×

النساء

الآية ٦١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ﴿٦١﴾

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء ٦١]، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ الضمير يعود إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وما أُنزل من قبل، وهم المنافقون من أهل الكتاب الذين نافقوا من أهل الكتاب، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾: أقبلوا، ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني القرآن، ولم يقل: إلى القرآن، إشارة إلى بيان منزلته وعلو مرتبته، وهو أنه منزّل من عند الله؛ لأن ما نزل من عند الله تقوم به الحجة على كل أحد. ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾، ولم يقل: إلى قول الرسول؛ لأنهم يُدعَون إلى الحضور إلى حضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يأتون إليه ليناقشهم ويبيّن لهم، و(أل) في قوله: ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ للعهد الذهني؛ وذلك لأن العهود ثلاثة: ذهني، وذِكْري، وحضوري؛ فإن كانت (أل) تشير إلى شيء مذكور فالعهد ذكري، مثل قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦]، مَن الرسول هنا؟ موسى الذي أُرسل إلى فرعون. وتكون للذهني إذا كان معلومًا بالذهن، كما يقول القائل لخصمه: اذهب بنا إلى القاضي، أي قاضٍ هو؟ قاضي البلد المعهود، وكما في هذه الآية الكريمة وأمثلتها كثيرة. وتكون للعهد الحضوري مثل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣]، أي: اليوم الحاضر، ومن ضوابط هذه أن تأتي بعد اسم الإشارة، مثل: هذا الرجل، هذا اليوم، هذا الأسبوع، فما تأتي بعد اسم الإشارة فهي أيش؟ للعهد الحضوري؛ لأن اسم الإشارة يدل على شيء حاضر مشارٍ إليه، فتكون (أل) الواقعة بعدها تكون للعهد أيش؟ الحضوري. إذن ﴿الرَّسُولِ﴾ يعني محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسُمي رسولًا؛ لأن الله أرسله وجعله واسطة بينه وبين عباده في تبليغ شرعه، وإرسال الله إياه أكبر دليل على تزكيته، وأنه أهل لتحمل الرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فالنبي عليه الصلاة والسلام جمع بين الأمانة وبين القوة في إبلاغ الرسالة؛ ولهذا لا أحد أشد وأقوى أمانة منه، ولا أحد أشد صبرًا منه على ما يناله من تبليغ رسالة الله عز وجل. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾، جملة ﴿رَأَيْتَ﴾ جواب الشرط في قوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾، والتاء في قوله: ﴿رَأَيْتَ﴾ للخطاب، ومَن المخاطَب؟ إما الرسول؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾؛ لأن السياق كله في خطاب الرسول، ويحتمل أن تكون للعموم، لكن كونها للرسول أقرب إلى السياق. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ اسم فاعل من (نافَق)، وهو مأخوذ من نافِقَاء اليربوع، أي جحره، وجحر اليربوع مبني على الخداع؛ لأن الجربوع أو اليربوع ذكي، يجعل له بابًا في جحره يدخل منه، ويجعل له بابًا من قشرة الأرض في أقصى الجحر، فإذا زاحمه أحد من الباب المعهود المفتوح خرج من الباب الخفي فخادع، فلهذا أُخذ منه كلمة (منافق). وقد قيل: إن هذه الكلمة كلمة محدَثة شرعية، أي: لا يُعرف معناها في اللغة بهذا المعنى؛ لأن الجاهلية كفر ما فيه إيمان، والمؤمن يكون مؤمنًا بما بقي من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أو يكون متنصّرًا كورقة بن نوفل، أو ما أشبه ذلك، لكن بعد أن ظهر خُبث هؤلاء أنهم يُظهرون للناس أنهم مؤمنون وهم كافرون جاءت هذه الكلمة. وقوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ فيها نكتة بلاغية وهي؟ * طالب: (...) كان من الممكن أن يُضمر. * الشيخ: الإظهار في موضع الإضمار، هذه النكتة البلاغية؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتهم، هذا مقتضى السياق، لكن قال: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، وإذا جاء الإظهار في موضع الإضمار فإن له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: عِلِّية الحكم؛ لأن هذا المظهر يفيد أن العلة في هذا الحكم هذا الشيء، فالعلة في صده هو أيش؟ النفاق. الفائدة الثانية: التسجيل على مرجع الضمير بهذا الوصف، أي أن مرجع الضمير لو كان متصفًا بهذا الوصف، وهو أيش؟ وهو النفاق، لكن لو قال: رأيتهم، لم نعرف أنهم كانوا منافقين. الفائدة الثالثة: العموم، أي أنه يعم هؤلاء وغيرهم من المنافقين، ولو قال: رأيتهم، فقط، لم يشمل غيرهم، إذن الإظهار في موضع الإضمار له ثلاث فوائد. * طالب: التسجيل والعموم.. * طالب آخر: علّية الحكم. * الشيخ: والعموم، هذه ذكرها خالد. * الطالب: مرجع للضمير. * الشيخ: لا. * طالب: التسجيل عليهم بالوصف. * الشيخ: صح، يعني التسجيل عليهم بالوصف، أي أن هذا الوصف ينطبق عليهم، أي على من يرجع عليه الضمير. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، هنا ﴿يَصُدُّونَ﴾ نفس الفعل يصح أن يكون متعديًا ويصح أن يكون لازمًا، يقال: صد بنفسه، ويقال: صد غيره، هنا من الأول أو من الثاني ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾؟ * طلبة: الثاني. * طالب: يشمل الاثنين. * الشيخ: يا إخواني، ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، من الأول الذي هو اللازم، أي: يُعرضون عنك. وقوله: ﴿صُدُودًا﴾ هذا مصدر مؤكِّد، ويجوز أن يكون مصدرًا نوعيًّا؛ المصدر المؤكِّد هو الذي يؤكد عاملَه لينتفي المجاز؛ وذلك لأن الفعل قد يراد به المجاز، أي أنه أُسند إلى الفاعل مجازًا، فإذا أُكد زال احتمال المجاز، ويحتمل أن يكون مصدرًا نوعيًّا، أي أنه صدود عظيم، فهو موصوف بوصف محذوف، والتقدير: صدودًا عظيمًا، وأيهما أبلغ؟ الثاني أبلغ؛ لأنه ينتظم الأول، ولا عكس. فهؤلاء -والعياذ بالله- إذا قيل: تعالوا إلى ما أنزل الله إلى القرآن لنتحاكم إليه، وإلى الرسول لنتحاكم إليه، ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، يعني رأيتهم في نفاقهم وانغماسهم في النفاق يصدون عنك صدودًا. وهنا قال: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾، ولم يقل: يصدون عن الذي قال لهم؛ لأنهم لا يهمهم من قال لهم، الذي يهمهم هو الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد يصدون عن الرسول ولا يأتون، ولكن لا يصدون عن الذي دعاهم، ربما يقابلونه بوجه طلق وحسن لكن يصدون عن الرسول، فلهذا لم يقل: يصدون عنه، أي: عن القائل، بل قال: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾؛ لأن هذا هو مرادهم. ﴿