تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴿٨٣﴾
قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ ﴿٨٤﴾
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨٥﴾
قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ ﴿٨٦﴾
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ ﴿٨٧﴾
وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعْدَ حِينٍۭ ﴿٨٨﴾
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن قول الله تعالى كله حق؛ لقوله: ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص ٨٤] وقدم المعمول لإفادة الحصر.
* ومن فوائدها: أن كل ما قدره الله فهو حق، سواء كان ملائمًا للبشر أم غير ملائم: وجه ذلك أن كل شيء قدره الله فهو كائن بقوله: ﴿كُنْ﴾ [البقرة ١١٧] و(كن) قول، فإذا كان كل ما قاله الله حقًّا لزم أن يكون كل ما قضاه حقًّا، وهو كذلك، ولهذا قال النبي ﷺ: «الْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالشُّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي بن أبي طالب.]].
* ومن فوائد هذه الآيات: أن الشيطان في جهنم؛ لقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾ [ص ٨٥].
* ومن فوائدها: أن الله وعد جهنم بملئها، ويتفرع على هذه الفائدة الحذر الشديد من أن يكون الإنسان من أهل جهنم، نعوذ بالله منها. وقد ثبت في الصحيحين أن جهنم لا تزال يُلقَى فيها وهي تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها رجله أو عليها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٦١)، ومسلم (٢٨٤٨ / ٣٧) من حديث أنس بن مالك.]].
* ومن فوائد هذه الآيات: أن للشيطان أتباعًا؛ لقوله: ﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ﴾، فإذا قيل: من أتباعه؟ قيل: المستكبرون عن عبادة الله؛ لأن أعظم ميزة يتميز بها الشيطان أنه مستكبر عن طاعة الله. فكل من استكبر عن طاعة الله فإنه متبع للشيطان.
ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص ٨٦].
* في هذه الآية من الفوائد: أن الله أمر نبيه ﷺ أن يعلن بأنه لا يسأل على الرسالة أجرًا، يعني أجرًا دنيويًّا، وأما أجر الآخرة فلا شك أن النبي ﷺ يرجوه؛ لأنه هو الدال على الخير الآمر به، ولهذا منع ورثة الرسل من أن يرثوا شيئًا من أموالهم خوفًا من أن يقال: إنما اكتسبه الرسل من أجل الرسالة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»[[أخرجه مسلم (١٧٦١ / ٥٦) من حديث أبي هريرة.]] ولَّا صدقةً؟ صدقةٌ يتعين، وأما قول الرافضة أنه بالنصب« «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» » فهذا تحريف لفظي ومعنوي؛ وذلك لأن ما ترك صدقة لا يورث لا من الأنبياء ولا من غيرهم، لو أوصى الإنسان بشيء يجعل صدقة بعد موته نفذ ولم يورث؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء ١١] إلا أن ما زاد على الثلث يكون راجعًا إلى اختيار الورثة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي ﷺ لا يسأل الناس أجرًا على دعوة الخلق إلى الحق، وهل هذا خاص به أو عام له وللأمة، أي أنه يحرم على الإنسان أن يأخذ شيئًا عن تبليغ الشريعة؟
الجواب أنه متى وجب الإبلاغ حرم أخذ الأجر عليه؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ أجرًا في مقابل قيامه بالواجب، أما إذا كان ليس بواجب فلا بأس أن يأخذ أجرًا؛ لأنه يكون تطوعًا؛ إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل.
فإذا قال: أنا لا أحبس نفسي إلا بأجر، قلنا: لا حرج ما دام الإبلاغ ليس واجبًا.
ويدل لهذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ»[[أخرجه البخاري (٥٧٣٧) من حديث ابن عباس.]]، لكن متى وجب تعليم القرآن على شخص فإن أخذه أجرة على هذا التعليم يكون حرامًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي ﷺ صادق فيما أخبر به من الوحي؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص ٨٦].
