×

ص

الآيات ٤٨–٥٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَٱذْكُرْ إِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلْأَخْيَارِ ﴿٤٨﴾

هَـٰذَا ذِكْرٌ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍ ﴿٤٩﴾

جَنَّـٰتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلْأَبْوَٰبُ ﴿٥٠﴾

مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ﴿٥١﴾

وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ ﴿٥٢﴾

هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ﴿٥٣﴾

إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ﴿٥٤﴾

هَـٰذَا ۚ وَإِنَّ لِلطَّـٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٍ ﴿٥٥﴾

جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ﴿٥٦﴾

هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴿٥٧﴾

وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِۦٓ أَزْوَٰجٌ ﴿٥٨﴾

وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص 48، 49] إلى آخره. * في هذا: الثناء على إسماعيل واليسع وذا الكفل؛ لأن الله أَمَرَ بذكرهم للثناء عليهم. * وفيه: فضيلة هؤلاء الرسل الثلاثة؛ إسماعيل واليسع وذا الكفل. * وفيه: أن لله عبادًا أخيارًا منهم هؤلاء الثلاثة؛ لقوله: ﴿وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾. * ومن فوائدها كالتي قبلها: أن لله تعالى فضلًا على بعض العباد يُحْرَمُه البعض الآخر؛ حيث يجعل هؤلاء من المصطفين الأخيار، والآخرين على العكس من ذلك. ثم قال تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآيات: أن القرآن الكريم ذكْرٌ؛ يذكر به الله بتلاوته، ذكْرٌ يتذكر به الإنسان معاده ومعاشه، ذكْرٌ يذكر به غيره، وقد ذكرنا هذا في أول السورة. * ومن فوائد هذه الآيات: بشارة المتقين بأن لهم حسن المآب؛ أي: لمرجع، وعلى العكس من ذلك غير المتقين لهم سوء المآب؛ لأن الله إذا حكم للشيء بصفة من الصفات، فإنه يحكم له بضده إذا انتفت هذه الصفة. فإن قال قائل: لماذا لا تقولون: إنه إذا انتفت هذه الصفة ولم تثبت الصفة المضادة، لماذا لا تجعلونه وسطًا بين هذا وهذا، فلا يستحق الثناء المثبت بالصفة ولا القدح الذي يكون بضدها؟ فالجواب على ذلك أن نقول: لا شك أن الأمور طرفان ووسط؛ الطرفان متضادان، والوسط بينهما. لكن قد دلَّ الكتاب والسنة على أن التقوى وضدها ليسا طرفًا ووسطًا، بل هما طرفان متقابلان، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس 32]. فإذا ثبت للمتقين حسن المآب فلغيرهم سوء المآب، ولا نجعل هنا شيئًا وسطًا؛ لأنه لا وساطة بين الإيمان والكفر، والتقوى والفسوق. * ومن فوائد هذه الآيات: الحث على التقوى، وذلك بذكر ثوابها؛ لأن الحث على الشيء يكون بالأمر به كما هو ظاهر، ويكون بالوعيد على تركه، ويكون بالثناء على فعله، المهم أن طرق الحث على الشيء متنوعة، منها ذكر حسن المآب. * ومن فوائد هذه الآيات: إثبات الجنات لهؤلاء وأنها هي حسن المآب؛ لقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، ولا شك أن أحسن مآب يؤوب إليه البشر هو الجنات؛ فإن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وكل إنسان مؤمن إنما يسعى للوصول إلى هذه الغاية العظيمة. * من فوائدها: أن الجنات دار إقامة؛ لقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، فالناس مقيمون فيها لا يرحلون عنها، مقيمون فيها لا يبغون عنها حِوَلًا. ففيها إقامتان: إقامة لا ارتحال عنها، الإقامة الثانية: