تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى خَـٰلِقٌۢ بَشَرًا مِّن طِينٍ ﴿٧١﴾
فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِينَ ﴿٧٢﴾
فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿٧٣﴾
إِلَّآ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿٧٤﴾
قَالَ يَـٰٓإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ ﴿٧٥﴾
قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ ﴿٧٦﴾
قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴿٧٧﴾
إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ﴾ [ص ٧١]، وإثبات أن كلامه بصوت مسموع تسمعه الملائكة في هذه القصة، وإثبات أنه بحرف..
ومن فوائدها: إثبات أنه ﷺ مبين لكل ما أنذر به؛ لأن معنى مبين؟
* طالب: معنى مبين واضح.
* الشيخ: لا، هذا كلام المؤلف، لكن نحن ذكرنا معنى آخر، نعم.
* طالب: مظهر.
* الشيخ: مظهر للحق والوحي الذي جاء به.
* ومن فوائدها: أنه لا يمكن أن يكون في شريعة النبي عليه الصلاة والسلام شيء مجهول أبدًا، بل كل ما جاء به فهو بين، لكن الجهل أمر نسبي، قد يكون المجهول شيئًا معينًا لبعض الناس، وهو بين معلوم لأناس آخرين.
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [ص ٧١] إلى آخر الآيات، في هذه الآيات إثبات الكلام لله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ﴾، وإثبات أن كلامه بصوت مسموع تسمعه الملائكة في هذه القصة، وإثبات أنه بحرف، أي بحروف متتابعة يتبع بعضها بعضًا؛ لقوله: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ وكل هذا تأييد لمذهب أهل السنة والجماعة.
وفيه أيضًا إثبات أن الكلام يتعلق بمشيئته، حيث ذكر هذا القول في وقت معين، وفي هذا رد على مذهب من سوى أهل السنة والجماعة؛ كالأشاعرة والمعتزلة وغيرهم.
* ومن فوائد هذه الآيات: إثبات الخلق لله وأنه متعلق بمشيئته؛ لقوله: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا﴾ أي: سأخلقه.
* ومن فوائدها: إثبات أن أصل بني آدم هو الطين، ولهذا جاءت طبائع بني آدم وألوان بني آدم جاءت مختلفة كاختلاف تربة الأرض؛ فيها السهل واللين، والأحمر والأبيض والأسود، والحزن والصعب؛ لأنهم خُلقوا من هذه التربة، فصار اختلافهم كاختلاف الأصل الذي خلقوا منه.
وفيه إثبات أن بني آدم خلقوا من الطين، وفي آية أخرى أنهم خلقوا من تراب، وفي آية ثالثة ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن ١٤] ولا منافاة بين هذه الأشياء، أو بين هذه الآيات؛ لأن التراب أصل الطين، والطين أصل الصلصال الذي كالفخار؛ فإنه تراب يُضاف إليه الماء يكون طينًا، يمكث مدة ثم يتحجر فيكون صلصالًا.
* ومن فوائد هذه الآيات: إثبات الأفعال لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ [ص ٧٢] وأن أفعاله تتعلق بمشيئته؛ لأن (إذا) شرطية تفيد المستقبل.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن الله تعالى أتم خلق آدم وسواه؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤].
* ومن فوائدها: تشريف الروح التي نفخت في آدم؛ لقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾، وهذا تشريف من وجهين:
الوجه الأول: أن الله هو الذي نفخ، ولم يأمر أحدًا من الملائكة بنفخها.
والثاني: أن الله أَضاف هذه الروح إلى نفسه المقدسة.
* ومن فوائد الآية: أن العبادة طاعة الله على أي وجه كانت، حتى وإن كانت محرمة في وقت من الأوقات؛ لقوله: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، والسجود لغير الله شرك، لكن لما أمر الله به صار طاعة وصار الاستكبار عنه كفرًا.
* ومن فوائد هذه الآيات: جواز تعليق الأمر بالشرط؛ لقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾، ويتفرع على هذا أنه إذا جاز تعليق الأمر بالشرط فإن المأمور به أيضًا يمكن أن ينفذ فيه الشرط، ولهذا قال الرسول ﷺ لضباعة بنت الزبير وقد اشتكت إليه عند إرادة الحج؛ قال: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي؛ فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ»[[أخرجه النسائي (٢٧٦٦)، والدارمي (١٨٥٢)، من حديث ابن عباس.]].
* ومن فوائد هذه الآيات: أن الملائكة ذوو عقول يصح توجيه الخطاب إليهم وائتمارهم؛ لقوله: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ثم قال: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ﴾ [ص ٧٣].
* ومن فوائد هذه الآيات: أن الملائكة كلهم سجدوا، وظاهرها أن الملائكة سجدوا لا الذين في السماء الدنيا، ولا اللي في الثانية، ولا في الثالثة، ولا في الرابعة؛ لأن الآية عامة مؤكد عمومها بمؤكدين.