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أن من الناس من يتقول على الله فيدعي أنه رسول وليس كذلك، وحينئذ نقول: من ادعى الرسالة فإن جاء بآية تدل على صدقه فهو رسول، وإلا فليس برسول، هذا فيما قبل النبي ﷺ، أما ما بعد النبي فمن ادعى الرسالة فهو كاذب؛ لأن الله يقول :﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠]. فمن ادعى الرسالة أن الله أرسله بعد محمد ﷺ فهو كاذب مرتد عن الإسلام يجب قتله. ولا يرد على هذا أن عيسى ينزل في آخر الزمان.
* * *
* الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب اللباس
باب قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف ٣٢].
وقال النبي ﷺ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ»[[أخرجه النسائي (٢٥٥٩) وابن ماجه (٣٦٠٥) من حديث عبد الله بن عمرو.]].
وقال ابن عباس: «كُلْ مَا شِئْتَ، وَالْبَسْ مَا شِئْتَ؛ مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ؛ سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ »[[مصنف ابن أبي شيبة (٢٥٢٥٦) من حديث ابن عباس.]].
* الشيخ: اللباس نوعان: لباس معنوي ولباس حسي، وقد أشار الله إليهما في قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف ٢٦] هذا الحسي، فالذي يواري السوآت هو اللباس الضروري الذي لا بد منه، والريش هو لباس الجمال والزينة الزائد على اللباس الضروري. ثم قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف ٢٦] وهذا هو اللباس المعنوي. والأصل في اللباس الحسي الأصل فيه الحل إلا ما قام الدليل على تحريمه؛ لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩]، ولأن الله أنكر على من حرم زينة الله التي أخرج لعباده فقال عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف ٣٢]، فأي إنسان يقول لنا: هذا اللباس حرام، سواء كان في عينه أو في وصفه، فإننا نطالبه بالدليل في عينه، بأن يقول: هذا النوع من اللباس حرام في وصفه، يعني شكل تفصيله أو تطريزه أو وشيه، فإننا نطالبه بالدليل.
فإذا قال إنسان: الحرير حرام، نقول له: هات الدليل، سيأتي بالدليل على تحريم الحرير على الرجال، وإذا قال إنسان: لباس الذهب حرام، نقول: هات الدليل، وسيأتي بالدليل على أنه حرام على الرجال، وإذا قال إنسان: الفضة حرام، نقول: هات الدليل، ولكن ليس فيه دليل على تحريم الفضة على وجه العموم، وإذا قال إنسان: المعادن الثمينة التي هي أثمن من الذهب والفضة لبسها حرام قلنا: هات الدليل، والأصل الحل في كل ما يلبس، سواء على بعض البدن أو على جميع البدن، إلا أنه لا بد من مراعاة أمرين: أولهما الإسراف، والثاني المخيلة، فالإسراف: مجاوزة الحد، وهو أمر نسبي، فقد يكون هذا الشيء إسرافًا عند قوم أو مع رجل، ويكون عند آخرين ليس بإسراف، أو عند رجل آخر ليس بإسراف، فإذا لبس الفقير لباس الغني كان إسرافًا؛ لأنه تجاوز الحد، فإن الله يقول: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق ٧].
المخيلة أن يقصد الإنسان بذلك الخيلاء، يعني الترفع على الناس وأن له ثيابًا رفيعة، ومن ذلك أن يجر ثوبه خيلاء. فإذا قال إنسان: هل استعمال الحسن والجميل من اللباس داخل في المخيلة؟ الجواب: لا، إذا كان لم يصل إلى حد الإسراف فليس داخلًا في المخيلة، بل إن الله جميل يحب الجمال.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي طيب، انتظر إلا المعلق، نعم.
* طالب: كيف يكون التصدق فيه إسراف ومخيلة.
* الشيخ: إي ماذا تقولون؟ يمكن يسرف فيه، الصدقة يقول: هل يكون فيها إسراف ومخيلة؟ يمكن فيها مخيلة بأن يتصدق كثيرًا ليُرى، وكذلك الإسراف ربما يتصدق كثيرًا وينقص ما يجب عليه من نفقات أهله، فإن صح هذا التوجيه فهو واضح، وإن لم يصح فيقال قوله: «فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ» هذا عائدًا على ما سوى الصدقة.