لا يبغي المقيم عنها حِوَلًا، يرى أنها محل إقامة وأنها أشرف مكان؛ وذلك لأنه لو رأى أن غيره أشرف منه لم يتم نعيمه؛ لأنه يرى أنه قاصر، وهذا بخلاف أهل النار؛ أهل النار كل واحد يرى أنه لا أحد أشد منه عذابًا؛ لأنه لو رأى أن أحدًا أشد منه عذابًا لتسلَّى به، لكنه بالعكس يرى أنه أشد الناس عذابًا، أهل الجنة لا يرى الواحد منهم أن غيره أكمل منه نعيمًا على وجه يفوقه، بل يرى أنه هو في أكمل ما يكون من النعيم؛ حتى لا يتنغَّص عليه نعيمه. * ومن فوائد الآيات: أن للجنة أبوابًا؛ لقوله: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾. * ومن فوائدها: كثرة الخدم المستفاد من قوله: ﴿مُفَتَّحَةً﴾، ولم يقل: (مفتوحة)، فهي تفتح يستقبلون منها، كلما دنوا من غرفة فُتِّحَت لهم الأبواب. * ومن فوائد هذه الآيات: أن أهل الجنة يطلبون كل ما يشتهون من الفواكه؛ لقوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾، وفي سورة الدخان: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان 55]. * ومن فوائدها -أي هذه الآيات-: أن لأهل الجنة شرابًا يدعون فيها بكل شراب، وقد مَرَّ علينا في التفسير أن أنواع الشراب أربعة. * ومن فوائد هذه الآيات: ما في الجنة من الأزواج المطهرة العفيفات البالغات في الحسن غايته؛ لقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [ص 52]. * ومن فوائدها: أن هذه القاصرات الطرف خيرات الأخلاق طيبات ليس فيهن نشوز إطلاقًا؛ لقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ﴾، في الدنيا الزوجات تارة تكون عندك، وتارة تزعل وتروح لأهلها ما تكون عندك، لكن في الجنة أزواجهم دائمًا عندهم؛ ليس هناك نشوز ولا غضب ولا زعل، بل أخلاق طيِّبة على ما ينبغي. * ومن فوائدها: كمال عفة هؤلاء النساء؛ لكونهن قاصرات الطرف على أزواجهن، لا ينظرْنَ إلى غير أزواجهم. * وفيها: كمال جمال هؤلاء النساء؛ لأنهن ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي: يقصرن أطراف أزواجهن عليهن، فالزوج لا ينظر إلى غيرها؛ لأنها قد ملأت عينه وسرَّت قلبه. * ومن فوائدها: أن هؤلاء النساء أو هؤلاء الأزواج أتراب متساويات في السن والخلق، بحيث لا تغار واحدة من الأخرى لكونها أجمل منها أو أسن منها أو ما أشبه ذلك؛ لقوله: ﴿أَتْرَابٌ﴾. * ومن فوائدها: أنهم يخاطبون بما يسرهم ويدخل النور في قلوبهم؛ لقوله: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾، عكس أهل النار فإنهم يُوَبَّخون: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر 50] وما أشبه ذلك من التويبخ، أما هؤلاء فيدخل في قلوبهم السرور، فيقال لهم: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ به أخذتموه ووصلتم إليه وجَنَيْتُموه. * ومن فوائد هذه الآيات: إثبات يوم القيامة وأنه يوم الحساب؛ لقوله: ﴿لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾. * ومن فوائدها: حثُّ الناس على العمل؛ لأنه كلما تذكر الإنسان أنه سوف يحاسب عن عمله فإنه سوف يحرص ويجتهد في العمل حتى لا يحاسب على شيء يكون عليه. * ومن فوائد هذه الآيات: أن هذه الجنات التي وعد هؤلاء المتقون فضلٌ من الله ومِنَّة؛ لقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا﴾. * ومن فوائدها: أن هذا الرزق لا ينفد أبدًا ولا ينقطع أبدًا؛ الفاكهة في كل وقت، لحم الطير في كل وقت، الشراب في كل وقت، الزوجات في كل وقت، ما فيه هذا فصل صيف ليس فيه فاكهة شتاء، وهذا فصل شتاء ليس فيه فاكهة صيف، كل شيء ليس له نفاد. * ومن فوائد هذه