تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًا ﴿٦٣﴾
أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يخفى عليه ما في الصدور؛ لقوله: ﴿يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن الإنسان مؤاخَذ على كسب القلب، ولا يعارض هذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[أخرجه البخاري (٥٢٦٩) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن حديث النفس ليس فيه استقرار، يعني أن الإنسان يحدّث نفسه لكن لا يستقر، فإن استقر صار عملًا.
ولهذا قال العلماء: للقلب عمل وللنفس حديث، فعمل القلب هو أن يستقر على الشيء ويأخذ به، فما هو الذي توعّد الله عليه في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾؟ الجواب: هو عمل القلب؛ أن الإنسان يعمل بقلبه، أي يطمئن للشيء الذي حدثته به نفسه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإعراض حيث لا ينفع الكلام؛ لقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية منسوخة بآيات الجهاد، وليس كذلك، بل آيات الجهاد في شيء وهذه في شيء آخر؛ هذه في مجادلة المنافقين، والمنافقون لا يمكن أن يجاهَدوا بالسلاح؛ لأنهم يظهِرون أنهم مسلمون، ولا يمكن أن يجاهَدوا إلا بالعلم والبيان، فإذا بيّنّا لهم ولكن استمروا في الجدال فإننا نعرض عنهم.
ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: إذا أتاك مجادل فبيِّن له السنة ولا تجادله؛ لأنك إذا بيّنت له السنة جعلت الحجة عليه بين يديه، فإن جادل فإنه يجادل مَن؟ يجادل الله لا يجادلك أنت، بيِّن السنة ولا تجادل فيها مجادلًا؛ لأن الواجب على من تبيّنت له السنة أن يقبل بدون جدال.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا أعرض الإنسان عن هؤلاء المنافقين وأمثالهم فإنه لا يتركهم بدون موعظة، بل يعظهم لعلهم ينتفعون؛ لقوله: ﴿وَعِظْهُمْ﴾، وقد سبق لنا معنى الموعظة وهي؟
* طالب: تذكير الله مقرونًا بالترغيب والترهيب.
* الشيخ: التذكير مقرونًا بالترغيب والترهيب، نعم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان إذا تكلم أن يتكلم بكلام بليغ يصل إلى النفس؛ لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه من آداب المتكلم أن يتجه إلى المخاطب؛ لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾؛ لأن كلمة (لهم) تعني أن يتوجه الإنسان القائل إلى مخاطَبه، فلا يتكلم وهو معرِض أو يتكلم وتلقاء وجهه إلى محل آخر، بل إذا أراد أن يتكلم مع شخص في موعظة فليكن اتجاه وجهه إلى هذا الرجل؛ لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾.