تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ ﴿٢٧﴾
أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ ﴿٢٨﴾
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؛ لأنك لو وقفتَ لأدَّى ذلك إلى أن يكون المعنى معنىً باطلًا، لا بدَّ أن تَصِل فتقول: ﴿بَاطِلًا﴾؛ لأن ذلك هو محطُّ النفي؛ يعني: ما خلقناهما باطلًا؛ أي: لأجل الباطل، وهذا كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء ١٦]، فالباطل هنا بمعنى اللهو الذي لا فائدة فيه، فالله ما خلق السماءَ والأرضَ باطلًا، لو خلقها باطلًا لَكان ذلك في غاية السَّفَه أن تُخلَق هذه المخلوقات العظيمة بما فيها وهي لا لشيءٍ بل لعبٌ ولهوٌ.
﴿بَاطِلًا﴾ قال المؤلف: (أي: عبثًا)، ﴿ذَلِكَ﴾ أي: اعتقاد أنَّ خلْق السماء والأرض باطلًا ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني هذا ظنُّ الكافرين الذين يظنُّون أن خلْق السماوات والأرض لمجرَّد اللهو واللعب ولا يترتَّب على ذلك شيء، ومن هذا قولهم: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية ٢٤].
ومن ذلك أيضًا ما يظنُّه بعض الناس أن المقصود من خلْق السماوات والأرض وجود هذه الخليقة ثم فناؤها إلى غير رجعة، فنقول: مَن ظنَّ ذلك -أي أنَّ الله خلقها عبثًا ولعبًا- فهو كافر، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، هم الذين يظنُّون أن خلْق السماء والأرض كان باطلًا.
وقول المؤلف: (مِن أهل مكَّة) فيه نظر؛ لأنه قصرٌ للدليل على بعض أفراده، والصواب أنه عامٌّ لأهل مكة وغيرهم، فالذين كفروا لا يظنُّون بالله إلا ظنَّ السوء، فيظنُّون أن أفعاله عبثٌ وباطلةٌ وليست لحكمة، ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾.
قال المؤلف: (وادٍ)، (وَيْل) وادٍ، وادٍ في أيِّ مكان؟
* طلبة: في جهنم.
* الشيخ: في جهنم، ولكن هذا ليس بصحيح بالنسبة للآية هذه، بل كلمة (وَيْل) كلمة وعيد، وعيدٌ بأمرٍ شديدٍ لأنه قال: ويلٌ لهم من النار، فهو يتوعَّد بها؛ كما تقول: (ويلٌ لك من فلان)، هل معناه (ويلٌ لك من فلان) يعني وادٍ في فلان؟ لا، بل هي كلمة وعيدٍ على أمرٍ شديدٍ، فقوله: ﴿فَوَيْلٌ﴾ أي: وعيدٌ شديدٌ للذين كفروا من النار؛ يعني ما أعظم وَيْلهم من نار جهنم والعياذ بالله.
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خبر (ويل)، وقوله: ﴿مِنَ النَّارِ﴾ بيانٌ لـ(ويل)؛ يعني هذا الشيء العظيم يكون للذين كفروا من النار.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص ٢٨].
﴿أَمْ﴾ هنا متَّصلة أم منقطعة؟
* طالب: منقطعة.
* الشيخ: منقطعة؛ لأنه لم يُذكَر فيها معادل، فهي إذَن بمعنى (بل) والهمزة؛ يعني: بل أنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات. هذا الاستفهام المقصود به النفيُ والإنكارُ؛ يعني: لا يمكن أبدًا أن نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، إذَنْ ﴿أَمْ﴾ هنا بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، والمراد بالاستفهام النفيُ والإنكارُ.
طيب، والإضراب هنا انتقالي أو إبطالي؟
* طالب: انتقالي.
* الشيخ: انتقالي، نعم، ﴿أَمْ نَجْعَلُ﴾ أي: نُصَيِّر، فهي تنصب مفعولين؛ الأول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، والثاني: ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ يعني: لا يمكن أن نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض.
وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿آمَنُوا﴾ يعني صدَّقوا بما يجب التصديق به على وجه القبول والإذعان؛ يعني تصديقًا مستلزمًا للقبول والإذعان.
وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: عملوا الأعمالَ الصالحاتِ، والأعمالُ الصالحاتُ هي التي اجتمع فيها شيئان:
أولهما: الإخلاص لله عز وجل.
والثاني: المتابعة لشريعة الله.
فمَن عَمِل عملًا موافقًا للشريعة في ظاهره لكنَّه يُرائي فيه فعملُه ليس بصالح، ما الذي اختلَّ فيه؟
* طالب: الإخلاص.
* الشيخ: الإخلاص لله، والذي عمل عملًا مخلصًا فيه لله يريد به وجهَ الله لكنَّه على غير الشريعة، هل هو صحيح أو لا؟
* طالب: ليس بصحيح.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: عدم الموافقة لشريعة الله.
* الشيخ: عدم الموافقة لشريعة الله، إذَنْ لا بدَّ من أن يكون مخلصًا لله موافقًا لشريعة الله.
وقوله: ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿كَالْمُفْسِدِينَ﴾ إذا قال الله: الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين، فالمفسد هو مقابل الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فيكون المراد بالمفسدين في الأرض الكفار الذين يعملون السيئات.
فكلُّ كافرٍ فهو مفسدٌ في الأرض في مقابل أيش؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وكلُّ عاصٍ فهو مفسدٌ في الأرض في مقابل ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فالشيء يُعرف بمقابله.
فإذا كان الله قال: الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين، عَلِمنا أنَّ المفسد هو مَن قابلَ الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ يعني مَن كان ضِدَّهم، فالكفار مفسدون في الأرض، وأهل المعاصي مفسدون في الأرض، ولهذا فسَّر أهل العلم قولَه تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦] فسَّروا ذلك بالمعاصي؛ قالوا: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي. وهذا التفسير صحيحٌ يشهد له قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١].
طيب، هدْم البيوت، هل هو فسادٌ في الأرض؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لا، ليس بفساد، لا تَنْفِ ولا تُثبتْ، إنْ هَدَمها الإنسانُ ظلمًا وعُدوانًا فهو فسادٌ في الأرض لأنه معصيةٌ، لا يجوز لإنسان أن يعتدي على بيت أخيه فيهدمه، وإنْ هَدَمها لإصلاحها فهذا ليس فسادًا في الأرض.
يقول: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص ٢٨] هذه أيضًا بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام الذي يُراد به الإنكار والنفي، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: نُصَيِّر المتقين كالفجار؛ يعني: لا يمكن أن نجعل المتقي كالفاجر، نعم، المتقي مَن؟ المتقي مَن اتخذ وقايةً من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. هذا المتقي، وهذا أجمع ما قيل في تعريف المتقي.
﴿كَالْفُجَّارِ﴾ مَن الفُجَّار؟ خلاف المتقين؛ يعني الذين فَجَروا وخرجوا عن طاعة الله إلى معصية الله، هنا قابلَ المتقيَ بالفاجر، وفي سورة المطفِّفين قابلَ الفاجرَ بالبَرِّ فقال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين ٧] ثم قال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين ١٨]، ومنه نأخذ أن التقوى والبِرَّ إذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا؛ يعني أنَّ البِرَّ كلمة إن ذُكِرت وحدها فهي شاملةٌ للتقوى، والتقوى إن ذُكِرت وحدها فهي شاملةٌ للبِرِّ، وإن جُمِعَتا جميعًا فقيل: البِرُّ والتقوى، صار البِرُّ فعلَ الطاعة والتقوى اجتنابَ المعصية، فقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] يعني: على فعل الطاعات وتَرْك المعاصي.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو قال قائل: السلف فهموا (...) القضاء (...) الرسول ﷺ قال: «قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٢)، والحاكم (٧١٨٨)، من حديث بُريدة بن الحُصيب. ]]، كيف يعني نقول ..؟
* الشيخ: نقول: هذا ورعٌ في غير محلِّه، أو لعلَّهم يجدون في القوم مَن هو خيرٌ منهم، والرسول قال:« «قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ»، » لماذا لا تأخذ القرار وتكون من القِسم الثالث؟ فالورع الذي وَرَد عن بعض السلف هذا في غير محلِّه إلا إذا كانوا يجدون أن في القوم مَن هو خير منهم فيكون هذا في محلِّه.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