×

النساء

الآية ١٥٧

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا ﴿١٥٧﴾

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ هذا أيضًا مما ادعاه اليهود بنو إسرائيل، يقولون ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ شوف، ذكروه باللقب والاسم والكنية، المسيح لقب، الاسم عيسى، ابن مريم الكنية؛ هذا لا شك أنه وقع من اليهود، قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم حتى لا يقع اشتباه فيه يعني ذكروه بالاسم وباللقب والكنية لئلا يقع اشتباه، وهذا من باب التوكيد توكيد العين والشخص بأنه هو المراد. أما ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ فقد اختلف المفسرون فيها؛ هل هذا من قولهم أو من قول الله؟ فقال بعض أهل العلم: إنه من قول الله، يعني لما قال هؤلاء المسيح عيسى بن مريم هم لا يقرون بأنه رسول إذ لو كان رسولًا ما قتلوه؛ لكن الله تعالى قال: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ كأنه سبحانه يقول: إنه لا يستحق أن يُقْتَل لأنه رسول. وقال بعض المفسرين: إن هذا من كلامهم، وإنهم قالوا ذلك على سبيل التهكُّم؛ يعني الذي يزعم أنه رسول الله، وأن هذا كقول قريش للرسول ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر ٦] كيف نُزِّلَ عليه الذكر وتقول: إنه مجنون؟! لكن هذا من باب التهكم؛ على كل حال، القرآن عظيم جاء بهذه الصيغة من أجل أن يدير الإنسان فكره في كل ناحية، يتأمل أيهما أحق. ويمكن أن يقال: قاله الله تعالى تكريمًا وتعظيمًا لعيسى عليه الصلاة والسلام، وقاله هؤلاء استهزاء وتهكُّمًا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ القتل موجود، هم قالوا: قتلنا المسيح؛ لكن أين الصلب؟ يقولون: هذا من باب حذف المعلوم بالسياق، هنا هم قالوا: قتلنا وصلبنا. قاله الله تعالى تكريمًا وتعظيمًا لعيسى عليه الصلاة والسلام، وقاله هؤلاء أيش؟ استهزاءً وتهكمًا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النساء ١٥٧] القتل موجود؛ هم قالوا: قتلنا المسيح. لكن أين الصلب؟ يقولون: هذا من باب حذف المعلوم بالسياق؛ هنا هم قالوا: قتلنا وصلبنا. لكن طوى ذكره اكتفاءً بما سيذكر. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ وهم قالوا: إنا قتلناه وصلبناه، والصلب: أن توضع خشبة على طول جسد المصلوب ويُعرَض فوقها على حذاء عضديه عارضة، ثم يُوقف ويُشدّ على هذه الخشبة وتُربَط يداه على العارضتين، هذا هو الصلب؛ ولذلك اتخذ النصارى لسفههم وضلالهم وقلة عقولهم اتخذوا الصليب الذي صُلِب عليه نبيهم أيش؟ إلهًا، وعلى الأقل مقدَّسًا، مع أنهم لو كانوا عُقَلاء لكانوا إذا رأوا الصليب كسروه وأوقدوا به النار، لكنهم سفهاء ضُلَّال لا يميزون بين الحق و الباطل. قال: ﴿وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ﴿شُبِّهَ﴾ أي: أُلقِيَ شَبَهُهُ على شخصٍ آخر فقتلوا هذا الشخص، شوف الضلال والفتنة؛ ألقى اللهُ شبهه على رجلٍ فقتلوا هذا الرجل وصلبوه وقالوا: قتلنا المسيح. وقد اتفق جميع الذين كانوا حاضرين معه على أنه رُفِع كما قال الله عز وجل، ونحن لسنا بحاجة إلى شهادة أحد بعد شهادة الله عز وجل. من الذي شُبِّه؟ قيل: إن الذي شُبِّه هو نفسه الذي دلَّ اليهود على عيسى؛ لأن اليهود كانوا يبحثون عن عيسى، وعيسى -كما تعلمون- كان يسيح في الأرض هو وأُمُّه خوفًا على نفسه من اليهود، فقيل لهم: إنه كان في البيت الفلاني. فأرسلوا أُمَّة لقتله، وكان دليلهم واحدًا منهم، فلما وصلوا إلى البيت الذي هو فيه وأصحابه -نحو ثلاثة عشر نفر أو اثني عشر- دخل الذي يدلُّ عليه ليتأكد، فلما دخل ألقى الله عليه شَبَه عيسى، سبحان الله! عُومِل بنقيض قصده، فدخل اليهود فأمسكوه، عيسى عيسى، قال: أنا صاحبكم. قالوا: أنت عيسى. فقتلوه وصلبوه. أما عيسى عليه الصلاة والسلام فيقال: إن الله فتح له كوة في الجدار وخرج من غير الباب، رفعه الله إليه سبحانه وتعالى. وقيل: إن الذي شُبِّه رجلٌ من قومه؛ من قوم عيسى، فقال لقومه الثلاثة عشر نفرًا قال: من يصبر على القتل فيُلقِي الله عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة. فقام شاب منهم وقال: أنا. فكأنهم استصغروه، فأعادها مرةً ثانيةً أو ثالثةً فقال: أنا. قال: أنت ذاك. فألقى الله شبهه عليه ونجا عيسى، وهذا الشاب هو الذي دخل اليهود عليه فقتلوه وصلبوه. يقول عز وجل: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أما عيسى عليه الصلاة والسلام فيذكر الله أنه رفعه. قال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ الذين اختلفوا فيه؛ فقيل: إنه عيسى، وقال بعضهم: ليس عيسى؛ كأنَّ الشبه ليس تامًّا، ففيه ملامح عيسى وفيه ملامح غيره، ولذلك اختلفوا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ١٥٩ - ١٦٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ أي: ما قتلوا عيسى وما صلبوه، واليهود ادَّعوا أنهم قتلوه وصلبوه، ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: أُلقِيَ شَبَهُهُ على شخصٍ. وسبق أن المفسرين اختلفوا في ذلك؛ فمنهم من قال: أُلقِيَ شَبَهُهُ على واحد ممن كانوا عنده، ومنهم من قال: إنه أُلقِيَ شَبَهُهُ على الذي دلَّ عليه من اليهود. واختلفوا؛ منهم من قال: قتلنا عيسى، ومنهم من قال: لم نقتله؛ لأن الشبه لا يقتضي المماثلة، ولعلهم لقُوَّة انفعالهم لم يتأنَّوْا كثيرًا، فأُلقِيَ الشبه على واحد منهم أو على مَن في البيت فقتلوه، ثم بعد قتْله تنازعوا: هل حقيقةً أنهم قتلوا عيسى أو لا؟ فاختلفوا فيه، وهؤلاء الذين اختلفوا لم يختلفوا عن علم، ولكن عن شكٍّ؛ منهم من قال: قتلناه، ومنهم من قال: لم نقتله، واختلفوا، وصار هذا في النهاية اختلافًا دينيًّا؛ فمن اليهود من أقرَّ بأنهم قتلوه، ومنهم من أنكر وقال: إن الذي قتلنا الشَّبَهُ شَبَهُ عيسى والجسد ليس جسده، اليهود اختلفوا فيه فمنهم من قال كذا ومنهم من قال كذا، والنصارى أيضًا اتبعوا؛ اتبعوهم في اختلافهم أيضًا، حتى النصارى اختلفوا فيه؛ يقول عز وجل: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾، فنفى الله عنهم أن يكونوا عالِمين. ووجه ذلك: أن العلم إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع إدراكًا جازمًا، هذا هو العلم، العلم: إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع إدراكًا جازمًا، وهؤلاء لم يَصِلُوا إلى هذا الحد، بل نعلم أنهم لم يعلموا هذا لأنهم ما قتلوه وما صلبوه. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ و﴿مَا﴾ هنا نافية، وهل هي حجازية أو تميمية أو حجازية لم تكمل شروطها؟ * طالب: حجازية لم تكمل شروطها. * الشيخ: حجازية لم تكمل شروطها. ما الذي اختلَّ من الشروط؟ * الطالب: (...). * الشيخ: عدم الترتيب بين اسمها وخبرها، وابن مالك يقول -رحمه الله- في الألفية: .................................. ∗∗∗ مَــــــــــــــعَ بَقَـــــــا النَّفْـــــــيِوَتَرْتِيــــــــــــبٍ زُكِــــــــــــــــنْ أي: عُلِم، وهنا الترتيب مختلف؛ لو قلتَ: ما زيدٌ قائمًا، كنتَ حجازيًّا، ولو قلتَ: ما زيدٌ قائمٌ، كنتَ تميميًّا، وقال الشاعر يصف معشوقته: وَمُهَفْهَفِ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ: انْتَسِبْ ∗∗∗ فَأَجَــــــابَ: مَـــا قَتْـــــــلُالْمُحِـــــــــبِّ حَـــــــــــــرَامُ إذن هي تميمية، ولو كانت حجازية لقالت: ما قتلُ المحب حرامًا، لكن لا تعمل عمل (ليس) عند الحجازيين إلا مع الترتيب وبقاء النفي، وهنا لا ترتيب، ولذلك نُعرب ﴿مَا﴾ نافية، و﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، و﴿عِلْمٍ﴾ مبتدأ مؤخر، لكن دخل عليه حرف الجر الزائد إعرابًا الزائد معنًى؛ لأن الحروف الزائدة إعرابًا تفيد تقوية الكلام. ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ ﴿إِلَّا﴾ هنا أداة استثناء، لكن الاستثناء منقطع، وعلامة الاستثناء المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، ونحن نعلم جميعًا أن اتباع الظن ليس عِلمًا، وعلى هذا فلا يكون الاستثناء هنا.. أتموا. * الطلبة: متصلًا. * الشيخ: لا يكون متصلًا، بل هو منقطع؛ لأن اتباع الظن ليس علمًا، فيكون المستثنى الآن من غير جنس المستثنى منه ويكون منقطعًا، وتُقدَّر (إلَّا) في الاستثناء المنقطع بـ(لكنْ)؛ يعني: ما لهم به من علم لكن اتباع الظن. ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ والظن هو الراجح من أحد احتمالين أو احتمالات؛ إذا كان الأمر يحتمل شيئين فأكثر ترجَّح أحدها فالراجح يُسمَّى ظنًّا، والمرجوح يُسمَّى وهمًا، وإن تساوى الأمران فهو شكٌّ، هذا عند الأصوليين. أما عند الفقهاء فالشكُّ ما يقابل اليقين، فيشمل الوهم والظن والشك، ولهذا قالوا: إذا تيقَّن الطهارة وشكَّ في الحدث فهو على طهارته، ومعنى (شك في الحدث) يشمل الظن والوهم والشك، لكنَّ الأصوليين رحمهم الله قسَّموا ما لا يكون عِلمًا إلى هذه الأقسام: ظن، وشك، ووهم. ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾، وحينئذٍ لا علم عندهم. هل لنا أن نأتي بمثال يكون فيه الاستثناء منقطعًا من القرآن سوى هذا؟ نعم كثير، مثل قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية ٢٢ - ٢٤] فهنا (إلا) الاستثناء منقطع؛ لأن انتفاء السيطرة على هؤلاء يشمل من كفر ومن كان غير كافر؛ ولهذا أتت (الفاء) في الجواب، والتقدير: لستَ عليهم بمصيطر، لكنْ مَن تولَّى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر. يقول جل وعلا: ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ﴿مَا﴾ نافية، ﴿قَتَلُوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ﴿يَقِينًا﴾ قيل: إنها مصدر في موضع الحال من (الواو) في ﴿قَتَلُوهُ﴾ أي: وما قتلوه متيقنين، ولكنهم في شكٍّ منه، فهنا يتناسب هذا مع قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ وقولِه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾، وعلى هذا فتكون ﴿يَقِينًا﴾ مصدرًا في موضع الحال، أين عاملها؟ * طالب: الواو. * الشيخ: لا، أين عاملها؟ * طالب: قتلوا. * الشيخ: قتلوا، وأين صاحبها؟ * الطلبة: الواو. * الشيخ: الواو، يعني: وما قتلوه متيقِّنين، وقيل: إن ﴿يَقِينًا﴾ مؤكِّدة للنفي؛ أي: ما قتلوه، أقول ذلك يقينًا. ولايصح أن تكون تأكيدًا للمنفي يعني: وما قتلوه قتلًا يقينًا بل قتلًا ظنيًّا، هذا لا يصح. إذن هي إما مصدر في موضع الحال من فاعل (قتلوا) والمعنى: وما قتلوه متيقنين ولكنهم في شكٍّ، أو أنها تأكيد للنفي؛ أي: وما قتلوه أنفي ذلك يقينًا، أو: أقول ذلك يقينًا. وعلى القاعدة التي مرَّت علينا في التفسير: أنه إذا احتمل الكلام معنيين فأكثر لا منافاة بينهما ولا مرجِّح لأحدهما؟ * الطلبة: حُمِل على المعنيين. * الشيخ: حُمِل على المعنيين جميعًا، وعلى هذا فنقول: كلمة ﴿يَقِينًا﴾ لها معنيان: المعنى الأول: ما قتلوه متيقنين، والمعنى الثاني: ما قتلوه أنفي ذلك يقينًا. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ هذه ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب، وهل هذا إضراب إبطاليٌّ أو انتقاليٌّ؟ * الطلبة: إبطاليٌّ. * الشيخ: إبطاليٌّ، وعلامة الإضراب الإبطاليِّ أن يكون مبطِلًا لما سبقه، وعلامة الانتقالي أن لا يكون مبطِلًا لما سبقه لكنه ينتقل من حال إلى حال؛ مثل قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل ٦٦] هذه انتقالية، لكن الإضراب هنا إضرابٌ إبطالي؛ ﴿بَلْ﴾ يعني: لم يصْدُقوا في دعواهم. ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أي: رفعه حيًّا أو ميتًا؟ * الطلبة: حيًّا. * الشيخ: حيًّا، رفعه الله تعالى إليه حيًّا؛ إما من كوَّة في البيت أو من الباب، الله أعلم، كل ذلك ممكن، وكل ذلك بقدرة الله عز وجل. ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وأين كان؟ كان في السماء الثانية؛ دليل ذلك «أن النبي ﷺ حين عُرِج به وجد في الأولى آدم، ووجد في الثانية عيسى ويحيى، ووجد في الثالثة يوسف، ووجد في الرابعة إدريس، ووجد في الخامسة هارون، ووجد في السادسة موسى، ووجد في السابعة إبراهيم»[[أخرجه مسلم (١٦٢ / ٢٥٩) من حديث أنس بن مالك.]]، إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أعلى هؤلاء منزلة عند الله عز وجل، ولهذا كان في السماء السابعة، وآدم في السماء الدنيا ليقرب من بنيه؛ فإنَّ بنيه كانوا في الأرض، وأقربُ ما يكون من السماوات هو السماء الدنيا، أقربُ ما يكون إلى الأرض هو السماء الدنيا، وفضْل الله واسع يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. إذن ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ إلى أيِّ مكان؟ إلى السماء الثانية مع ابن خالته يحيى، لكن يحيى ليس مرفوعًا في حالِ حياته، إنما هو مرفوع بعد أن مات. ﴿