تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
يَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ ﴿٢٦﴾
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص ٢٦].
يخاطب الله تعالى داود بالنداء، والمخاطبة بالنداء يُراد بها التنبيه؛ لأن هناك فرقًا بين أن تقول: محمدٌ قام، وبين أن تقول: يا عليُّ محمدٌ قام؛ ففي الثاني تنبيه، وإذا كان الكلام يحتاج إلى تنبيهٍ فإنه دليلٌ على أهميته؛ إذْ إنَّ الكلام الذي يُهتَمُّ به يقدَّم بين يديه ما يكون به التنبيه، فالله عز وجل ينادي داود تنبيهًا لما سيُلقي عليه فيقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾.
﴿جَعَلْنَاكَ﴾ أي صيَّرناك؛ لأن الجَعل تارةً يكون للتصيير وتارةً يكون للإيجاد؛ ففي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١] هذه جَعْل أيش؟ إيجاد، جَعْل إيجادٍ؛ يعني: أوجدَهما، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣] أي: صيَّرناه؛ جَعْل تصيير. والفرق بينهما أنه إنْ تعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ صار بمعنى الإيجاد، وإنْ تعدَّى إلى مفعولين صار بمعنى التصيير، هنا يقول: ﴿جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ تعدَّى إلى مفعولين: الكاف و(خليفة)، فتكون بمعنى التصيير.
وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ أي: خالفًا لنا في تبليغ شَرْعنا، وليس المراد أنه خالِفٌ له أنه يأتي بعده؛ لأن الله تعالى هو الأول والآخِر والظاهر والباطن، لكن خليفة لله في تبليغ أيش؟ في تبليغ شَرْعه وحُكمه بين الناس.
وقوله: ﴿فَاحْكُمْ﴾ الفاء هذه للتفريع؛ أي: فبناءً على كونك خليفةً في الأرض احكُم.
قال المؤلف رحمه الله: (﴿خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ تُدبِّر أَمْر الناس) كما يدبِّر الخلفاءُ أَمْر مَن جعلهم الله راعين له.
﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ الفاء هذه -كما قلت- للتفريع، على أيش؟ على جَعْله خليفةً.
﴿احْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾، ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل؛ لأن الحقَّ إن كان في مقابلة الخبر فهو بمعنى الصِّدق، وإن كان في مقابلة الحُكم فهو بمعنى العدل؛ فإذا قيل: أخبرني محمدٌ بكذا وهو حق؛ يعني صدقًا. وإذا قلت: حكم فلانٌ بكذا وهو حق؛ يعني عدلًا. هنا يقول: ﴿احْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل؛ لأن الحق هنا وُصِف به الحُكم فصار بمعنى العدل.
﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، وهذا يتضمَّن الحُكمَ، وطريقَ الحُكم، ولوازمَه؛ فالحُكم بأن تحكم بالشرع، وطريقه -طريق الحكم- أن تعدل بين الخصمين في كل شيء، حتى إن العلماء يقولون: يجب على القاضي أن يعدل بين الخصمين في لفظه، ولحظه، وكلامه، وجلوسهما، ودخولهما عليه، في كلِّ شيء:
ففي لفظه: لا يُغَلِّظ القولَ لأحد الخصمين ويُلين القولَ للآخر.
وفي لحظه: لا ينظر إلى أحد الخصمين نظرة غضب وإلى الثاني نظرة رضا.
مجلسه: لا يُجلس أحد الخصمين إلى جانبه والثاني بعيدًا عنه.
دخولهما عليه: لا يقُل لأحدهما: ادخُل، قبل الآخَر، حتى ولو كان كافرًا فإنه لا يقدِّم المسلمَ عليه في الدخول، وإن كان بعض العلماء قال: إذا كان أحدهما كافرًا فإنه يقدِّم المسلمَ عليه في الدخول، لكن المقام مقام حُكم، الواجب فيه العدل، وهذا كُفره عليه وهذا إسلامُه له، هذا إذا كان الدخول يحتاج إلى تقديم وتأخير، أمَّا إذا كان الباب مفتوحًا فإنه لا يلزمه أن يجعل عند الباب رجلًا يقول: ادخلا جميعًا، يجعل الأمر موكولًا إلى مَن؟ إلى الخُصوم؛ مَن جاء فليدخل، دخل قبل الثاني أو بعده، لكن إذا كان هناك ترتيب في الدخول فلا يقدِّم أحدهما على الآخَر، هذا طريق الحكم.
