تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَـٰعَةُ جَمِيعًا ۖ لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٤٤﴾
قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر ٤٤] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الشفاعة ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، ووجه إثباتها أنه لولا وجودها ما صح أن يقول: ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على المعتزلة والخوارج؛ لأن المعتزلة والخوارج ينفون من الشفاعة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، المعتزلة والخوارج ينكرون الشفاعة في أهل الكبائر سواء دخلوا النار أم لم يدخلوها؛ وذلك لأن أهل الكبائر عند المعتزلة والخوارج مُخلَّدون في النار، لكنهم عند الخوارج كفار، وعند المعتزلة لا مؤمنون ولا كافرون، في منزلة بين منزلتين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات شفاعات متعددة؛ لقوله: ﴿جَمِيعًا﴾؛ لأن ﴿جَمِيعًا﴾ تقتضي أن يكون هناك شيء مجموع.
* ومن فوائدها: أنه لا أحد يشفع إلا بإذن الله، وجهه أنه إذا كانت الشفاعة خاصة بالله فإنها لا تكون إلا منه وإليه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات ملك الله للسماوات والأرض، وانفراده بالملك؛ لقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات البعث والرجوع إلى الله؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإنذار والبشارة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فإن المؤمن يُسَرُّ بلقاء الله بلا شك، ويحب لقاء الله، والكافر بالعكس، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٠٧)، ومسلم (٢٦٨٣ / ١٤) من حديث عبادة بن الصامت.]]. فإذا علمنا أننا نرجع إلى الله فإننا نحب لقاء الله، والكافر يكره لقاء الله.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يذكر الشيء منذرًا بلازمه؛ لأن مجرد الرجوع ليس فيه شيء يُذكَر، لكن المراد الرجوع الذي يحصل به الحساب والجزاء.
قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر ٤٣] قال: (﴿﴿أَمِ﴾ ﴾ بل ﴿﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ﴾) لكننا لا نقرأ (أَتَّخَذوا) بهمزة القطع؛ لأن القرآن ليست الهمزة فيه همزة قطع، لكن لو كان التركيب في غير القرآن لقلنا: (بل أَتَّخَذوا من دونه)، وإذا قلنا: (أَتَّخَذوا)، سيسأل سائل: أين ذهبت همزة الوصل في ﴿اتَّخَذُوا﴾؟ نقول: لأنه لما دخلت همزة القطع على الفعل استغنينا بها عن همزة الوصل؛ لأن همزة الوصل إنما يؤتى بها لسهولة البدء بالساكن، فإذا لم نبدأ به وبدأنا بهمزة قطع استغنينا عنها وحذفناها، اقرأ: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات ١٥٣] ﴿أَصْطَفَى﴾، هذه أصلها اصطفى دخلت عليها الهمزة، لما دخلت عليها الهمزة صِرْنا في غنى عن همزة الوصل؛ لأن همزة الوصل يُؤتى بها للضرورة؛ ولهذا سُمِّيت همزة وصل، يُؤتى بها للضرورة لئلا نبتدئ بالساكن، فإذا زالت الضرورة هذه سقطت.
قال: (﴿﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ ﴾ [الزمر: ٤٣] أي الأصنام آلهة ﴿﴿شُفَعَاءَ﴾ ﴾ عِنْد اللَّه بِزَعْمِهِمْ) يعني هم صيروا هذه الأصنام آلهة تشفع لهم عند الله.
وقول المؤلف: (بِزَعْمِهِمْ) يعني لا بحسب الواقع؛ لأن هذه الأصنام لا تشفع لهم، بل إنه في يوم القيامة يكفر من اتخذ إلهًا مع الله، يكفر بعبادة من عَبَدَهُ، صحيح؟ من أين نأخذ هذا؟ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٥، ٦] وكذلك ما ذكرتم: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤] بل حتى الذين اتخذوا غير الرسل اتخذوهم متبوعين من أهل الضلال يتبرؤون منهم ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]، شوف سبحان الله في القرآن كفر من جُعِلوا شركاء في الرسالة، وكُفر من جُعلوا شركاء في العبادة؛ لأن كُلًّا منهم لم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، الذين اتخذوا شركاء بالعبادة سمعتم: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾، ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ والذين اتخذوا شركاء في الرسالة: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ لأن المقلد لغير الرسل المعارضة لأقوال الرسل بأقوالهم قد أشرك مع الرسل في الرسالة.
من الذي يجب اتباعه من البشر؟ الرسل، فإذا جعل هذا الرجل متبوعه بمنزلة الرسول عليه الصلاة والسلام يأخذ بقوله فعلًا وتركًا وتصديقًا فقد جعله رسولًا؛ ولهذا بعض العلماء يقول: إن التوحيد نوعان: توحيد عبادة، وتوحيد رسالة؛ توحيد عبادة فيما يتعلق بحق الله، توحيد رسالة فيما يتعلق بحق الرسول ﷺ، والله تعالى يقرن بين هذا وهذا في القرآن: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون ٦٨، ٦٩]. فالحاصل أن هؤلاء الذين اتخذوا شفعاء قد ضلوا ضلالًا مبينًا؛ لأنها لا تنفعهم.
قال: (﴿﴿قُلْ﴾ ﴾ لهم أيشفعون و﴿﴿لَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ ﴾) أيشفعون ولو كانوا؟ المؤلف -رحمه الله- مشى في هذا التفسير على أحد الرأيين المشهورين فيما إذا دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، ما هما؟
* طالب: (...) قبل الهمزة أو قبل حرف الاستفهام.
الثاني: أن يكون العاطف على ما بعد همزة الاستفهام أو حرف الاستفهام.
* الشيخ: فيه وجهان: الوجه الأول: أن يكون العطف على ما سبق، وعلى هذا يكون تقدير الهمزة بعد حرف العطف.
والوجه الثاني: أن العطف على جملة مقدرة يكون تقديرها حسب السياق، المؤلف مشى على الأول ولَّا على الثاني؟
* طالب: على الأول.
* طالب آخر: على الثاني.
* الشيخ: شوفوا يا جماعة، أيشفعون ولو؟
* طلبة: على الثاني.
* الشيخ: إذن على الثاني؛ لأنه قدَّر المعطوف عليه بين الهمزة وحرف العطف، أيشفعون ولو كانوا لا يملكون شيئًا ولا يعقلون (﴿﴿لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ ﴾ مِن الشَّفَاعَة وَغَيْرهَا ﴿﴿وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ ﴾ أَنَّكُمْ تَعْبُدُونَهُمْ وَلَا غَيْر ذَلِكَ) الجواب: لا، هذه لا تشفع؛ لأنها لا تعقل، ولا تملك، فهي لا تعقل عبادة من عبدها، ولا تملك له شيئًا لا شفاعة ولا غيرها.
ثم قال: (﴿﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَة جَمِيعًا﴾ ﴾ أَيْ هُوَ مُخْتَصٌّ بها) من أين أخذ هو مختص بها؟ من الحصر، وهو تقديم الخبر، (وهو مختص بها فلا يشفع أحد إلا بإذنه)، وهذا أحد شرطي الشفاعة، والثاني: رضا الله عن الشافع ورضاه عن المشفوع له.
﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ذكر عموم ملكه وانفراده بالملك بعد ذكر الشفاعة؛ لأن الشفاعة من الملك في الواقع، فهي داخلة في عموم ملك الله للسماوات والأرض. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ولم يفسرها لوضوحها.