×

النساء

الآية ١٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَـٰلِدًا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿١٤﴾

وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تقسيم المخالف إلى عاصٍ ومتعدٍّ للحدود، فالمعصية هنا فعل المحرم، وتعدي الحدود ترك الواجب أو الغلو فيه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن معصية رسول الله كمعصية الله؛ لأنه قرنها بمعصية الله بحرف يقتضي التسوية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من جمع بين الأمرين: المعصية وتعدي الحدود فإنه يدخل النار، ولكن هل هو دخول أبدي أو دخول موقت؟ يقال: حسب المعصية؛ لأن الله ذكر في الآيات التي قبلها أن من أطاع الله ورسوله دخل الجنات، وهنا قال: من عصى الله ورسوله دخل النار، فيقال: الطاعة الغالبة يدخل فيها صاحبها الجنة بدون أن يدخل النار، والمعصية الغالبة يدخل فيها، الغالب إن ما فيها طاعة يدخل فيها النار (...)، والجامع بين الطاعة والمعصية هذا يدخل النار والجنة؛ لأنه وجد فيه سببَا دخولِ الجنة والنار، فيعطى الحكم ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ ٢٦]، وعلى هذا فالعاصي معصية مطلقة والمتعدي للحدود تعديًا مطلقًا هذا يدخل النار ولا يدخل الجنة، والذي جمع بين المعصية والطاعة: إن غلبت الطاعة لم يدخل النار، وإن غلبت المعصية دخل النار بقدر ذنبه وخرج منها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الخلود في النار؛ لقوله: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن الخلود في النار مؤبد في آيات ثلاث من القرآن: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن، ففي سورة النساء قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨- ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤- ٦٥]، وفي سورة الجن قال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]، وإذا كان الله تعالى ذكر التأبيد في آيات ثلاث، فإن أي قول يخالف ذلك فهو ساقط؛ لأن من لزوم الخلود لزوم المكان، إذا قيل: هذا خالد في النار أبدًا، لزم أن يكون المكان الذي يخلد فيه أيش؟ مؤبد، وإلا فلا معنى للتأبيد، فالقول لبعض العلماء: إنهم خالدون فيها أبدًا ما دامت باقية، قول ساقط، لا وجه له من النظر؛ لأن الله صرح بالتأبيد؛ تأبيد الخلود، ويلزم من تأبيد الخلود في المكان أبدية المكان، وإلا لم يكن فائدة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذين في النار -والعياذ بالله- يعذبون عذابًا مهينًا، أي: ذا إهانة، ليسوا مكرمين. فإن قال قائل: كيف تجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٨، ٤٩]؟ فالجواب من أحد وجهين: إما أن يكون ذلك على سبيل التهكم به، وإما أن يكون هذا ليذكر حاله في الدنيا، يعني: أنت العزيز الكريم في الدنيا، حتى يزداد حسرة وهو أنه كان في الدنيا عزيزًا كريمًا والآن ذليلًا مهينًا، وكلا الأمرين -والعياذ بالله- يحصلان لهذا الذي يوجه إليه هذا الخطاب، يصب من فوق رأسه الحميم ثم يقال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾، لا شك أنه سوف يرى أنه يقال له ذلك على سبيل التهكم، ثم يذكر هو أيضًا حاله في الدنيا وأنه في الدنيا عزيز مكرم والآن وصل إلى هذا الحد من الإهانة.