تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴿٨٤﴾
إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال المؤلف: (أي: تابعه وقت مجيئه) يحتمل ما قال المؤلف وأن ﴿إِذْ﴾ متعلقة بقوله: ﴿شِيعَتِهِ﴾ أي: وممن شايعه حين جاء ربه بقلب سليم إبراهيم، ويحتمل أن ﴿إِذْ﴾ استئنافية، وأن تقدير الكلام: اذكر ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، وهذا هو الأصح، فالصحيح أنها ليست متعلقة بذلك، وأنه من شيعته وقت المجيء، بل هو من شيعته وقت المجيء وغيره، لكن أراد الله هذا أن ننوه بهذا الوصف العظيم لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال: (من الشك وغيره) ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ متى مجيئه لربه؟ هل المراد جاء ربه حين لاقاه بعد الموت، أو جاء ربه حين آذاه قومه وهددوه بالإحراق، أم نطلق كما أطلق الله؟ الأولى أن نطلق كما أطلق الله ونقول: ﴿جَاءَ رَبَّهُ﴾ في الوقت الذي يعلم الله سبحانه مجيئه فيه ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال المؤلف: (من الشك وغيره) والصحيح أن السلامة أعم مما قال المؤلف، فهو سليم من الشبهات، وسليم من الشهوات، سليم من الشبهات، ليس فيه شك بأي وجه من الوجوه، بل هو على علم ويقين بما آمن به، سليم من الشهوات، ليس في قلبه هوى مخالف لما جاء به الوحي، وهذه هي سلامة القلب، أن يكون سالمًا من الشبهات التي تعرض له والشكوك، فيكون مؤمنًا حقًّا، وأن يكون سالمًا من الشهوات.
وما هي الشهوات؟
الشهوات: الإرادات المخالفة لما جاء به الوحي، فهل كل قلب يهوى ما جاء به الوحي؟ لا، القلوب جوالة يمينًا وشمالًا، أحيانًا قلب الإنسان نفسه يتجول في بعض الأحيان، يكون مقبلًا غاية الإقبال على الوحي محبًّا له مطبقًا له، وأحيانًا يجد فتورًا عن الإقبال على الوحي، وفتورًا عن تطبيق ما جاء به الوحي، ولهذا ينبغي للإنسان دائمًا أن يسأل الله سبحانه وتعالى الثبات على الأمر، وثبات القلب؛ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، فعلى الإنسان ألا يغتر بنفسه ولا يعجب بعقيدته، عليه أن يسأل الله دائمًا الثبات؛ لأن القلب -كما قلت- يعتريه شبهات ويعتريه شهوات، أحيانًا يكون الإنسان مؤمنًا حقًّا، ثم يُلقي الشيطان في قلبه شبهة فيعمى والعياذ بالله ويضل، أحيانًا يكون الإنسان صالحًا مستقيمًا على أمر الله، فيلقي الشيطان في قلبه شهوة فيضل ويتبع الشهوات، فالقلب السليم هو السالم من أيش؟ من الشبهات والشهوات، بل فيكون إذا سلم من ذلك مستقيمًا على طاعة الله سبحانه وتعالى.
﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
(﴿إِذْ قَالَ﴾ في هذه الحالة المستمرة له ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ ) هذا نقول فيه كما قلنا في: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ أنها جملة استئنافية لبيان حال إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فكان قلبه سليمًا صالحًا في نفسه، ومع ذلك يحاول إصلاح غيره ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ (موبِّخًا لهم) ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾، ﴿