تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ ﴿٣٥﴾
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي﴾ [ص 35] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مَعْنِيُّون أكثر بأمور الآخرة؛ ولهذا طلب من الله المغفرة قبل أن يطلب الملك.
* ومن فوائدها: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام محتاجون إلى مغفرة الله؛ لقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾.
* ومن فوائدها: أنهم مربوبون وليسوا أربابًا؛ لقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ﴾.
* ومن فوائدها: جواز الذنوب على الأنبياء، تؤخذ منين؟
* طالب: من قوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ وجه ذلك؟
* طالب: أنه كان استغفر من ذنب فعله.
* الشيخ: لأنه لولا أن يكون هناك ذنب لما استغفر.
* ومن فوائد الآية: جواز طلب الإنسان الملك؛ أن تسأل الله أن يملكك شيئًا؛ لقوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾، ولكن يُشْتَرط في هذا أن يكون لدى الإنسان استعداد للقيام بما سأل، أما أن يقول: رب هب لي ملكًا وهو بنيته أن يضيعه فإن هذا لا يجوز.
وقد اختلف أهل العلم في جواز سؤال الإمارة؛ هل يجوز للإنسان أن يسأل الإمارة أو القضاء أو ما أشبهها من الولايات؟
فمنهم من قال: إن ذلك جائز ومنهم من قال: إنه محرم، ومنهم من فَصَّل. أما من قال: إنه جائز فاستدلوا بقصة يوسف حيث قال لملك مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف 55] فسأل الولاية، وشرع مَنْ قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه واستدلوا بحديث عثمان بن أبي العاص حين قال للنبي ﷺ اجعلني إمام قومي قال: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ»[[أخرجه أبو داود (531)، والنسائي (672) من حديث عثمان بن عفان.]]، وأما من منع ذلك فاستدلوا بحديث عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ﷺ قال له: «لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (6622)، ومسلم (1652 / 19) من حديث عبد الرحمن بن سمرة.]] فنهاه النبي ﷺ أن يسأل الإمارة وبيَّن له السبب بأن من أعطيها عن مسألة وُكِلَ إليها ولم يعنه الله ومن أتته بدون مسألة أعانه الله عليها واستدلوا أيضًا بأن رجل طلب من رسول الله أن يكون عاملًا فقال: «إِنَا لَا نُوَلِّي هَذَا الْأَمْرَ أَحَدًا سَأَلَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (2261)، ومسلم (1733 / 14) من حديث أبي موسى الأشعري.]] وهذا يدل على أنه لا يسأل، وأن مَنْ سأل فليس أهلًا لأن يُوَلَّى.
وفصَّل آخرون فقالوا: إن سألها لإصلاح ما فسد منها، فإن ذلك جائز إذا علم من نفسه القدرة، وإلا فلا يجوز؛ لأن السلامة للإنسان أسلم. وهذا القول التفصيلي هو الصحيح؛ لأن به تجتمع الأدلة، فإن الإنسان مثلًا إذا رأى ولاية قام عليها شخصٌ ليس أهلًا لها إما في دينه أو أمانته وتصرفه، إما في دينه أو تصرفه وهو يعلم من نفسه القدرة على القيام بها على أحسن وجه أو على الأقل على وجه أحسن مما كانت عليه فلا بأس أن يسألها؛ لأن غرضه بذلك غرض شخصي أو غرض عملي وإصلاحي؟ عملي وإصلاحي، ما قصد الشخص، أما إذا كان ليس هناك سبب أو كان الإنسان يعرف من نفسه أنه ضعيف لا يستطيع القيام بها فإنه لا يسأل ولا يجوز أن يسأل.
* ومن فوائد هذه الآية: أن سليمان عليه الصلاة والسلام سأل الله مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعده أي ملكًا لا يغلبه عليه أحد، وليس المعنى لا يناله أحد من بعد موته، هذا على أحد القولين، وهو الذي مشى عليه المؤلف، وبناء عليه يحصل الجواب عما قيل: إن قوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ يدل على أن سليمان حَسود بخيل وإلا فلماذا يتحجر واسعًا ويريد أن يَقْصُر الملك على نفسه.
والقول الثاني أن المراد ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من بعدي في الزمن متأخرًا كما ذكرنا في التفسير، وقلنا: إن هذا يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام حين تفلت عليه عفريت وهو يصلي وأراد أن يمسكه وأن يربطه بسارية المسجد يلعب به صبيان أهل المدينة قال: «لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لَفَعَلْتُ»[[متفق عليه؛ البخاري (461)، ومسلم (541 / 39) من حديث أبي هريرة.]] فهذا يدل على أن المراد من بعدي أيش؟ زمنًا فيرجح أن يكون سليمان عليه الصلاة والسلام سأل ملكًا عظيمًا لا يكون لأحد من بعده؛ وبناء على هذا القول يحصل الإشكال، لماذا تحجر هذا الملك؟ فكيف يجاب عنه؟
قد نقول: إن القول الأول أصح وأن النبي ﷺ ترك ذلك تورعًا؛ لأنه خاف أن يكون مراد سليمان أيش؟ لا ينبغي لأحد من بعدي زمنا، فترك هذا من باب التورع لكن هذا الجواب فيه أيضًا بعض الشيء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا فسَّر الآية بشيء أو أتى بشيء يقتضي تفسيرها على وجه ما فإنه لا شك أولى من الاحتمال الآخر أن يكون المراد ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من سواي، والله أعلم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الله تعالى بأنه وهاب يعطي العطاء الكثير.
* ومن فوائدها: التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بالاسم المناسب لما يدعو به؛ لأن قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يناسب قوله: ﴿وَهَبْ لِي﴾ وهذا هو أحد معاني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف 180]؛ لأن أحد معانيها أن تجعلها وسيلة لما تدعو به فإذا أردت أن تسأل المغفرة تقول: يا غفور. أو الرحمة: يا رحيم وهكذا.
ثم قال الله تعالى: ﴿