تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿٥٧﴾
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر ٥٧] يعني أو تقول نفس، وهذه معطوفة على قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾، أو تقول: أي النفس (﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ بالطاعة فاهتديت ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ).
﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (لو) هذه شرطية، فعل الشرط فيها محذوف، وجواب الشرط فيها قوله: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وتقديره، أي: تقدير المحذوف وهو فعل الشرط، لو ثبت أن الله هداني لكنت من المتقين، وهذا احتجاج بالقدر، يعني لو أن الله هداني ووفقني فاهتديت لكنت من المتقين، فهي تندم وتحتج، يعني جمعت بين الندم على عدم التقوى والهداية وبين الاحتجاج، كقول القائل: لو أعطيتني أجرة لعملت لك، لو أطعمتني لشبعت، يعني: فلم تطعمني ولم تعطني أجرة، فهم يقولون: لو أن الله هداني لاهتديت وكنت من المتقين، وعلى هذا فالمراد بالهداية هنا هداية التوفيق، ويكون هذا احتجاجًا من النفس بقدر الله على الضلال والعياذ بالله.
يقول: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ قال المؤلف المفسر: (عذابه) وهذا مفعول المتقين، ولكن الصواب أن نقدر: لكنت من المتقين الله؛ لأن الأصل هو تقوى الله عز وجل، وتقوى عذاب الله من تقوى الله، فينبغي أن نقدر الأصل أي: لكنت من المتقين الله.
وما هي تقوى الله؟
نعرف تقوى الله بمعرفة الأصل، أصل التقوى مأخوذة من الوقاية، فأصلها وقوى بالواو، لكن قُلبت الواو تاء لعلة تصريفية، فإذا كانت من الوقاية فسرناها بأنها اتخاذ ما يقي من عذاب الله، ولا يقي من عذاب الله إلا فعل أوامره واجتناب نواهيه، ولهذا نقول: إن أجمع ما قيل في التقوى أنها فعل الأوامر واجتناب النواهي.
وقيل: إن التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله، وهذا المعنى أطول مما قلنا، لكن ما قلنا مشتمل عليه، وقيل في التقوى:
خَلِّ الذُّنُوبَ صَـــــــغِيرَهَا ∗∗∗ وَكَبِـــــــــــــــــيرَهَـا ذَاكَالـــــــــتُّقَى؎وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى؎لَا تَحْقِــــــــــرَنَّ صَـــــــــــــــغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَــــــــــصَى
وهذا أيضًا تعريف شيق لأنه منظوم، (خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَـا) والذنوب إما فعل محرم أو ترك واجب، (ذَاكَ التُّقَى، وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى) الذي يمشي على أرض الشوك يمشي بسرعة ولَّا ببطء؟
* طلبة: ببطء.
* الشيخ: ببطء
لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى
الجبال العظيمة الضخمة حصى متجمعة، إما كتل أو صغار أو كبار.
﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿أَوْ تَقُولَ﴾ هذه معطوفة على أيش؟
* طلبة: على ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾.
* الشيخ: على ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾، يعني: أو تقول نفس حين ترى العذاب، ترى العذاب بعينها، فيكون الموعود مشهودًا، تراه بالعين، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾، والرؤية بالعين تُعتبَر عين اليقين، والوعد بالعذاب علم اليقين، ومس العذاب حق اليقين، ولهذا قالوا: اليقين ثلاثة: علم وعين وحق، وكلها في القرآن: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٥ - ٧] مشاهدة، وقال تعالى في آخر الواقعة: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة ٩٥] الذي يكون عند الاحتضار حق اليقين، وأيها أعلى في اليقين؟
* طلبة: حق اليقين.
* الشيخ: حق اليقين أعلى؛ لأن عين اليقين قد تشاهد الشيء على خلاف ما هو عليه، كما ترى، ولا سيما إن كان نظرك ضعيفًا، ترى الشيء الساكن متحركًا، أو المتحرك ساكنًا، إي نعم، فعلى كل حال حق اليقين أعلاه. وهنا ﴿