الآيات: كمال القرآن في التعليم والتبليغ، وأنه مثانٍ؛ إذا ذُكِرَ المتقون وثوابهم ذُكِرَ المجرمون وعقابهم، ولهذا قال: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ الطاغون ضد المتقين لهم شرُّ مآب. * ومن فوائد هذه الآيات: أنه ينبغي للداعي إلى الله أن تكون دعوته تارة بالترغيب وتارة بالترهيب، بل الأفضل أن يجعل دعوته مشتملة على الترغيب والترهيب؛ وذلك لأنها -أي الدعوة- إذا كانت مقتصرة على الترغيب صارت سببًا للأمن من مكر الله وأن يتمادى الإنسان في معصية الله ويرجو الله، وإذا كانت مشتملة على الترهيب صارت سببًا للقنوت من رحمة الله واستبعاد الرحمة، وهذا ضرر، بل ينبغي أن يكون الداعية جامعًا بين هذا وهذا؛ ليحمل الناس على الرجاء وعلى الخوف، ولهذا قال الإمام أحمد: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه. وقال بعض أهل العلم: الرجاء والخوف كالجناحين للطائر؛ إن انخفض أحدهما سقط الطائر، وإن تساويا صار طيرانه مُتَّزِنًا. وقال بعض أهل العلم: ينبغي للإنسان عند فعل الطاعة أن يغلِّب جانب الرجاء، وعند الهم بمعصية أن يغلِّب جانب الخوف؛ يعني عند المعصية يغلب جانب الخوف، وعند الطاعة يغلِّب جانب الرجاء، قالوا: لأنه إذا فعل الطاعة فقد فعل سبب الرجاء، وإذا فعل المعصية فقد فعل ما يكون سببًا للخوف. وقال بعض العلماء: ينبغي في حال الصحة أن يغلِّب جانب الخوف، وفي حال المرض أن يغلب جانب الرجاء؛ حتى يموت وهو يحسن الظن بالله عز وجل. ولعل القول الوسط هو القول الوسط؛ أن الإنسان إذا فعل المعصية وهمَّ بها غلَّب جانب الخوف، وإذا فعل الطاعة أو همَّ بها غلَّب جانب الرجاء. وهذا قول طيب. ولكن ليس معنى قولنا: أن نغلِّب جانب الرجاء أو جانب الخوف ألَّا يكون لديه شيء من الطرف الآخر بل يجمع بين هذا وهذا، لكن الكلام على التغليب. * ومن فوائد هذه الآيات: أن الطاغين مآبهم ﴿شَرَّ مَآبٍ﴾، بخلاف المتقين فإن مآلهم ﴿حُسْنَ مَآبٍ﴾، أما الطاغون فإن مآبهم ﴿شَرَّ مَآبٍ﴾؛ لأن مآبهم إلى جنهم والعياذ بالله، وقد ذكَرَ الله تعالى من أنواع العقوبات في هذه الدار ما يكفي ردعًا للمؤمن عن المعصية. * ومن فوائدها: أن من أسماء النار ﴿جَهَنَّمَ﴾. * ومن فوائدها: أنها هؤلاء ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ أي: يقعون في صلاها؛ أي: حرها الذي لا يمكن أن يبرد أبدًا، لكن مع ذلك قد ورد أنهم يُطَافُ بهم أحيانًا في زمهريرٍ شديدِ البرودة، وأحيانًا في نار شديدة الحرارة. * من فوائدها: الثناء بالقدح على هذه الدار، أما الجنة قال الله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل 30]، أما هذه فقال هنا: ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، فأثنى عليها بالقدح والقبح والسوء. * ومن فوائد هذه الآيات: أن أهل النار -والعياذ بالله- يذوقونه -أي العذاب- بين حميم وغساق؛ يعني: يسقون ماء حارًّا، ويسقون صديد أهل النار؛ الغساق والعياذ بالله، والإنسان منهم يتجرع هذا الشراب ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم 17]. * ومن فوائدها -أي الآيات-: تنويع العذاب للطغاة؛ لقوله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾؛ يعني: أصناف متنوعة من العذاب، وهذه الأصناف مذكورة في الكتاب والسنة، فمن أحب أن يراجعها فليراجعها في الكتب المؤلفة في ذلك. * ومن فوائد هذه الآيات: أن أهل النار يتنازعون فيما بينهم ويتخاصمون ويتلاعنون، كلما دخل فوجٌ لعَنَ الثاني، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف 38]، ﴿