×
الزمرالآية ٢٢

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ ﴿٢٢﴾

أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن ضاق صدره به؟ والجواب: نعم أو لا؟ يعني هل يستوي مَن شرح الله صدره للإسلام ومَن ضاق صدره به؟ لا. إذن: فالمقابل أو المعادل -إن شئت- المعادل محذوف دلَّ عليه السياق، والمعنى: أفمن كان كذلك كمن لم يكن كذلك؟ فمن شرح الله صدره ليس كمن لم يشرح الله له صدره، ولا شك أن الفرق بينهما عظيم أبعد مما بين السماء والأرض؛ لأن من شرح الله صدره للإسلام -وأسال الله أن يجعلني وإياكم منهم- يجد نفسه قابلًا لشرائع الإسلام مسرورًا بها، يفرح إذا أدى طاعة من طاعات الله، ويحزن إذا فعل معصية من معصية الله، حتى إن الذين بلغوا الغاية في هذا يغتمُّون لما حصل منهم من خلل، وإن لم يكن عن قصد، يعني إذا فاتته عبادة يجد نفسه في غم وحزن وهو لا يشعر بذلك. وأضرب لهذا مثلًا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، لما سلّم من ركعتين من صلاة الظهر ماذا صنع؟ انفتل من صلاته وكأنه مغموم، قام على غير عادته إلى خشبة في قبلي المسجد واتكأ عليها ووضع يديه هكذا، كأنه مُغْضَب، لماذا؟ لأن صلاته لم تتم، فانقبضت نفسه من حيث لا يشعر، لكن هذا لكمال درجاته عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل يجعل في نفس الإنسان انقباضًا وإن كان لا يشعر؛ لأنه لم يُتِمّ العبادة المطلوبة منه، اتكأ عليها وشبَّك بين أصابعه كذا كجلسة المهموم حتى ذكر[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٧) من حديث أبي هريرة.]]. إذن مَن شرح الله صدره للإسلام يجد نفسه مرتاحًا مسرورًا للقيام بشرائع الإسلام، وبالعكس، إذا أخل بشيء منها أو انتهك معصية من معاصي الله. وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٢٢]. قال المؤلف رحمه الله المفسر: (﴿﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ ﴾ فاهتدى ﴿﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ ﴾ كمن طبع على قلبه دلّ على هذا قوله: ﴿﴿فَوَيْلٌ﴾ ﴾) إلى آخره. هكذا ذهب المؤلف -رحمه الله- في تفسيره، أي أنه استدل على المحذوف بما ذكر بعد، ولو أردنا أن نستدل على المحذوف بما ذكر بعد على سبيل المطابقة لقلنا: كمن قَسَا قلبه، ولا نقول: كمن طبع على قلبه؛ لأن الله قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ﴾، وإذا كنت تريد أن تستنبط الجواب مما ذكر فاجعله مطابقًا له، وحينئذٍ نقول: كمن قَسَا، لكن ما ذكرناه أولًا هو الصواب؛ أن يذكر المعادل على خلاف المذكور، فيكون المعنى: أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن ضيَّق الله صدره للإسلام، أو كمن لم يشرح الله صدره للإسلام. ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، قال المؤلف: ﴿فَوَيْلٌ﴾، هنا لعلنا نشرح أو نفسِّر حسب ما عندنا ثم نعود إلى كلام المؤلف حتى لا يتقطع علينا. قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ﴿وَيْلٌ﴾ مبتدأ، و﴿لِلْقَاسِيَةِ﴾ خبره، ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ﴾. و(الويل) على ما هو الراجح: كلمة وعيد، وقيل: إنها وادٍ في جهنم؛ والأصح: أنها كلمة وعيد، وسَوَّغ الابتداء بها وهي نكرة كونها وعيدًا، وربما يقال: إنه سَوَّغَ الابتداء بها وهي نكرة كونُها دالة على وصف شديد، أي: فويل عظيم، أو شديد للقاسية قلوبهم من ذكر الله. وقوله: ﴿لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، القسوة الشدة بحيث إذا لمست الشيء لم ينضغط بضغطك عليه، مثل؟ الحجر، وقد ضرب الله عز وجل قسوة القلب بالحجارة، فقال: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أو أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة ٧٤]. وهنا يسأل السائل يقول: لماذا لم يقل: فهي كالحديد؛ لأن الحديد يكسر الحجارة، والحجارة لا تكسر الحديد؟ والجواب عن ذلك أن نقول: الحديد يلين، بماذا؟ بإحمائه على النار، والحجارة لا تلين، فلهذا شُبِّهَت قسوة القلوب بالحجارة. القاسية قلوبهم يعني معناه: التي قست فلم تَلِنْ للحق، نسال الله العافية. وقوله: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (من) قيل: إنها بمعنى (عن)؛ للقاسية عن، ولكن الأظهر أنها على بابها، وأن المعنى: أن قلوبهم تقسو من الذكر بدل أن كان المفروض أن تلين، ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥] أي: زادتهم صلابة وقسوة. وعلى هذا فنقول: للقاسية قلوبهم مِن الذِّكْر، أي: كلما ذُكِرَ الله قست قلوبهم، عكس المؤمن؛ فإنه كلما ذُكِرَ الله لَانَ قلبه، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد ١٦]. ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾: المشار إليه القاسية قلوبهم، وأشار إليهم بإشارة البعيد للتنويه بسُفُولِهم وانحطاط مرتبتهم؛ لأن الإشارة بالبعيد تارة تكون إشارة إلى عُلُوّ المرتبة، وتارة تكون إشارة إلى انحطاط المرتبة. ففي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ٢] لعُلُوّ المرتبة، وفي قوله هنا: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ لانحطاط المرتبة. فإن قال قائل: هذه المعاني التي تختلف واللفظ واحد، ما الذي يُعَيِّن أحد المعنيين؟ نقول: يُعَيِّنه السياق وحال المتحدث عنه؛ لأن السياق والقرائن كل منهما يعيِّن المراد: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، ﴿فِي ضَلَالٍ﴾، الضلال: بمعنى التِّيهِ وعدم إصابة الحق، فهؤلاء في ضلال أي تائهون لم يصيبوا الحق. و(المبين) هنا تحتمل أن تكون من (أَبَانَ) اللازم، ومن (أَبَانَ) المتعدي -خليكم معنا- فيه كلمتان: (بَانَ) و(أَبَانَ)، (بَانَ) لازم أم متعدٍّ؟ * طلبة: لازم. * الشيخ: لازم، تقول: بَانَ الأمر، بَانَ الصبح، بَانَ المعنى. بالهمز: تَصِحُّ أن تكون متعدية، وأن تكون لازمة، حسب السياق. تقول –مثلًا-: أَبَانَ الفجر، بمعنى: بَانَ، أي: ظهر، وتقول: أَبَانَ الرجل الحقَّ، بمعنى: أظهره. فهنا ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، هل هي من اللازم أو من المتعدي؟ * طالب: من اللازم. * الشيخ: الظاهر أنها من اللازم، أي في ضلال بَيِّن ظاهر. نرجع إلى كلام المؤلف، يقول رحمه الله: (﴿﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ ﴾ فاهتدى ﴿﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ ﴾ كمن طُبِعَ على قلبه، دَلَّ على هذا ﴿﴿فَوَيْلٌ﴾ ﴾ كلمة عذاب) إلى آخره. كلام المؤلف في قوله: (كمن طُبِعَ على قلبه)، فيه نظر؛ لأننا إذا أردنا أن نقول: إن المحذوف دَلَّ عليه المذكور، فإنه يجب أن نقدِّره بما يطابق المذكور، فنقول: كمن قَسَا قلبُه، على أن القول الراجح ما سبق أن قرَّرْناه، وهو أن يذكر المعادل بمعنى المقابل لأيش؟ للمذكور، فيقال: فمن شرح الله صدره كمن لم يكن كذلك. ثم قال المؤلف: (﴿﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ﴾ ﴾ كلمة عذاب)، ولو قال: كلمة وعيد، لكان أحسن؛ لأنه يتوعد بها، حتى في عرفنا الآن تقول: ويل لك، أي تتوعده بهذا بما تريد. وقوله: ﴿لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: عن قبول القرآن، فجعل المؤلف رحمه الله الذِّكْر مرادًا به القرآن، وجعل (مِن) بمعنى (عن). أما كون الذِّكْر بمعنى القرآن فلا شك أن القرآن ذِكْر، قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]. ولكن الأولى أن نفسِّر ذِكْر الله هنا بما هو أعم، فنقول: المراد به القرآن لا شك؛ لأنه من ذِكْر الله وما هو أعم من ذلك، بحيث نقول: إنه إذا ذُكِرَ الله قَسَت قلوبهم، سواء بالقرآن أو بغير القرآن، هذا هو الأصح. وأما كون (من) بمعنى (عن) فقد سبق أن قلنا: إن الصواب أنها على بابها. وقوله: إن (من) بدل (عن)، هذا مبنيّ على مسألة خلافية بين النحويين الكوفيين والبصريين، إذا جاء الحرف في غير موضعه فهل هو نائب عن حرف يكون مناسبًا للسياق، أو أن المتعلق به يقدَّر بمعنى يناسب الحرف؟ أنتم فاهمون؟ تمام. قال الله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦]، العين لا يُشْرَب بها، العين يُشْرَب منها، فهنا اختلف النحويون: هل الباء بمعنى (من) فيكون حرفٌ ناب عن حرف، أو ﴿يَشْرَبُ﴾ بمعنى يَرْوَى؛ يروى بها عباد الله، فيكون الشرب مضمَّنًا معنى الرِّيّ، والرِّيّ يتضمن الشرب، وأيش؟ وزيادة، يتضمن الشرب وزيادة، في هذا خلاف بين النحويين الكوفيين والبصريين؛ وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرجِّح القول الثاني؛ أن الفعل مضمَّن معنى يتناسب مع أيش؟ مع الحرف؛ لأننا إذا قلنا بالتضمين استفدنا فائدتين: استفدنا مدلول المذكور، ومدلول المضمَّن؛ لأنك إذا قلت: يَرْوَى بها، استفدنا أنهم يشربون، وأيش؟ ويَرْوون، لكن إذا قلنا: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾: يشرب منها، لم نستفد إلا؟ إلا معنى واحدًا، فالتضمين فيه زيادة معنى، لكن جَعْل حرف بدل حرف لا نستفيد به معنى زائدًا، فصار القول الراجح في هذه المسالة ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أيش؟ أن الفعل يُضَمَّن معنى يناسب الحرف، ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. قال المؤلف: قال الله تعالى: (﴿﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ﴾ بَيِّن)، فجعل المبين هنا من اللازم أو من المتعدِّي؟ * طلبة: من اللازم. * الشيخ: من اللازم. ثم قال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ [الزمر ٢٣]، الفوائد صح؟ * من فوائد الآية الكريمة: بيان تفاضل الناس في قبول الحق، وأن منهم مَن يقبل الحق بانشراح، ومنهم مَن ليس كذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَن شرح الله صدره للإسلام فقَبِل الحق فإنه على نور من الله. * ويتفرع على هذا: زيادة علمه؛ لأن العلم نور كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]. * ويتفرع عليها أيضًا -على هذه الفائدة-: قوة الفراسة؛ أن الله تعالى يعطي الإنسان فراسة بحيث يعلم ما في قلوب الناس من لمحات وجوههم، بل أكثر من ذلك، يستدل بالحاضر على الغائب، ويعطيه الله تعالى استنتاجات لا تكون لغيره، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- في كتاب مدارج السالكين على كلامه على الفراسة، ذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية كلامًا