أمَّا الحُكم فإذا علم أن الحقَّ مع أحدهما وجب عليه أن يحكم به له مهما كان، سواءٌ كان عدوًّا أو صديقًا.
﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ الناس أصلُها (الأُناس)، لكن حُذفت الهمزة تخفيفًا كما حُذفت من (شر) و(خير)؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ [المائدة ٦٠] أي: بما هو أشرُّ من ذلك.
ثم قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾، ﴿الْهَوَى﴾ هوى النفس، وإنما نهاه عن اتباع الهوى تعظيمًا لهذا الأمر، ولا يَلزم من نهيه عنه أن يكون ممكنًا في حقه؛ كما قال الله تعالى للنبي ﷺ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥] ولا يَلزم من هذا أن يكون الإشراك في حقِّه ممكنًا، وقد يقال: إن الله نهاه عن اتباع الهوى لقُوَّة الهوى في البَشَر؛ فإن الهوى في البَشَر أمرٌ مفطورٌ عليه البَشَر؛ لأنه يندر أنَّ شخصًا يتقدَّم إليه أبوه مع شخصٍ آخَر عدوٍّ له، يندر ألَّا يكون له هوًى، أو يتقدَّم إليه شخصٌ من أصدقائه الحميمين وآخَر من أعدائه الألِدَّاء ثم لا يميل مع الأول، يندر هذا، فلِقُوَّة الداعي -وهو الهوى- نهى الله عنه وإنْ كان لا يمكن في حقِّه.
وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ أي: هوى النفس ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص ٢٦]، ﴿فَيُضِلَّكَ﴾، فالفعل هنا مضارعٌ، ولكنَّه منصوبٌ، فلماذا كان منصوبًا؟ لأنه وقع بعد النهي، والمضارع إذا اقترنت به الفاء بعد النهي صار منصوبًا بـ(أنْ) مضمرة وجوبًا.
وقوله: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: يجعلك تضلُّ وتحيد يمينًا وشمالًا.
وقوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (أي: عن الدلائل الدالَّة على توحيده). هذا ضعيف جدًّا هذا التفسير، بل المراد بـ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ طريقه الموصل إليه؛ لأن السبيل في الأصل هو الطريق، وأُضيف إلى الله لأنَّ الله هو الذي وضعه، وهو الذي شرعه، ولأن هذا السبيل يؤدِّي إلى مَن؟ يؤدِّي إلى الله، فأُضيفَ إلى الله باعتبار وضْعه وباعتبار نهايته. وإذا قُلنا بما ذكرت: أن المراد ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: عن طريقه وشريعته، صار أعمَّ مما قال المؤلف، أعمَّ مما قال وألصقَ باللفظ؛ لأن السبيل في اللغة معروفٌ أنه الطريق، وليست الدلائل الدالَّة على التوحيد، لكن الدلائل الدالَّة على التوحيد لا شك أن النظر فيها من شريعة الله.
﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص ٢٦] إلى آخره، لم يقُل الله عز وجل: إنك إنْ تتَّبع الهوى أو إنْ تضلَّ عن سبيل الله فلَكَ عذابٌ شديدٌ، بل أتى بالجملة الاستئنافية الاستقلالية؛ أولًا: تفاديًا لمخاطبة داود بذلك، وثانيًا: ليكون أعمَّ. ففيه فائدتان: الأولى: تفادى مخاطبة داود بذلك ، والثانية: إرادة العموم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ﴾ [عبس ١ - ٣]، فعبَّر بالفعل الماضي الدالِّ على الغائب ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ ولم يقُل: عبستَ وتولَّيتَ أنْ جاءك الأعمى وما يُدريك لعله يزَّكى، بل قال: ﴿عَبَسَ﴾ تفاديًا لمخاطبة الرسول ﷺ بمثل هذا الوصف.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ قال المؤلف: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: عن الإيمان بالله)، وهذا أيضًا فيه نظر، والصحيح أن سبيل الله هنا هو سبيل الله الأول، والمراد به أيش؟ شريعته؛ لأنها هي الطريق الموصل إليه.
﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ الجملة خبر ﴿إِنَّ﴾، وأين اسمها؟
* طالب: ﴿الَّذِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿الَّذِينَ﴾ هذا الاسم، و﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ خبرها، فالجملة هنا خبر لـ﴿إِنَّ﴾، وكلُّ جملة تقع خبرًا فلا بدَّ فيها من رابط يربط بين هذه الجملة وبين المبتدأ، والرابط هنا الضمير في قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.
وقوله: ﴿شَدِيدٌ﴾ أي: قوي وعظيم، ويدلُّك لقوَّته وعظمته ما وصفه الله به في القرآن الكريم من صفاتٍ تنزعج لها القلوب وتتفطَّر لها الأكباد.
وقوله: ﴿شَدِيدٌ﴾ أي: قوي ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص ٢٦] أي: بسبب نسيانهم يوم الحساب، فالباء هنا للسببية، و(ما) مصدرية، ولهذا قال المؤلف: (بنسيانهم يوم الحساب المرتَّب عليه تركُهم للإيمان، ولو أيقنوا بيوم الحساب لآمنوا في الدنيا).
وقوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ المراد بيوم الحساب يومُ القيامة، وأُضيفَ إلى الحساب لأن الناس يحاسَبون فيه على أعمالهم، وأولُ ما يحاسَب به الإنسان فيما يتعلَّق بحقِّ الله الصلاةُ، وأولُ ما يحاسَب عليه فيما يتعلَّق بحقِّ الآدميين هو الدماء؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ»[[أخرجه البخاري (٦٨٦٤) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
* طالب: (...) السجدة استغفر ربه (...) السجدة هل هي سجدة (...)؟
* الشيخ: أما بالنسبة لداود فهي سجدة التوبة، ولهذا قلنا: إن المشروع في شرعنا أن يصلي ركعتين لا أن يسجد مرة واحدة.
أمَّا بالنسبة لنا نحن تالي القرآن فإنَّ السجدة سجدةُ تلاوة، ولهذا يُسَنُّ للإنسان أن يسجد ولو كان في الصلاة، خلافًا لمن قال: إنَّ سجدة (ص) لا يُسجد فيها في الصلاة فإن هذا القول ضعيف.
* طالب: هل يمكن (...) إذا ما راقب الله (...)؟
* الشيخ: أبدًا ما يَسلم (...) إذا لم يراقب الله، لكن بعض الناس قد يَسلم من الهوى لا تديُّنًا ومراقبةً لله ولكن خوفًا من العار؛ مثل أن تكون القضية واضحة فيحكم بخلاف ما اتَّضح، فهذا ربما لا يهمُّه أن يكون ذلك خشيةً لله، ولكن خوفًا من العار الذي يصيبه بين الناس.
* طالب: الأنبياء (...) وذنوبهم تُغفر قبل أن (...) إلى الله؟
* الشيخ: معلوم، مَن عَلِمنا أنَّ الله غفر له فإنه مغفور له، فهنا داود غفر الله له، فإذا غفر الله له فلا يُحاسَب على ذلك.
* طالب: هل يُشرع للإنسان أن (...) القضاء (...)؟
* الشيخ: لا، القضاء فرض كفاية، وإذا لم يوجد صالحٌ إلا هو تعيَّن عليه، ولهذا ينبغي للإنسان أن يتَّخذ القضاء ولايةً ودينًا؛ أمَّا كونُه ولايةً فظاهر؛ أن يتولَّى أمور الناس ويحكم بينهم، وأمَّا كونه دينًا فلأنَّ هذا فرض كفاية، لا بدَّ للناس من القضاء، ولأن النبي ﷺ كان يقضي بين الناس، فيقتدي بالرسول ﷺ في هذا ويحصل له الخير الكثير.
* * *
(...) ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [ص ٢٦] إلى آخره.