* ومن فوائد الآيات الكريمة: جواز توجه الخطاب إلى العموم، وإن كان فيه من غير الجنس؛ لقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [ص ٧٤] فإن إبليس بلا شك من غير الملائكة أصلًا ونهاية، لكنه كان فيهم، فصح أن يتوجه الخطاب إليه، وهذا ظاهر، لو أنك أمرت جماعة بالسجود وفيهم من ليس منهم، لكنه على صفتهم، ويعمل بعملهم فتخلف، فلا بد أن تلومه؛ لأن الخطاب موجه للجميع.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن الاسم قد يحمل معنى المسمى؛ لأن إبليس يبدو أنه اسم عربي من الإبلاس؛ لأنه آيس من رحمة الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآيات: ذم الاستكبار عن أمر الله؛ لقوله: ﴿اسْتَكْبَرَ﴾ [ص ٧٤].
* ومن فوائد هذه الآيات: أن الاستكبار عن أمر الله كفر؛ لقوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ يعني كان باستكباره من الكافرين.
وفرع بعض العلماء على هذا أن تارك الصلاة يكون كافرًا؛ لأنه إذا كان إبليس كفر بترك سجدة فما بالك بالذي يترك سجدات وركوعات وقيامًا وقعودًا، نعم، وهذا ليس ببعيد، يعني أن الاستدلال بهذه الآية على كفر تارك الصلاة ليس ببعيد.
* ومن فوائد هذه الآيات: توبيخ إبليس بترك السجود لمن شرفه الله عز وجل وأمر بالسجود له؛ لقوله: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥].
* ومن فوائدها: أن كلام الله تعالى يتعلق بمشيئته، حيث صدر هذا القول بعد استكبار إبليس وتركه السجود.
* ومن فوائدها: إثبات الخلق لله؛ لقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات اليدين لله؛ لقوله: ﴿بِيَدَيَّ﴾، وهذه صيغة تثنية تفيد أن لله تعالى يدين اثنتين، وهو كذلك.
* ومن فوائدها: شرف آدم من حيث إن الله خلقه بيديه وفضله على غيره بهذا، إلا أن أهل العلم يقولون: إن الله غرس جنة عدن بيده وكتب التوراة بيده.
* ومن فوائد هذه الآيات: الرد على أهل التعطيل الذين قالوا: إن المراد باليد النعمة والقوة، وذلك أن النعمة أو القوة لا تأتي بصيغة التثنية؛ لأن صيغة التثنية تدل على الحصر، وقوة الله غير محصورة، ونعمه أيضًا غير محصورة ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨].
* ومن فوائد هذه الآيات وأخص هذه الآية: أن يدي الله لا تماثل أيدي المخلوقين؛ لأن الله أضافها إلى نفسه، والمضاف يكون بحسب المضاف إليه، فكما أن ذات الله مقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين فكذلك صفاته.
* ومن فوائد هذه الآيات: استعمال الحصر أو السبر والتقسيم في المناظرة والمجادلة؛ لقوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾، وقد سبق تفسيرها بأن المعنى: هل أنت استكبرت في نفسك وأنت لست أهلًا للعلو، أو كنت عاليًا في أصلك حتى تمتنع عن السجود.
* ومن فوائد هذه الآيات: ذم الاستكبار؛ لأن الاستفهام في قوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ للتوبيخ.
* ومن فوائدها: تنزيل الأشياء منازلها؛ لقوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾؛ لأن العالي إذا كان عاليًا على غيره فإنه لا يمكن أن ينزل حتى يكون أنزل من غيره، بل كل أحد ينزل في منزلته.
* ومن فوائد هذه الآيات: بيان الدعوة الكاذبة التي ادعاها إبليس في قوله: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [ص ٧٦].
* ومن فوائدها: أن الإنسان قد يعمى عن الحق فيستدل بما هو عليه، يظن أنه له؛ لقوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أن من قدم العقل على السمع فإنما هو متبع لخطوات الشيطان؛ لأن الشيطان قدم ما يدعي أنه عقل على السمع فأخطأ في ذلك. فهكذا كل من قدم العقل على السمع سواء في العلميات، وهي علم العقائد أو في العمليات، فإنه مشابه لإبليس متبع لخطواته. واعلم أن كل بلية تقع من تحريف الكلم عن مواضعه والاستكبار عن عبادة الله وغير ذلك، فأصلها من إبليس.
* ومن فوائد هذه الآية: إقرار إبليس بأن الله هو الخالق؛ لقوله: ﴿خَلَقْتَنِي﴾، ﴿وَخَلَقْتَهُ﴾.
* ومن فوائدها: أيضًا أن إبليس كان قد أقر بانحطاط منزلته عن الربوبية؛ لقوله: ﴿خَلَقْتَنِي﴾ والمخلوق لا يمكن أن يكون ربًّا.
* ومن فوائدها: أن إبليس أعلم بحقائق صفات الله من كثير من أهل التعطيل، فالذين فسروا اليد بالقوة هنا لو كان تفسيرهم صحيحًا لقال إبليس: يا رب وأنا خلقتني بيديك؛ لأن الله خلق إبليس بقوته كما خلق آدم، لكن إبليس فهم أن المراد باليد غير القوة، ولهذا لم ينقض فضيلة آدم لكونه خلق بيد الله.
* ومن فوائدها: أن إبليس باستكباره وإبائه صار مستحقًّا للطرد والإبعاد، ولهذا قيل له: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [ص ٧٧].
* ومن فوائدها: أن إبليس لما أخرج أبلغ بأنه مرجوم، والرجم زيادة على الطرد.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن إبليس ملعون؛ لقوله: ﴿