تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿٧١﴾
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧١] كيف يساقون؟
* طالب: يدَعُّون دعًّا.
* الشيخ: ما دليلك على هذا؟
* الطالب: قوله تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣].
* الشيخ: نعم، قوله: ﴿زُمَرًا﴾ معناها؟
* طالب: جماعات.
* الشيخ: جماعات متفرقة، كيف توزيع هذه الجماعات، هل هو بحسب الذنب وعِظَمه أو بحسب الأمم، يعني كل أمة وحدها؟
* الطالب: (...) جماعات بحسب الأمم، وأن غيرهم بالأعمال.
* الشيخ: يعني: قولان، أيهما أرجح؟
* الطالب: بالأعمال.
* الشيخ: الدليل؟
* الطالب: قوله ﷺ: «أَوَّلُ فَوْجٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٦)، ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: نعم، فالنار مثلها، يعني الأسبق إلى النار الأشد جرمًا، كالأسبق إلى دخول الجنة الأفضل عملًا.
قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧١] من الفاتح؟
* طالب: خزنتها.
* الشيخ: خزنتها.
قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر ٧١] الاستفهام هنا أيش؟
* طالب: للتقرير والتوبيخ.
* الشيخ: للتقرير والتوبيخ.
ما الفائدة في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾؟
* طالب: الفائدة في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أنها أبلغ مِنْ لو قال: من عندكم؛ لأن (منكم) رد عليهم أنه إذا كان ملك فإنهم لا يقبلونه.
* الشيخ: إحنا قلنا: هذا أبلغ من قوله: من أنفسكم؛ كيف ذلك؟
* الطالب: لأن (منكم) دلالة (...).
* الشيخ: يعني من قبائلكم التي تعرفونها، ولهذا قال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران ١٦٤]؛ من جنسهم؛ لأن الرسول ليس من كل قبيلة من المؤمنين، وفي الأميين: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] لأنه من العرب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ تقريرًا وتوبيخًا وتقريعًا ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٧١]، جملة ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ يجوز أن تكون حالًا ويجوز أن تكون صفة أخرى؛ لأن قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ صفة، والنكرة إذا وُصِفت جاز وقوع الحال منها، وجاز أن تكون الجملة صفة أخرى؛ لأنه لا مانع من تعدد الصفة، على أن الحال في الواقع صفة كما قال ابن مالك رحمه الله:
الْحَالُ وَصْفٌ فَضْلَةٌ مُنْتَصِبُ ∗∗∗ مُفْهِمُ (فِي حَالِ) كَـ(فَرْدًاأَذْهَبُ)
يقول: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ يتلون عليكم: أي يقرؤون عليكم آيات ربكم، والمراد بالآيات هنا الآيات الشرعية؛ لأن المراد بها ما نزل من الوحي.
وقول المؤلف: (القرآن وغيره) يعني أنه يشمل كل الكتب التي أنزلت.
﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر ٧١] يخوفونكم لقاء هذا اليوم حيث أخبروكم به، وأخبروكم بما فيه من الأهوال العظام، فلم يبقَ لكم عذر، ولهذا أقروا ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر ٧١]، قالوا: بلى؛ يعني قد أتانا رسل منا يتلون علينا آيات ربنا وينذروننا لقاء يومنا هذا، ولكن حقت كلمت العذاب على الكافرين، وهذا هو الذي منعنا من طاعة الرسل.
﴿حَقَّتْ﴾ بمعنى وجبت وثبتت، وكلمة: ﴿الْعَذَابِ﴾ هي الكلمة التي يستوجبون بها العذاب، وما هذه الكلمة؟ قال المؤلف: هي قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]، هذه هي الكلمة، أن الله سبحانه وتعالى التزم لجهنم بملئِها، من الجنة والناس أجمعين، فإذا كان قد التزم للنار بملئِها فلا بد أن يخلق لها أقوامًا يكذبون الرسل ليستحقوا نار جهنم، والعياذ بالله.
وقيل: إن الكلمة هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]؛ لأنها لما حقت عليهم كلمة الله امتنع إيمانهم.
ولكن هنا يقول الإنسان: هل هذا من باب الاحتجاج بالقدر أو من باب الاعتراف بالواقع؟
الجواب: الثاني؛ لأنه لا يمكن أن يحتجوا بالقدر في ذلك الموضع.
﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر ٧٢] قيل: فعل ماض مبني لما لم يُسم فاعله، فمن القائل؟
قال بعض العلماء: إنه أبهم الفاعل ليفيد أن كل الكون يقول لهم هذا، قيل: يعني من قِبَل الملائكة، من قبل أهل الجنة، من قبل كل من شاهد.
﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الزمر ٧٢] ادخلوا: فعل أمر للإهانة وليس للإكرام؛ لأن من قيل له: ادخل النار. فإنه ليس بمكرم -أعوذ بالله- ولكنه مهان.
﴿