* في هذه الآية من الفوائد: إثبات الكلام لله عز وجل وأنَّه بحرف وصوت، وذلك من قوله: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ﴾ [ص ٢٦]، فإن هذه الجملة مركبة من حروف، ولا بدَّ أن تكون بصوت لأنه يخاطب بها داود، ولا بدَّ أن يكون المخاطَب سامعًا، ولا سماع إلا بصوت، فيؤخذ منه الردُّ على الأشاعرة وغيرهم ممن قالوا: إن الله سبحانه وتعالى يتكلَّم وإنَّ كلامه هو المعنى النفسي القائم بذاته الملازم له دائمًا وأبدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الأمرَ أمرُ الله، هو الذي يُنَصِّب مَن شاء ويعزل مَن شاء.
* ومنها: أنه لا مانع من أنْ يقول القائل للسلطان له السلطة العليا في الأرض أنْ يقول له: إنه خليفة الله. ولا يعني ذلك أن الله سبحانه وتعالى محتاجٌ إلى أن يستخلف أحدًا ليقوم عنه بتدبير الخلق، ولكنَّه خلَّفه؛ أي: جعله حاكمًا بين الناس بما شرع الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الحُكم بين الناس بالحق؛ لقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾.
ويتفرَّع على هذه الفائدة أنَّ منصب القضاء فرضُ كفايةٍ كما قال ذلك أهل العلم، وإذا لم يوجد إلا الشخص المعيَّن المؤهَّل فإنه يكون في حقِّه فرضَ عينٍ.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه لا ينبغي للشخص إذا وُكِل إليه تولِّي القضاء أن يفِرَّ منه ما دام يعرف من نفسه الكفاءة؛ وذلك لأنه إذا فرَّ منه وفرَّ الثاني منه والثالثُ والرابعُ تعطَّل هذا المنصب العظيم الذي هو منصب الرسل، ولكن إذا أتى الإنسانَ هذا الشيء بدون سؤال فليستعِنْ بالله، فإن الله يُعينه على هذا.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب أن يُحكَم بين الناس بالحق، سواءٌ كان ذلك في طريق الحُكم أو في نفس الحُكم:
ففي طريق الحُكم يجب أن يعدل بين الناس في كلِّ شيء، حتى قال أهل العلم: يجب أن يعدل بين الخصمين في لفظه، ولَحْظه، ومَجلسه، ودخولهما عليه؛ فلا يقدِّم أحدًا في ذلك على أحد.
أمَّا في الحُكم فأنْ يحكم بينهم بمقتضى الشريعة، وما تقتضيه الشريعة فهو العدل بلا شك.
إذَن ﴿بِالْحَقِّ﴾ يشمل الحُكم وطريق الحُكم؛ أمَّا طريق الحُكم فهو معاملة الخصمين بحيث تكون المعاملة بينهما على وجه العدل، وأمَّا في الحُكم فأنْ يحكم بما تقتضيه الشريعة، وما تقتضيه الشريعة فلا شك أنه الحق.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يجوز للقاضي الحاكم بين الناس أن يُحابي أحدًا لقرابةٍ أو صداقةٍ أو غنًى أو فقرٍ أو جاهٍ أو غير ذلك؛ لقوله بأيش؟ ﴿بِالْحَقِّ﴾، ويؤيد هذا قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾.
* ويستفاد من هذه الآية: أنه في المقام الهامِّ ينبغي أن يُذكَر الإثبات المطلوب ويُذكَر النفي المطلوب؛ وذلك من أجْل إتمام الإثبات المطلوب، كأنَّه قال: احكمْ بالحقِّ حُكمًا لا يدخله الهوى. وهذه فائدةٌ واضحةٌ؛ يعني الشيء المهم إذا ذُكرت الصفات المطلوبة فينبغي أيضًا أن تُذكر الصفات التي لا تُطلب من أجْل أن تكون الصفات المطلوبة مجرَّدة عن الصفات غير المطلوبة؛ لأن من الكمال إثبات الكمال ونفي ضدِّه؛ فمثلًا: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ هذا أيش؟ إثبات كمال، ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ نفي ضدِّه؛ وإنما يؤتى بنفي الضدِّ من أجْل أن يتبيَّن أن المطلوب ينبغي أن يكون مجرَّدًا عن كلِّ ما ينافيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ اتِّباع الهوى سببٌ للإضلال عن سبيل الله؛ لقوله: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
ولكن هل الإضلال في نفس المخالفة أو أنَّ المخالفة نفسها ضلالٌ وتكون سببًا لإضلالٍ آخَر؟
الجواب: الثاني، فإنَّ الهوى يجلب للإنسان الضلال كما أنه هو نفسه ضلال، فإذا اتَّبعتَ الهوى في قضيَّةٍ ما فانتظِر اتِّباع الهوى في القضيَّة التي تليها؛ لأن المعصية قبل أن يقع فيها الإنسان يجد نفسه تستوحش منها، تستوحش وتنفر، فإذا فعلها مرَّةً هانت عليه، انكسر الحجاب، فإذا هانت عليه أول مرَّةٍ هانت عليه المرَّة الثانية ثم الثالثة حتى تصبح وكأنها لا شيء، ولهذا يضرب العامَّة مثلًا له فائدة؛ يقولون: بكثرة الإمساس يقلُّ الإحساس. يعني: إذا أكثر الإنسانُ من مماسَّة الشيء قلَّ إحساسُه به.
