وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ يعني عجِّل لنا نصيبنا من العذاب، يقولون هذا استهزاءً برسول الله ﷺ وسخرية به، قال: (قالوا ذلك استهزاءً).
فقال الله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ص ١٧].
هم في قولهم: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ يريدون بذلك مضايقة الرسول ﷺ، يريدون بذلك مضايقته حتى يضجر ويتعب نفسيًّا وفكريًّا وربما جسميًّا، ولا شك أن هذا يؤذي الداعية، أنت لو دعوت إلى الله وقام واحد وقال: هذا الذي تتوعدنا به يلَّا هاته عجِّل لنا، تضيق بهذا ولَّا لا؟ لا شك أنك تضيق، فالرسول ﷺ بشر، لولا أن الله تعالى يصبره بالآيات، اصبر اصبر؛ ما صبر، لكن الرب عز وجل يُصبِّره شرعًا، ويعينه على ذلك قدرًا، يصبره شرعًا بالأمر: اصبر اصبر، ويعينه على ذلك قدرًا، فقد صبر النبي ﷺ صبرًا لا يصبره أحد ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف ٣٥].
والعجيب أن من صبره أنه صبر حين المقدرة عليهم، صبر على العذاب الذي يكون بيده، وعلى العذاب الذي يكون من عند الله، صبر على العذاب الذي يكون بيده حين فتح مكة، ووقف على باب الكعبة وقريش تحتها يقول: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟» قالوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قال: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» »[[ذكره ابن هشام في سيرته (٢/٤١٢)، والطبري في تاريخه (٣/٦٠) من حديث قتادة السدوسي.]]. في هذا الحال يستطيع أن يبطش بهم ولَّا لا؟ يستطيع، كلهم أذلة بين يديه، لكن قال: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ». » بل قال قبل ذلك: «مَنْ دَخَلَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ»[[أخرجه أبو داود (٣٠٢٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٧٢٦٤) من حديث عبد الله بن عباس.]]. زعيمهم، كل هذا من باب العفو والتسامح مع المقدرة.
أما عفوه وتسامحه مع المقدرة بأمر يوقعه الله سبحانه وتعالى فيهم، فإنه «لما رجع من الطائف بعد أن فعل به أهل الطائف ما فعلوا أرسل الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال وقال: إن الله يقرئك السلام، وهذا ملك الجبال يفعل ما تأمر به. فقال له ملك الجبال: إن شئتَ أن أُطبق الأخشبين عليهم فعلتُ. ولكنه عليه الصلاة والسلام أَبَى. قال: «أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ /١١١) من حديث عائشة. ]].
اللهم صلِّ وسلِّم عليه، انظر إلى العفو، وإلى النظر البعيد، فأخرج الله -ولله الحمد- من أصلاب هؤلاء من عَبَدَ الله، ولم يشرك به، وكانوا أئمة يهدون بأمر الله، فالنبي عليه الصلاة والسلام يجد المضايقات العظيمة من قريش لكنه يصبر، يصبر على كل أذى، ولهذا قال الله له: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ من أقول الاستهزاء والسخرية والكذب قالوا: إنه ساحر مجنون كذاب كاهن ولكنه يصبر، صبر على ما يقولون، وصبر على ما يفعلون أيضًا، ماذا فعلوا به؟ أعظم شيء علمتُ به أنه «كان ذاتَ يوم ساجدًا تحت الكعبة » في آمَن مكان وأعظمه حُرْمة وأقرب ما يكون من ربه، ساجد لله، «وكان حوله ملأ من قريش، فقالوا: من ينتدب لنا يأتي بسلى جزور بني فلان يضعه على محمد وهو ساجد؟ فانتدب أشقاهم وذهب وأتى بسلى الجزور، ووضعه على ظهره، دم وروث وقذر ونجاسة على ظهره وهو ساجد، ولكنه لم يقم من السجود، حتى جاءت ابنته فاطمة وهي صغيرة فأزاحته عنه فقام ﷺ»[[أخرجه البخاري (٥٢٠) من حديث عبد الله بن مسعود بنحوه. ]].
هذا لا يستطيع أحد أن يتصور فداحة الأذى والعياذ بالله، ثم لما فرغ من الصلاة دعا الله عليهم، فأجاب الله دعوته، وعذبهم بيده، وسُحِبوا في قليب بدر في غزوة بدر جُثثًا منتنة خبيثة، وطُرِحوا في أحد الآبار هنالك، اللهم انصر الحق أينما كان يا رب العالمين (...).
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]