عجيبًا في فراسته -رحمه الله- وإن كان ذكر أشياء قد لا تكون مقبولة، ولكنه ذكر شيئًا كثيرًا، ويستدل لذلك بقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن مَن شرح الله صدره للإسلام فإن له ربوبية خاصة وعناية خاصة من الله، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾، فإن هذه الربوبية خاصة غير الربوبية العامة، فربوبية الله سبحانه وتعالى لخلقه نوعان: عامة، وخاصة. فالعامة كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]. والخاصة كقول الله تبارك وتعالى عن أولي الألباب الذين يتفكَّرون في خلق السماوات والأرض يقولون: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران ١٩١] إلى آخره. وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة آل فرعون: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] فالأول عامّ، والثاني خاصّ. * ومن فوائد الآية الكريمة: الوعيد الشديد لمن قَسَا قلبه عن ذِكْر الله؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها: أنك إذا رأيت من قلبك عدم لِين لذِكْر الله فعالِجْ نفسك، عالجها لتسلم من هذا الوعيد، وهذا يشكو منه الناس كثيرًا، ونشكو منه نحن أيضًا، أحيانًا يقسو القلب ولا يلين، يقرأ الآيات العظيمة الرادعة ولكنه لا يتأثر، وأحيانًا يقرأ نفس الآيات ثم يتأثر، فإذا عرفت من نفسك قسوة القلب فالجأ إلى الله عز وجل واسأله أن يُلِينَ قلبك لذِكْرِه، وتأهَّب للوعيد إذا لم يتداركك الله بلطفه ومغفرته. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القلوب تنقسم إلى قسمين: قلوب تلين من ذِكْر الله، وقلوب تقسو منه. فإن قال قائل: كيف يكون الشيء الواحد مؤثِّرًا لنتيجتين متباينتين؟ واضح السؤال؟ شيء واحد يؤثِّر نتيجتين متقابلتين، قلنا: هذا ممكن، وذلك لاختلاف المحل الوارد عليه هذا الشيء، وليس هذا بغريب لا في المعنويات ولا في الحسيات. أما في المعنويات كما رأيتم كلام الله عز وجل، وكما أن الإنسان يلقي الدرس على جماعة بعضهم يلتهمه التهامًا ويفهمه فهمًا تامًّا ويجده لذيذًا، والبعض الآخر يُغلَق عليه ولا يفهمه، ثم إذا أغلقت عليه كلمة واحدة انغلق عليه جميع الدرس، وعجز أن يفهم، والمعلِّم واحد والموضوع واحد. كذلك أيضًا: نجد التمر –وهو تمر النخل معروف- يأكله رجلان أحدهما يكون داءً عليه، والثاني يكون غذاءً، أليس كذلك؟ المصاب بالسكري لو أكل التمر صار داءً عليه، والصحيح لا يكون داءً عليه، نجد الماء يجري على الأرض، أرض تقبله وتشربه وتنبت، وأرض لا تقبله، يسحّ عليها ولا تنتفع به، فهذا ذِكْر الله عز وجل يَرِد على القلب اللَّيِّن فينتفع به، وعلى القاسي فيزداد قسوة، والعياذ بالله. * ومن فوائد هذه الآية: أن القاسية قلوبهم من ذِكْر الله على عكس مَن شرح الله صدره للإسلام، مَن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور، ومَن قَسَا قلبه من ذِكْر الله فهو في ضلال مبين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين قَسَت قلوبهم مِن ذِكْر الله قد انغمسوا انغماسًا تامًّا في الضلال، من أين يؤخذ؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لأن (في) أيش؟ للظرفية، والظرف محيط بالمظروف، المظروف دون الظرف، في جوفه، فكأن هؤلاء انغمروا في أيش؟ في الضلال وأحاط بهم إحاطة الظرف بمظروفه، ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، نسأل الله لنا ولكم الهداية والنور (...).