الحاصل أن اتِّباع الهوى ضلالٌ بنفسه وسببٌ للضلال، ووجه ذلك أن المعصية تنفر منها النفس، فإذا فعلتْها مرَّةً هانت عليها، ثم الثانية تكون أهْون، والثالثة أهْون، والرابعة أهْون، حتى تصبح المعصية وكأنها ليست بمعصية، ولهذا قال: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فتجد قاضيًا مثلًا لا يمكن أن يحكم بالحَيف والجَور، وتجده نافرًا من ذلك، فإذا حَكَم مرَّةً هان عليه، (...) الثانية وهان عليه، والثالثة، والرابعة، وهكذا، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
ويمكن أن يقال: إن هذا لا يختصُّ بالحُكم بين الناس؛ أي إن اتِّباع الهوى سببٌ للإضلال عن سبيل الله في كلِّ شيء، حتى في غير الحُكم، حتى في المعاصي الخاصة التي في نفسك إذا اتبعتَ هواك فيها فاعلمْ أنَّ هذا سببٌ للإضلال عن سبيل الله، فعليك أن تتوقَّى المعاصي فإنها كلها شَرٌّ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن دين الله تعالى واحدٌ لا يتشعَّب؛ لقوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فأَفْردها، ويدلُّ لهذا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]، فسبيل الله واحدة، ولكن ما خالفها فهو المتشتِّت؛ هذا سببه الهوى، وهذا سببه خشية الناس، وهذا سببه كذا، وهذا سبيه كذا، فتتفرق السُّبُل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء العظيم على شريعة الله، وذلك بإضافتها إلى الله؛ لأن كلَّ ما أُضيفَ إلى الله فإنه إذا كانت الإضافة خاصة فإنَّ الإضافة تدلُّ على شرفه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الضالِّين عن سبيل الله متوعَّدون بهذا الوعيد؛ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: قوي، ويتفرَّع على هذه الفائدة: الحذر من الضلال عن سبيل الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أسباب الضلال عن سبيل الله نسيان يوم الحساب والغفلة عنه، والانغماس في الدنيا حتى تُنسي الإنسانَ ما خُلِقَ له وما هو مقبلٌ عليه، ولهذا قال: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ أي: غفلوا عنه، ليس المراد بالنسيان الذهول الذي يُعفى عنه، بل المراد بالنسيان التَّرْك الذي هو الغفلة وعدم المبالاة به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من الانغماس في الدنيا الذي يوجب نسيانَ يوم الحساب، ومن ثَمَّ حرَّم الشرع كلَّ لهوٍ يلهو به الإنسان وقال: كلُّ لهوٍ يلهو به الإنسانُ فهو باطلٌ إلا ما استُثني، يعني: باطلٌ ليس فيه خير، ثم قد يكون محرَّمًا وقد يكون ضياعًا للوقت بدون تحريم، لكن كل اللهو يصدُّ عن سبيل الله ويُنسي يومَ الحساب، ولذلك تجد أقلَّ الناسِ إيمانًا بيوم الحساب أكثرَهم ممارسةً للملاهي، لا يمكن أن يقع في قلبه تذكُّر ليوم الحساب إلا نادرًا إن وُفِّق لسماع موعظة أو ما أشبه ذلك، وإلا فإنه غافلٌ لاهٍ.