* طالب: فعل أبي بكر.
* الشيخ: نعم.
* طالب: ما يساعد على أنه ما يدعي التصدق والإسراف أنه تصدق بماله.
* الشيخ: فعل أبي بكر رضي الله عنه قد يقال: إنه يعلم أن أهله يرضون بذلك ولا يطالبونه بالواجب، والحق لهم، فإذا رضوا بذلك فلا حرج.
* طالب: ما نقول: الإسراف في الصدقة إذا كان الشخص يحتاج إلى دراهم أن يعطيه فوق حاجته زيادة فيفسد هذا الشخص الثاني؟
* الشيخ: يعني باعتبار المعطى لا باعتبار المعطي، والله له وجه لكنه ليس إلى ذاك.
* طالب: الذي لا يصدق بحديث الذباب يقول: إن هذا ما يدخل في (...) بماذا نصفه؟
* الشيخ: نصفه بأنه جاهل، والواجب على المسلم إذا صح الحديث أن يسلم له.
* طالب: إذا كان من المحسوبين على العلم؟
* الشيخ: إي نقول: هو جاهل، الجهل جهلان: جهل مركب وجهل بسيط، فإذا كان هذا الإنسان ممن يعد من العلماء، وأنكر ما صح به الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهو جاهل بلا شك.
* طالب: ما يبدَّع يا شيخ.
* الشيخ: لا، هذا ما فيه بدعة، الشيء المنصوص عليه ما يسمى بدعة، يعني مثلًا الزاني ما نقول: إنك مبتدع، كل شيء نص الشارع عليه فهو ما يسمى بدعة.
* * *
* الطالب: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن نافع، وعبد الله بن دينار، وزيد بن أسلم، يخبرونه عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٨٣)، ومسلم (٢٠٨٥ / ٤٢).]].
* الشيخ: قوله: «لَا يَنْظُرُ اللهُ» » النظر نوعان: نظر رضا ورحمة، وهذا هو المنفي في هذا الحديث، ونظر إدراك واطلاع، وهذا لا يُنفى؛ لأن الله تعالى لا يُحجب عن نظره شيء، فلا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء، وكل شيء فالله محيط به، لكن نظر الرضا والرحمة هذا منتفٍ عمن جر ثوبه خيلاء، وثوب هذا مفرد مضاف، فيعم كل ما يلبس من قميص وسراويل وإزار.
نقول: ومشلح؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم نقول: ومشلح، إي نعم، وهذا الحديث كما ترون له منطوق وله مفهوم، فمن جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه، ومن جره غير خيلاء لم يثبت في حقه هذا الوعيد، لكنه يأتي وعيد آخر وهو «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَفِي النَّارِ»[[أخرجه البخاري (٥٧٨٧) من حديث أبي هريرة.]].
* طالب: من اشترى محرمًا كالدخان وهو له مبلغ يسير هل يدعى أن هذا إسراف.
* الشيخ: لا هذا ما يُعد من الإسراف، وإنما يعد من العمل المحرم، يعني من سوء التصرف والسفه؛ لأن الإسراف مجاوزة الحد والزيادة في الشيء.
* طالب: غمس الذباب من السنة.
* الشيخ: لمن أراد أن يشربه، وأما من أراد أن يريقه..
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، ما فيه شيء، هذا هو الأفضل، وغمسه لا شك أنه الأفضل، والأمر هنا للإرشاد لأجل أن يقابل الداء بالدواء.
* طالب: إن كان اللبس حلالًا، لكن ينافي العرف، هل هذا يعتبر دليلًا للتحريم؟
* الشيخ: اللبس حلال؟
* طالب: لكن ينافي عرف البلد.
* الشيخ: هذا يدخل في ثياب الشهرة، والرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن لبستين؛ لبس الشهرة ولبس الإسراف[[أخرجه الطبراني في الكبير (١٤١٣٦) من حديث ابن عمر.]]. فإذا أتى الإنسان بشيء يخالف عرف البلد ولكنه ليس محرمًا فإنه يدخل في لباس الشهرة.