يريدون القتال في سبيل الله وإنما يريدون الدنيا، وأنهم إذا أُصيبَ من كانوا بصدد الخروج معه افتخروا بأنهم نجوا من ذلك، وإن أُصيبَ هؤلاء بالفضل والنصر تمنَّوا أن يكونوا معهم، فيكون مرادهم الدنيا وليس مرادهم القتال في سبيل الله، أما الذي مراده القتال في سبيل الله فإنه على العكس من ذلك؛ إذا أُصيبَ بمصيبة فاستُشهِد فإنه ينتقل من حالٍ إلى أفضل منها؛ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران ١٦٩]، وإن أصابه فضل ونصر حمِد الله عز وجل، وسأل الله أن يؤتيه من فضله وجعل هذا عونًا على طاعته.