ويتفرَّع على هذا أن يعرف الإنسانُ عداوةَ أعداء الله الذين أغرقونا بالملاهي وأنواعها حتى صرفوا الشباب الإسلاميَّ عمَّا ينبغي أن يؤهِّل نفسَه له، فأغرقوه بالملاهي بأنواعها حتى صار الإنسانُ كأنَّما خُلِق لهذا اللهو، وصار رأس ماله وعَقِب ماله كله هو هذا اللهو، لا يتكلَّم إلا به ومَن فاز به ومَن لم يَفُز، فضاع الشباب بسبب هذا اللهو الذي انغمسوا فيه ونسوا يومَ الحساب إلا مَن شاء الله.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات الأسباب، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾؛ لأن الباء هنا للسببية.
ويتفرَّع على هذه الفائدة إثباتُ حكمة الله عز وجل وأنَّه تعالى لا يفعل شيئًا إلا لسببٍ يقتضيه، حتى إنَّ بعض أهل العلم قال: إنَّ كون الله عز وجل خَلَق السماواتِ والأرضَ في ستة أيام دون أن يخلقها بلحظة من أجْل ترتُّب هذا الخلْق بعضه على بعض، حتى تكون الأسباب فاعلةً فِعْلها فتُنتج الشيءَ شيئًا فشيئًا حتى يتمَّ. وهذا ليس ببعيد ما دُمنا نؤمن بأن الله تعالى حكيمٌ وأنَّ كل شيءٍ فإنه يكون بسببٍ، فلا يُستبعد أن يكون بقاءُ خلْقِ السماوات والأرض ممتدًّا إلى ستة أيام هو من أجْل هذا؛ من أجْل أن يترتَّب الخلْق بعضه على بعضٍ وينبني بعضه على بعض حتى يكون مطابقًا للحكمة، وإلا فنحن نعلم عِلم اليقين أنه لو شاء الله لَقال: (كُن) فيكون في لحظة، لكن الله عز وجل حكيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحساب في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾.
وكيف هذا الحساب؟
الحساب يختلف؛ حساب المؤمن أن يخلو الله به من غير أن يطَّلع عليه أحدٌ فيُقَرِّره بذنوبه يقول: فعلتَ كذا وفعلتَ كذا، حتى إذا رأى أنه هلك قال الله له: إنِّي قد سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢)، من حديث ابن عمر. ]]. هذا حساب المؤمن، وهذا حسابٌ يسيرٌ؛ ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق ٧، ٨]، وما أيسر أن يخلو بك الله عز وجل وحدك ليس عندكم أحد، ويكلِّمك ليس بينكما ترجمان ويقول: إنِّي سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. الحمد لله، نعمة.
أمَّا الكافر فليس كذلك؛ الكافر يُنادى عليه على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨] يُخزَون ويُفضحون ﴿كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ فهم يُخزَون بأعمالهم ويُفضحون بها.
* * *
ثم قال الله تعالى: (﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ أي: عَبَثًا ﴿ذَلِكَ﴾ أي: خَلْق ما ذُكر لا لشيء ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكَّة ﴿فَوَيْلٌ﴾ وادٍ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]).
يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾، ﴿خَلَقْنَا﴾ أي: أوجدنا، فالخلْق بمعنى الإيجاد، لكنه إيجادٌ عن تقدير؛ لأن الإيجاد قد لا يكون عن تقدير ولا عن ترتيب، ولكن الخلْق لا بدَّ أن يكون عن تقدير وترتيب.
يقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ﴾، ﴿السَّمَاءَ﴾ المراد بها الجنس فيشمل جميع السماوات، وكذلك الأرض.
وقوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ معطوفٌ على السماء؛ أي: ما خلقْنا ما بينهما، والذي بين السماء والأرض من المخلوقات مخلوقاتٌ عظيمةٌ بعضُها معلومٌ لنا وبعضُها مجهولٌ لنا لم نَعلمه حتى الآن، لكنَّنا يغلب على الظن أنها مخلوقاتٌ عظيمةٌ؛ لأن الله تعالى جعلها قسيمةً لخلْق السماء والأرض، وقسيم الشيء لا بدَّ أن يكون مقاربًا له أو مساويًا له.
وقوله: ﴿بَاطِلًا﴾ هذا محطُّ النفي، ولهذا نقول: لا يجوز الوقوف على قولك: ﴿