×
النساءالآية ٤١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا ﴿٤١﴾

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ لما ذكر أن الله عز وجل لا يظلم مثقال ذرة قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ والاستفهام هنا للتعظيم أو للتعجب؛ يعني كيف تكون الحال إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وذلك يوم القيامة يأتي الله تعالى من كل أمة بشهيد، والشهيد هو الرسول؛ يشهد على أمته بأنه بلّغ رسالة ربه، هذا شهيد كل أمة، وهناك شهادة عامة، وهي شهادة هذه الأمة على من قبلها من الأمم كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة ١٤٣]. وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ أُمّة جاءت في القرآن الكريم لعدة معانٍ: المعنى الأول: الطائفة، كهذه الآية وكقوله تعالى: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص ٢٣]. المعنى الثاني: الإمامة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل ١٢٠]. المعنى الثالث: الزمن، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥] أي: بعد زمن ومقداره: بضع سنين كما قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف ٤٢] هل لها معنى رابع؟ ما هو؟ الدين، كقوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢]، وقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ المشار إليه أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، جئنا بك شهيدًا على هؤلاء ماذا تكون الحال؟ ولما بلغ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذه الآية حين أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقرأ كان يقرأ في النساء؛ عبد الله بن مسعود، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «اقْرَأْ». قال: كيف أقرأ وعليك أنزل؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ الْقُرْآنَ مِنْ غَيْرِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٤٩)، ومسلم (٨٠٠ / ٢٤٨ ) من حديث ابن مسعود.]]. فقرأ حتى إذا بلغ هذه الآية قال: «حَسْبُكَ». فقال: فنظرت فإذا عيناه تذرفان عليه الصلاة والسلام، فالله عز وجل سوف يستشهده على أمته يوم القيامة أنه بلّغ البلاغ المبين، ولهذا استشهدهم هو عليه الصلاة والسلام ليقروا على أنفسهم بذلك، استشهدهم في حجة الوداع حين خطبهم وقال: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟». قالوا: نعم. فرفع أصبعه إلى السماء، وجعل ينكتها إلى الناس: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» ثلاث مرات، «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟». قالوا: نعم. قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قالوا: نعم. قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩ / ٣١) من حديث أبي بكرة.]]. ولا شك أن الصحابة رضي الله عنهم يمثّلون الأمة كلها؛ فإقرارهم بأنه بلّغ هو إقرار للأمة جميعًا، ونحن نشهد أنه بلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام، وأنه ترك الأمة على محجّة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ ﴿شَهِيدًا﴾ حال من الكاف في قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عظمة هذه الشهادة، يؤخذ من الاستفهام الدال على التفخيم والتعظيم. * ومن فوائد هذه الآية: أن الناس يوم القيامة تقام عليهم الأشهاد، يشهدون عليهم بأنهم بُلّغوا. * ومن فوائدها: أن كل رسول يشهد على قومه بأنه بلغهم؛ لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى عن عيسى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة ١١٧]؟ فالجواب: هذا لا يُعارض ما ذُكر هنا، فإنه شهد على أمته الذين باشر إبلاغهم الذي هو عيسى عليه الصلاة والسلام، أما بعد موته فإن الأمر إلى الله عز وجل هو الذي يتولاهم ويتولى مَنْ بعدهم. * ومن فوائد هذه الآية: أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم سيكون شهيدًا علينا؛ لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. فإن قال قائل: هل الذين ورثوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم العلماء هل يكونون شهداء على الأمة؟ الجواب: نعم، يكونون شهداء على الأمة؛ لأنهم هم الطريق الذين بلغوا رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولهذا جاء في الحديث: «أَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ»[[أخرجه أبو داود في سننه (٣٦٤١) من حديث أبي الدرداء.]].