×
الزمرالآية ٤٦

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ عَـٰلِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿٤٦﴾

ثم قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر ٤٦] ﴿اللَّهُمَّ﴾: هذه مُنادى حُذِفت منها ياء النداء، وعُوِّضت عنها الميم، وعُوِّضت الميم؛ لأنها دالة على الجمع، كأن الإنسان جمع قلبه على ربه عز وجل، وأُخِّرت تيمنًا بالبداءة باسم الله سبحانه وتعالى، وعلى هذا فنقول: (الله) منادى مبني على الضم في محل نصب. وقوله: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فاطر الشيء أي مُبدعه على غير مثال سبق، يعني مبدعه ومنشئه لأول مرة يسمى هذا فَطْرًا، ومنه فَطَرَ البئر إذا حفره لأول مرة. ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والسماوات والأرض هذه مرت علينا كثيرًا، وذكرنا ما يتعلق بالجمع بالنسبة للسماوات والإفراد بالنسبة للأرض. ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (فاطر وعالم) كلها صفة للمنادى في قوله: ﴿اللَّهُمَّ﴾، ولكنها نصبت؛ لأنها مضافة. ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ الغيب ما غاب، والشهادة ما شُوهد وحضر، فالله سبحانه وتعالى عالم الغيب كله وعالم الشهادة كلها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران ٥]. واعلم أن الغيبوبة تكون كلية وتكون نسبية، فالله تعالى عالم الغيب كلية، ونسبية أيضًا، بخلاف البشر، البشر لا يعلم الغيب؛ أي ما غاب عنه سواء كليًّا أم نسبيًّا، ولذلك لا تعلم ما وراء هذا الجدار، ولا تعلم ما في ضمير غيرك، ولا تعلم المستقبل، بل وتنسى ما مضى، أما الرب عز وجل فإنه لا يعتريه شيء من هذا النقصان. ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر ٤٦]، ﴿تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾ أي: تفصل بينهم بالحكم، وذلك يوم القيامة، حين يتحاج الناس عند ربهم، يختصمون، وقد بَيَّن الله سبحانه وتعالى نتيجة هذه الخصومة بأن الخاصِم هم المؤمنون، حيث قال تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١] إذن فالخاصم الغالب هم المؤمنون، إذا لم يكن سبيل للكافرين عليهم فهم الخاصمون بلا شك. وقوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يشمل الحكم في الدنيا والحكم في الآخرة، أما الحكم في الدنيا فإن المرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأما في الآخرة فالمرجع إلى الله عز وجل، يحكم بينهم حكمًا جزائيًّا كل بما يستحق. وقوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾ المراد بالعبودية هنا العامة، فيشمل العبد المؤمن والعبد الكافر، وقد قسم العلماء رحمهم الله العبودية إلى قسمين: عامة وخاصة؛ فالعبودية العامة هي التعبد للقدر، أي أنها تتعلق بالأمر القدري، كل من في السماوات والأرض عبْد لله بهذا المعنى، لا يمكن أن يتخلف عما قضى الله عليه، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣] وهذه عبودية تتعلق -كما قلت- بالقدَر والقضاء، فهي كونية في الحقيقة. والثانية عبودية خاصة: وهي التعبد لله تعالى بشرعه، وهذه خاصة بمن؟ بالمؤمنين، الذين يتعبدون لله بشرعه، وهذه الخاصة أيضًا فيها عبادة أخص، وهي عبادة النبوة والرسالة، مثل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص ٤٥] ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء ٣] ومثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٣٧) واللفظ له، ومسلم (٢٨٢٠ / ٨١) من حديث عائشة.]]. والأمثلة كثيرة، فتبين الآن أن العبودية؟ * طالب: عامة وخاصة. * الشيخ: نعم، ما هي العبودية العامة؟ * طالب: العبودية العامة هي التعبُّد إلى الله سبحانه وتعالى بالقدر. * الشيخ: نعم، يعني التذلل لقدره، هذه تشمل؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، والخاصة؟ * طالب: والخاصة هي التعبُّد إلى الله سبحانه وتعالى بشرعه. * الشيخ: بشرعه، وهذه خاصة بِمَنْ؟ * طالب: بالمؤمنين. * الشيخ: بالمؤمنين، هذه الخاصة تنقسم إلى خاص وأخص، طيب ما هي العبودية الأخص؟ * طالب: الأخص تختص بالأنبياء والمرسلين. * الشيخ: نعم، بالأنبياء والرسل، مثالها؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص ٤٥] وقول النبي ﷺ: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٣٧) واللفظ له، ومسلم (٢٨٢٠ / ٨١) من حديث عائشة.]]. * الشيخ: أحسنت طيب، ما هي محط المدح من هذه الأنواع والأقسام، الخاصة أم العامة؟ * طلبة: الخاصة. * الشيخ: الخاصة، أما العامة فلا يُمدح الإنسان فيها؛ لأنها بغير اختياره، هو ذليل لله، متعبد له شاء أم أبى. ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر ٤٦] أي في الذي يختلفون فيه، وقد جاءت الآية هكذا: ﴿فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، وفي آية أخرى: ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر ٣] وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠]، فيشمل ما يختلفون فيه من أمور الدين وأمور الدنيا أيضًا، كل ذلك سوف يحكم الله به بحكمه العدل الذي ليس فيه حيف على أحد. ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٤٧] إلى آخره، (لو) هذه شرطية. وقد يقول قائل: أين فعل الشرط؟ والجواب أن نقول: هو مُقدَّر، أي ولو حصل أن، أو ولو ثبت أن للذين ظلموا، وأما الجواب فقوله: ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ولو تأتي شرطية وتأتي مصدرية، مثل قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي ودوا إدهانك فيدهنون. ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ إذن (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل لفعل الشرط المحذوف، أي ولو ثبت أن للذين ظلموا ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ظلموا، المراد بالظلم هنا الكفر، والظلم في الأصل هو النقص؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي لم تنقص منه شيئًا، والظلم ينقسم إلى قسمين: ظلم أكبر، وهو ظلم الكفر المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]، وظلم أصغر وهو ما دون ذلك كظلم الإنسان لغيره في ماله وأهله وما أشبه ذلك. المراد بالظلم هنا الأكبر أو الأصغر؟ ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ المراد الأكبر، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾ [المائدة ٣٦]. ﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ﴿مَا﴾ اسم موصول، أي الذي، محله؟ ﴿