×
الزمرالآية ٢٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ ٱللَّهُ ٱلْمِيعَادَ ﴿٢٠﴾

لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الزمر ٢٠] إلى آخره، (لكن) هنا لا تعمل لأنها؟ * طالب: مخففة. * الشيخ: مخففة، و(لكن) إذا خُفِّفَت تكون لمجرد العطف فقط، ومعناها الاستدراك، فإذن ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، خبره جملة ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ هذا الخبر. قال: (﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ بأن أطاعوه)، أفادنا المفسر -رحمه الله- بأن التقوى هي الطاعة، وهذا أجمع ما قيل في التقوى؛ أنها طاعة الله عز وجل بامتثال أمره واجتناب نهيه؛ لأنه أمر ونهى، لا للهوى، ولهذا مَن أطاع الله لمجرد الهوى لا يكون كمن أطاع الله لأن الله أمر أو نهى، كثير من الناس يطيع الله لأن نفسه تهوى ذلك، ولكن الطاعة الحقيقة هي التي يكون الباعث عليها امتثال أمر الله تركًا للمنهيات وفعلًا للمأمورات. ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ قال: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إشارة إلى أن تقواهم لله مبنية على أساس؛ لأنه ربهم، والربوبية هنا تشمل الربوبيه القدرية، والربوبيه الشرعية؛ لأن الله رب مالك للكون قَدَرًا ومالك للحكم شرعًا، فهم يتقون ربهم؛ لأنه الذى خلقهم ورزقهم وأعدهم وأمدهم، يعبدون ربهم؛ لأنه الحاكم فيهم، والذي يأمرهم وينهاهم، فيقومون بأمره ويدعون نهيه. ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر ٢٠] غُرَف: جمع غرفة، والغرفة هي البناء العالي، إذا كان في الأسفل يُسمى حُجرة، وإذا كان فوق يُسمى غرفة، فالبناء العالي يسمى غُرفة، هذه الغرف غرف مبنية، يقول: ﴿مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ يعني: طبقات، قصور عالية شامخة، مبنيَّة من لَبِنَات من الذهب والفضة، جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، هذه الغرف المبنية من الذهب والفضة أيضًا ليست على ما يُشاهد في الدنيا من اللمعان والحسن الجذاب، بل هي أشد وأعظم، لا يمكن أن نتصور حسن هذه الغرف ولا مواد بنائها أبدًا، لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، ويقول في الحديث القدسى: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة. ]]. وهي -أي الجنة- ليس فيها شيء مما في الدنيا إلا الأسماء فقط، لكن الحقائق تختلف اختلافًا عظيمًا فيها عنب، نخل، رمان، لكن ليست كالموجود عندنا في الدنيا، بل هي شيء لا يمكن أن يتصوره الإنسان، هذه الجنة مُعَدَّة للمتقين الذين اتقوا ربهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣] العمل يسير والعوض كثير، لكن العمل يسير يا إخواني على من يسره الله عليه، والله ييسره على من صدق النية في التوجه إلى الله، ولم يركن إلى الدنيا؛ لأن الركون إلى الدنيا -ولا سيما ممن أعطاه الله العلم- ذُل وانحطاط ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف ١٧٥، ١٧٦]. والمثل -أخس الأمثال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف ١٧٦] كذا؟ ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ إلى آخره. إذن نقول: هذه الغرف التي أعدها الله للمتقين الذين أخلصوا النية لله رجاء الوصول إلى ثوابه، والذين لا يفعلون طاعة إلا وهم يؤمنون بأن لها ثوابًا في هذه الجنة؛ لأن هذه العقيدة وهذا الشعور يحملك على إحسان العبادة، إذا علمت أنه ما من عبادة تقوم بها إلا من أجل الوصول إلى هذا الثواب سوف تحرص على العمل، وتتقن العمل. ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت هذه الغرف العليا وما تحتها، ﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع نَهَر أو نَهْر؛ لأن نَهَر أو نَهْر الحلقية الذي ثانيها حرف حلق؛ نَهَر وبحر، يجوز فيها تسكين الحرف الثاني وفتحه، تقول: نَهَر ونَهْر، وبَحَر وبَحْر، هنا نقول: أنهار جمع نَهْر، وهي أربعة أنواع بينها الله تعالى في سورة القتال فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ [محمد ١٥]، اقرأ. * طالب: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ﴾. * الشيخ: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ﴾ قبلها. * الطالب: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى﴾ [محمد ١٥]. * الشيخ: نعم، هذه أربعة أنواع فيها أنهار من ماء غير آسن يعني غير قابل لأن يكون آسنا، والآسن هو المتغير، وأنتم تعلمون أن الماء إذا بقي في الإناء مدة أو في مقره في البئر مدة فإنه يتغير، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ ولا فيها سَكر. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى﴾ أنهار، ما هي تُحلب من الضروع، ولا تأتي من نحل، أنهار تمشي على الأرض، تجري، وقد جاء في الأثر أنها تجري بلا أخدود، تعرفون الأخدود؟ أيش تسمونها؟ * طلبة: مجرى. * الشيخ: إي، تبقى مجاري على وجه الأرض لا تحتاج إلى حفر سواقي ولا إلى جدارن تمنع من سيلان الماء، بل هي تجري بدون شيء وورد أيضًا أنها تجري باختيار الإنسان يوجه النهر حيث شاء، يوجهه حيث شاء، ويمسكه حيث شاء؛ لأن الله يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف ٧١]، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم. * طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في قول يقولون: إن نهر النيل وسيحون وجيحون والفرات أنه من الجنة؟ * الشيخ: إي نعم، صحيح ورد فيه حديث. * الطالب: نعم. * الشيخ: ورد فيه الحديث، لكن قالوا: إنها تشبه أنهار الجنة بالصفاء، هو ليس معناه أنها نزلت من السماء. * طالب: تشبيه بليغ. * الشيخ: نعم، تشبيه بليغ. * طالب: الربوبية القدرية والشرعية؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: القدرية والشرعية. * الشيخ: ما أدري ويش تقول؟ * الطالب: الربوبية. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: القدرية والشرعية. * الشيخ: نعم. * الطالب: ما فهمناها. * الشيخ: ما فهمتوها، نعم الربوبية الشرعية هو التصرف في الناس بالشرع. * الطالب: يعني (...). * الشيخ: الأمر والنهي، والقدرية معروفة، ولهذا مر علينا مثل هذا، الحكم كونيّ.. * الطالب: (...). * الشيخ: وشرعي نفس التصرف بمقتضى الربوبية كوني وشرعي. * الطالب: (...) يا شيخ. * الشيخ: مثل الإرادة، كونية وشرعية. * طالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: التفسير يعني التَّقَوِّي بالطاعة، نعم. * طالب: بعض الناس (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: إي. * الطالب: هل يؤجر على فعله هذا؟ * الشيخ: والله -على كل حال- تبرأ الذمة بذلك، لكنه لن يصل إلى درجة الكمال، ولهذا نحن نقول دائما ينبغي للإنسان عند فعل العبادة أن تكون له نيَّتان، نيتان: نية العمل، ونية المعمول له، نية العمل هذه كل الناس يعمل، ينوون، هذا يأتي يصلي الظهر ينوي صلاة الظهر، لكن نية المعمول له أنه يريد بذلك التقرب إلى الله عز وجل، هذا كثيرًا ما يغفل الإنسان عنه، يصده الشيطان عن ذلك. هنا -بعد- نية ثالثة؛ نية المتابعة للرسول ﷺ، نية المتابعة، فكل هذه المعاني -نسأل الله أن يعفو عنا- هذه تغيب عنا كثيرًا، لا نية امتثال الأمر، وهي نية المعمول له، ولا نية المتابعة للرسول ﷺ؛ لأنك إذا نويت أو إذا شعرت بهذه النية أحببت الله عز وجل وأحببت الرسول، وشعرت بأنك عبد لله متبع لرسول الله، وتجد للعبادة طعمًا لا تجده إذا أتيت بها على سبيل العادة، ولهذا نقول: عادات الموفَّق عبادات، وعبادات الغافل عادات، إي نعم (...). * طالب: (...). * الشيخ: (مَن)؟ * الطالب: (مَن) الموصولة (...). * الشيخ: ما فيها رأي آخر؟ * الطالب: أو شرطية. * الشيخ: أو شرطية. ما المراد بقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩] الخطاب لمن؟ * طالب: الخطاب للنبي ﷺ. * الشيخ: نعم. * الطالب: الاستفهام للنفي. * الشيخ: للنفي، كالأول. * الطالب: نعم. * الشيخ: هل الهمزة الثانية أصلية مؤسسة أو زائدة للتوكيد؟ * طالب: زائدة. * الشيخ: ما فيها رأي آخر؟ * الطالب: فيها رأي آخر، جملة (...) أو جعلنا (...) خاصة (...). * الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ هذا الاستدراك أيش فائدته؟ * طالب: العطف. * الشيخ: إي نعم، العطف، لكن الاستدراك من أي شيء؟ * الطالب: الاستدراك، بَيَّن أن العذاب يحصل لبعض الناس فاستدرك بهذه الآية، يخرج الناس.. * الشيخ: يعني لما قال مثلًا: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر ١٩]، استدرك فقال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الزمر ٢٠] يعني: أنهم لم يحق عليهم، ما إعراب ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الإعراب؟ * الشيخ: إي نعم ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾. * الطالب: ﴿اتَّقَوْا﴾؟ * الشيخ: ﴿الَّذِينَ﴾. * الطالب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم من أسماء الإشارة. * الشيخ: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم إشارة؟! * الطالب: ﴿لَكِنِ﴾.. * الشيخ: ﴿لَكِن﴾ حرف استدراك، لكِنَّ ﴿الَّذِينَ﴾؟ * الطالب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم إشارة. * الشيخ: اسم الإشارة ﴿الَّذِينَ﴾؟! اسم الإشارة: هذا هذه هؤلاء. * الطالب: ﴿الَّذِينَ﴾.. * الشيخ: ما قرأت النحو؟ * طالب: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. * الشيخ: نعم ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، أين خبره؟ خبر ﴿الَّذِينَ﴾؟ * طالب: ﴿اتَّقَوْا﴾. * الشيخ: لا، ﴿اتَّقَوْا﴾ صلة الموصول. * الطالب: (...). * الشيخ: وينه؟ الجار والمجرور خبرها ولّا لا؟ * طالب: (...). * الشيخ: الجار والمجرور، الظاهر أنه معارض، نعم. * طالب: جملة: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ [الزمر ٢٠]. * الشيخ: جملة ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لـ(غرف). * نأخذ الفوائد، قال الله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر ٢٠]، ﴿وَعْدَ﴾ يقول المؤلف: (منصوب بفعل مقدر) أي: وُعِدوا وعد الله، أو على رأي آخر محتمل تقدير: أُنْجِزُوا وعد الله، يعني: أنجز الله لهم وعده وعلى هذا فيكون منصوبًا بفعل مقدر من غير فعله، أما رأي المؤلف فهو مصدر محذوف العامل. يقول -رحمه الله- قال الله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾، قال المفسر: (وعده) فأفاد بأن (أل) هنا نائبة مناب الضمير، وأن الميعاد بمعنى الوعد، وقوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ أي أنه لا يخلف ما وعده بشيء آخر؛ لأن (أخلف) تدل على إبدال شيء بشيء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ ٣٩]، بخلاف (خَلَف) فإنها تدل على خلف شيء بشيء، فيُقال: خَلَفَه؛ أي: أتى بعده، أخلفه: بمعنى جعل له بديلًا، ولهذا يقول المصاب: اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، يعني أعطني بدلًا عنها. وقوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ إنما كان كذلك لكمال صدقه وكمال قدرته؛ لأن إخلاف الميعاد إما أن يكون لكذب الواعد وإما أن يكون لعجزه، والله عز وجل منزه عن هذا وهذا، فهو كامل الصدق، كامل القدرة. في هذه الآية: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ إلى آخره فيها دليل، * من فوائدها: أن من حقت عليه كلمة العذاب فلا هادي له، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف ١٨٦]. * ومن فوائدها: إثبات كلام الله؛ لأن الذي يقضي بالعذاب هو الله عز وجل لا غيره، فكلمة العذاب صادرة من الله، وفي هذا إثبات الكلام لله عز وجل، والقرآن كله -كل حرف منه- فيه إثبات كلام الله، لماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، في كل حرف من القرآن إثبات كلام الله. * طالب: لأنه باللفظ والصوت والحرف. * الشيخ: لأنه كلام الله، فكل حرف منه فهو كلام الله، إذ إن كلام الله حرف وصوت. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن النبي ﷺ لا يستطيع أن يُنقذ مَن في النار، وإذا كان هذا للرسول ﷺ فغيره من باب أولى. * ومن فوائدها أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه في النار؛ لأننا قلنا: إن الظاهر هنا نائب مناب المضمر، وأن التقدير: أفانت تنقذه؟ * ومن فوائد هذه الآية: بلاغة القران، وشدة زواجره، حيث يأتي بمثل هذا الأسلوب الشديد الذي يصرم القلب الواعي الحي ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر ١٩]، أسلوب شديد جدًّا، ولا شك أن الأسلوب الشديد في موضعه يعتبر من البلاغة؛ لأن البلاغة أن يأتي الكلام مطابقًا لمقتضى الحال، أي لما تقتضيه الحال من لين وشدة وتطويل وإيجاز. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات النار، والنار هي الدار الثانية التي يستقر فيها الإنس والجن، وهي دار من اعتدى وكفر، وهي موجودة الآن، وستبقى أبد الآبدين. ثم قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إلى آخره، في هذا بيان علو منزلة المتقين؛ لأن الاستدراك هنا كأنه انتشال لهم مما سبق ذكره من الوعيد الشديد لهؤلاء الذين حقت عليهم كلمة العذاب. * ومن فوائدها أن التقوى سبب لدخول الجنة لقوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ إلى آخره. * ومن فوائدها أن تقواهم لله له سبب سابق ولاحق، فالربوبية الخاصة في قوله: ﴿رَبَّهُمْ﴾ اقتضت أن يتقوه، وهم يتقون ربهم الذي سيثيبهم، فالتقوى لها سبب، وهو عنايه الله عز وجل بهم، هذا سابق، ولها سبب لاحق، وهو ما يرجونه من ثواب الله عز وجل، كل هذا يُحمل على التقوى، فهو ربهم حيث وفقهم للتقوى، وربهم حيث أثابهم عليها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن منازل الجنة غُرَف مبنية بعضها فوق بعض لقوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر ٢٠]، وهل هذه الغرف تختلف بحسب العامل؟ الجواب: نعم، «وقد بَيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن جنتين من جنات الخلد من ذهب آنيتهما وما فيهما وأن جنتين من فضه آنيتهما وما فيهما»[[أخرج البخاري (٤٨٧٨) ومسلم (١٨٠ / ٢٩٦) بسنديهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «جنتان من فضة آنيتهما، وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما...». الحديث.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة تمام النعيم، حيث كانت هذه الغرف تجري من تحتها الأنهار، وفيها الأشجار وفيها من كل ما يتمناه الإنسان، بل فوق ذلك. * من فوائد الآية الكريمة أن هذا النعيم ثابت بوعد الله لقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها إثبات أن الله لا يخلف الميعاد لكمال صدقه وقدرته، ففيها إثبات كمال الصدق وإثبات كمال القدرة.