×

النساء

الآية ١٢٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا ﴿١٢٠﴾

يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ﴿يَعِدُهُمْ﴾ الضمير؛ ضمير الفاعل يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾. والهاء ضمير المفعول به يعود على العباد الذين أضلهم الشيطان. يعدهم بماذا؟ يعدهم بأشياء يتمنونها ويرجونها فيتبعونه؛ فمثلًا يقول له: افعل هذه المعصية وتب إلى الله، افعل هذه المعصية وهي صغيرة، افعل هذه المعصية ولك كذا وكذا، كما قال لآدم: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾. ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ يعني: يُرَجِّيهم ويفتح أمامهم الآمال الكاذبة. ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ وهنا إظهار في موضع الإضمار، وكان مقتضى السياق أن يقول: (وما يعدهم إلا غرورًا)، لكنه أظهر في مقام الإضمار لإظهار عداوته، كما قال تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا﴾. وقوله: ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ يعني: إلا خداعًا وباطلًا. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء ١٢٠- ١٢٥]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حقيقة الأصنام، وأنها من الجنس الضعيف؛ لقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، وقد سبق لنا في التفسير هل المعنى أنهم يسمون الأصنام بأسماء الإناث، أو أن هذه الأصنام لضعفها مثل الإناث بالنسبة للذكور. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الطاعة تسمى دعاء وعبادة؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن الشيطان يغوي بني آدم حتى يضلهم إلى هذا الحد، فيجعلهم عبادًا له.. تسمى دعاءً وعبادة؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن الشيطان يغوي بني آدم حتى يضلَّهم إلى هذا الحد، فيجعلهم عبادًا له، وقد سبق لنا هل كلمة (مَريد) صفة كاشفة، أو صفة مقيِّدة، بمعنى: هل الشياطين كلهم مردة أو أنهم ينقسمون؟ ذكرنا في هذا قولين؛ يحتمل أن هذا صفة كاشفة، والمعنى: أن كل شيطان فهو مريد، ويحتمل أنها صفة مقيِّدة، وأن الشياطين ينقسمون إلى مردة ودونهم. ثم قال تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾، إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله لعن الشيطان؛ لقوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الانصياع لأوامر من لعنه الله؛ لأن هذه الجملة كالتعليل لذمهم حينما عبدوا الشيطان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشيطان أقسم بأن يتخذ من عباد الله نصيبًا مفروضًا؛ لقوله: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. * ومن فوائدها: إثبات القول للشيطان، وأنه يقول كما أنه يفعل أيضًا، وقد أخبر النبي ﷺ «أَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَشَرَبُ بِشِمَالِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٠٢٠ / ١٠٦) بلفظ: «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِهَا» من حديث ابن عمر.]]، فهو يقول ويفعل، ويُمنِّي ويَعِد ويغُرُّ. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن نصيب الشيطان من عباد الله مفروض، أي: مقدَّر لا بد أن يكون، وهذا كقوله تعالى في سورة هود: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]. ثم قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾، إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشيطان أقسم قسمًا مؤكَّدًا أن يُضلَّ هؤلاء النصيب الذين فُرِضوا له، وهذا القسَم له مدلوله. * فيتفرع عليه: أنه يجب علينا أن نحذر من وساوس الشيطان؛ لأنها كلها ضلال. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الإضلال الذي يقع من الشيطان لبني آدم مصحوب بالأمنيات، بمعنى أنه يُدخل عليهم الأماني وأنهم ينالون خيرًا، وأن المعاصي لا تضرهم، وأن التوبة قريبة، وما أشبه ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر ممن يضلك ويُدخل عليك الأماني الكاذبة؛ لأن الضلال كله شر. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم قطع آذان الأنعام إذا كانت على الوجه الذي يستعمله أهل الجاهلية، وقد سبق أن أهل الجاهلية يقطعون آذان الأنعام للإشارة إلى أنها محرمة مُسيَّبة، فهل يقال -بناء على ذلك-: لو أن الإنسان قطع آذان الأنعام لمصلحة دنيوية فهل يجوز أو لا؟ الجواب: يجوز؛ لأن هذا ليس من أوامر الشيطان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان يأمر بني آدم فيُغَيِّرون خلق الله؛ لقوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، وهل المراد تغييرهم خلقَ الله تعالى بالأنعام أو هو عام؟ الصواب: أنه عام، وقد مر علينا ذلك في التفسير، وأشرنا إلى حديث عبد الله بن مسعود. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأصل في تغيير خلق الله أيش؟ المنع؛ لأنه من أوامر الشيطان، وقولنا: الأصل، احترازًا من تغيير خلق الله الذي أمر الله به، كحلق العانة، والشارب، ونتف الإبط، وما أشبه ذلك، فإن هذا من التغيير ولكنه مأذون فيه، فلا يدخل في أوامر الشيطان؛ إذ إن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء. وهل من تغيير خلق الله صبغ الشيء بالسواد؟ الجواب: نعم؛ لأن هذا الذي صبغ بالسواد أراد أن يعيد نفسه شابًّا، فيغير خلق الله من الشيخوخة إلى الشباب؛ ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتغيير الشيب بغير السواد[[أخرجه مسلم (٢١٠٢ / ٧٩) بلفظ: «غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» من حديث جابر بن عبد الله.]]. وهل يدخل في تغيير خلق الله الوشم والوشر والنمص؟ نعم، كل هذا داخل. وهل يدخل في تغيير خلق الله حلق اللحية؟ نعم، يحتمل أن يقال: إنه داخل، لا سيما إذا أصرَّ الإنسان عليه وواظب عليه، ويحتمل أن يقال: إن هذا ليس تغييرًا؛ لأن اللحية تنبت، وإذا كانت تنبت لم يغير الخلق، لكن غالب الذين ابتُلُوا بحلق اللحية يستمرُّون عليه، فيكون عملهم هنا محاولة لتغيير خلق الله عز وجل، وقد صرَّح بعض العلماء بأن حلق اللحية من تغيير خلق الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من اتخاذ الشيطان وليًّا؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ﴾. فإن قال قائل: بماذا نعرف أن هذا الرجل موالي للشيطان أو لا؟ نقول: كل من عصى الله فإنه مُوَالٍ للشيطان، لكن الولاية قد تكون عامة، وقد تكون خاصة، فإذا أطاع الشيطان في الكفر والشرك كانت الولاية عامة، وإذا أطاعه في معصية من المعاصي كانت خاصة، وليُعلَم أنه يفوت من ولاية الإنسان لربه عز وجل إذا والى الشيطان بقدر ما والى به الشيطان. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن أكثر الخلق قد خسروا؛ لأن أكثر الخلق قد اتخذوا الشيطان وليًّا من دون الله. * ومن فوائد قوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ إلى آخره: التأكيد على التحذير من الشيطان ووعده وأمانيّه، فتكون الجملة الأخيرة ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ تكون تأكيدًا لقوله: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من غرور الشيطان، وإدخال الأماني والرجاء؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.